الدرس في 15 فضائل الأعمال في شهر الصيام - إطعام الطعام، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
إطعام الطعام من العبادات الجليلة في الإسلام، ورغب فيه الشرع، وكان من عادة العرب قبل الإسلام. هذا العمل الصالح له أجر عظيم، حيث إن من أفطر صائما كان له مثل أجره.
هناك صور متعددة لإطعام الطعام، منها السلة الغذائية وتفطير الصائمين في المساجد وإطعام الجيران لبعضهم. سقي الماء يدخل ضمن إطعام الطعام، والأجر يشمل الجميع بغض النظر عن حالتهم المالية.
إطعام الطعام وتفطير الصائمين في رمضان يحقق الأجر العظيم، سواء للرجل أو المرأة. هناك خلاف بين العلماء حول ضابط إفطار الصائم، هل يكفي أي شيء أم لابد من الإشباع.
الدرس يختتم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مع التأكيد على أن الله تعالى هو الأعلم، ويظهر الختام الرغبة في نيل البركة والرضا الإلهي.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان حديثنا عن فضل الصدقة، إذ أنها من أهم الأعمال التي ينبغي أن يحرص عليها الصوام. وإن مما أحب أن أذكره في هذا المقام، وهو مما له تعلق بأمر الصدقة، أن أذكر عملا صالحا من الأعمال الجليلة التي تتفرع من أمر الصدقة، ألا وهو إطعام الطعام. فإن إطعام الطعام ليعد من العبادات الجليلة والقربات العظيمة التي رغب بها الإسلام عموما، فجعلها من فضائل الأعمال. قال عليه الصلاة والسلام: «يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام». فذكر عليه الصلاة والسلام هذه الخصال الأربع، ومنها «يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام». فإطعام الطعام من المسائل التي بها يدخل الناس الجنان. وجاء بلفظ: قال عليه الصلاة والسلام: «أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، تورث الجنان». إذا أردت أن تضمن الجنة، عليك بهذين العملين: إفشاء السلام، وبإطعام الطعام. وإن من فضائل إطعام الطعام، إخواني في الله، أنها من الأعمال المحمودة والمحبوبة إلى الله جل في علاه. ثبت ذلك من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «أحب العباد إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا». هذه من أحب الأعمال إلى الله جل في علاه: سرور، بهجة، وحبور، تدخله إلى قلب عبد مسلم. هذا عمل طيب: سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا، بأنك تزيل المخمصة، تزيل الجوعا. هذا عمل صالح. بل إن هذا الفعل، إخواني في الله، كان من عادة العرب قبل الإسلام، بل تميزوا بهذه الخصلة عن باقي الشعوب والأمم. فكان أهل العرب قديما يتنافسون في إطعام الطعام، بل كانوا يضربون الأمثال في الكرم، حتى أن منهم من كان يعد السفر والأطعمة في البوادي، ينظر على غريبا، على مسافرا يأتي فيطعم هذا الطعام. إنه ليعجب عما يكون في مواسم الحج في أيام الجاهلية، كانوا يتنافسون على إطعام الطعام. ثم جاء الإسلام، إخواني في الله، وشرع وهذب وأقر هذه الخصلة الطيبة من خصال أهل الإسلام. ليس حديثي، إخواني في الله، عن هذه الخصلة عموما، وإنما أردت ببياني أن إطعام الطعام من الأعمال الفاضلة، وخاصة لأهل الصيام. دليل ذلك ما جاء في السنن من حديث زيد بن خالد رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «من فطر صائما كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجره شيئا». من فطر صائما، وعملية التفطير هذه ما تكون إلا بطعام، بأنك تطعمه طعاما حتى يخرج من صومه. فأخبر عليه الصلاة والسلام: «من فطر صائما كان له مثل أجره». هذا الحديث نعم، وإن تكلم فيه جماعة من أهل العلم، إذ أنه من طريق عطاء عن زيد بن خالد، وعطاء لم يسمع منه كما قال ابن المديني رحمه الله. إلا أن للحديث شواهد، شواهد تدل عليه، منها شواهد عامة: «من دل على خير فله أجره وأجر من عمل به»، «من دل على هدى فله أجر فاعله»، «من جهز غازيا فقد غزا». فدلت عمومات الأدلة أن من أعان مسلما على أمر فله أجر هذه الإعانة. وهكذا قل: من فطر صائما كان له كأجره، كأجر من فطرته. وهذا، إخواني في الله، مغنم عظيم لمن استطاع إليه السبيل. كم عسانا أن نصوم رمضان؟ كم عسانا نصوم رمضان ثلاثين يوما؟ هل تريد أن تصوم رمضان مئة يوم؟ هل تريد أن تصوم رمضان ثلاثمائة يوم؟ يمكن كيف؟ بهذه الطريقة، لأن على قدر عدد المفطرين الذين تفطرهم بنفسك، بمالك، يعود الأجر إليك، أجرهم إليك. فإن فطرت عشرة فلك عشرة أيامهم، مع أنه لا ينقص من أيامهم شيئا. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وهذا أمر عظيم فتحه الله على من أراد أن يهديه إلى فضائل الأعمال. إخواني في الله، ومن هنا كان من اهتمام سلفنا الصالح في مسألة إطعام الطعام، وخاصة في أيام الصيام. حتى قال الإمام الزهري رحمه الله: «إذا دخل رمضان، فإنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام». حصر رمضان في خصلتين عظيمتين: خصلة تعود إلى نفسك، وخصلة تعود إلى غيرك. «إذا دخل رمضان، فإنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام». قال أبو سوار العدوي رحمه الله: «كان رجال من بني عدي من هذا الحي لا يفطر أحدهم على طعام وحده، ما يفطر أحدهم على طعام وحده. فإن وجد من يأكل معه أكل، وإلا أخرج طعامه إلى المسجد فأكل مع الناس وأكل الناس معه». هذا طبيعتهم، وهذه من سجيتهم، يحبون أن غيرهم يشاركهم الطعام. بل ذكر العلماء من حال بعض السلف، من بعض الصحابة، ومن بعض التابعين، ومن بعض الأئمة، أنهم كانوا لربما يتنازلون عن إفطارهم من أجل أن يطعموا غيرهم. كما نقل هذا عن ابن عمر، نقل هذا عن إمام أحمد رحمه الله، عن جماعات من الزهاد. كان الواحد منهم لربما أعد طعاما لنفسه لكي يفطر عليه، فإذا جاء مسكين وأراد طعاما يتفطر به، دفع إفطاره إلى غيره، حتى يتحصل على فضيلة إطعام الطعام. فالحاصل، إخواني في الله، أن هذه من الأعمال العظيمة عموما، وخصوصا في رمضان: إطعام الطعام. هنا أحب أن أشير إلى بعض المسائل، أربع مسائل، أسردها سردا، وهي مسائل متعلقة بإطعام الطعام. أولاها: صور إطعام الطعام، كيف تكون؟ كما قلنا، ضابطها أنك تطعم بأنك ترفع الجوع عن إخوانك. قد يكون هذا مثلا في مثل هذه الأزمان، بشراء السلة الغذائية. السلة الغذائية نوع من أنواع طعام الطعام، تشتري سلة، توزعها، تعطيها للمحتاجين، هذا إطعام طعام. أو ما يكون من صنع مأدبة في المساجد، ما يسمى بالتفطير الصائمين في المساجد، هذا إطعام طعام كذلك. ما يكون عن طريق إطعام في السبيل، توجد من يتبرع، حفظه الله، ولا زال الناس على هذه الخصلة الكريمة، أنهم يخرجون بتمور، يخرجون ببعض الأطعمة إلى الشوارع، فيتحينون وقت المغرب، سواء كان في حرم الله أو كان في الطرقات أو كان في الشوارع أو كان عند السيارات ومحل السفريات، تجد الناس تفطنوا لحاجة هؤلاء الإفطار، فيوزعون أطعمة خفيفة حتى يفطر بها هؤلاء، هذا من إطعام الطعام. وقس كذلك ما يكون مما يتبادله الجيران، وهذه والله من العادات الطيبة، لا زال العمل عليها. تجد أن المرأة أو الزوجة إذا أعدت طعاما لأبنائها، تخرج طعاما، تعطي هذا للجار الفلاني، وهذا للجار الفلاني، ويتبادلون، وكل واحد يطرق الباب على الآخر، هذا نعم من إطعام الطعام، هذا من إطعام الطعام. وهكذا، إخواني في الله، يدخل في هذا الباب كذلك ما يكون من سقي الماء، فإن سقي الماء لأن الماء طعام، ومن لم يطعمه فإنه مني. فذكر العلماء على أن الماء يدخل في اسم الطعام، لأنه يطعم مطعوما، فيدخل في إطعام الطعام سقي الماء. وقد سئل عليه الصلاة والسلام عن أفضل الصدقة، قال: «سقي الماء». فأنت، يا عبد الله، في هذا الشهر، وأنت في صدد تفطير الصائمين، احرص كذلك على سقي الماء. مثل هذا، صوره كثيرة أيضا، مثل ما يفعله بعض الناس من جعل هذه البرادات في الطرق العامة، هذا من سقي الماء. أو البرادات في المساجد، هذا من سقي الماء. أو كذلك توزيع هذه الدبب الصغيرة وقارورات الماء على المصلين وعلى الناس في الطرقات، هذا من سقي الماء. وعموما، كل ذلك من إطعام الطعام. وهكذا، إخواني في الله، هذه مسألة الأولى، وهي من صور إطعام الطعام. المسألة الثانية: في مسألة إطعام الطعام، وخاصة ما يكون من تفطير الصائمين، ليس من الشرط أنك تحرص على أهل الفقر والمسكنة، بل إن الأجر يعم الجميع. الأجر يعم الجميع، ولو أنك تفطر غنيا، غني مستكفي، ومع ذلك تعطيه طعاما، فإنك تؤجر. «من فطر صائما كان له مثل أجره». قد يقول قائل: «يا أخي، تعطي هذا الرجل، ما شاء الله، تبارك الله، عنده شركات، وعنده...». ولو في مسألة إفطار الصائمين، ليس لها تعلق بأصحاب الغنى واليسار. نعم، لربما الحاجة أحوج إلى المسكين، لكن تكلم عن الأجر والثواب. كما قال العلماء: فإن الأجر والثواب يعم كل من تناول الطعام، ولو كان غنيا. ولهذا، إخواني في الله، يدخل في إطعام الطعام ما يفعله بعض الناس من هذه العزائم. رجل اعتاد الناس على هذه الظاهرة، ولله الحمد، ويمين شيمه ومحاسنه أهل الإسلام، أنه في رمضان، بعد العد، العد، في دعوة جماعته، قرابته، بناته، وأولاده، وصهره، يدعوهم إلى طعام. ما هذا من إطعام الطعام؟ ولو أن بعضهم لربما، ولله الحمد، مستكفي، لكن هذا إطعام الطعام، مأدبة، فيتحصل على الأجر من الجميع. فعلى قدر من تدعوهم، تتحصل على أجرهم. يقول بعض العلماء، أو بعض السلف: «لأن أدعو عشرة من أصحابي إلى طعام يشتهونه، أحب إلي من أن أعتق عشرة رقاب». لأن أدعو عشرة من أصحابي، زملائي، قد يكونوا من أصحاب اليسار، من أصحاب الكفاية، لكنهم صحبة، وهم يحبون طعاما ما، طعام يتمنون أن يتذوقوه. فإني لأن أقوم بدعوة عشرة من أصحابي إلى طعام يشتهونه، أحب إلي من أن أعتق عشرة رقاب. ولهذا، عبد الله، افتح هذا الباب، ولا تضيق واسعا. فمن فتح الله عليه، فليفتح على غيره بتفطير الصائمين، وبإطعام الطعام. المسألة الثالثة: التنبيه الثالث، مسألة اختلف فيها العلماء: ما هو ضابط إطعام الطعام؟ ما هو ضابط إفطار الصائم؟ هل لابد من الشبع، أو ليس لابد؟ هذه مسألة اختلف فيها العلماء. من أهل العلم من يرى أن إفطار الصائم يكون بأي شيء، ولو قل، بأي شيء، ولو بتمرة. فإن فعلت ذلك، فأفطرته، فلك أجر. لكن من أهل العلم من يرى أن إفطار الصائم لابد أن يكون إلى حد الإشباع، كشيخ الإسلام رحمه الله: لابد أنك تشبع. فعلى رأيه يقول: إذا جاء رجل وأعطاك تمرة، هل هذا فطر؟ قل: لا، هذا مو تفطير، إفطارك أن تشبع، يعطيك ما يشبعك. فهذه مسألة خلافية، قديما وحديثا، بين العلماء في ضابط إفطار الصائم: هل لابد أن يصل المفطر أو الصائم إلى حد الإشباع من طعامك، ومن جراء فطرك له؟ وإلا يكفي أي شيء؟ هذا التنبيه الثالث، وهي مسألة خلافية. ولا أشك ولا ريب أنه على قدر النفقة، وعلى قدر البذل، يكون الأجر. رابعا وأخيرا، إخواني في الله، مما أذكره في هذا المقام، وفي إطعام الطعام، ما يتعلق بربات البيوت، ما يتعلق بالمرأة، ما يتعلق بالزوجة والأم. فهم الأس والأساس في إطعام الطعام، وفي تفطير الصائمين في البيت. فنقول لها: يا أمة الله، احتسبي الأجر عند الله على هذا البذل والعطاء. فلك الأجر ما تفعله المرأة من أنها تتحول إلى مطبخها وتعد العد من طعام ومن شراب ومن أشهى المأكولات والأطعمة، هذا لا يذهب عنها سدى. ولهذا، لا تعتقد المرأة أن هذا ضياع للأوقات، لا تحتسب الأجر. جاء في الصحيح من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي خرج في سفر، وكان الناس على قسمين: منهم من كان من أهل الفطر، ومنهم من كان من أهل الصيام. من كان من الصوام، إلا أن أهل الصيام سقطوا، سقطوا من شدة الحر، ما تحملوا، فما استطاعوا على القيام بأعمالهم. فقام المفطرون فأراحوا هؤلاء الصوام، وأعملوا الأبنية، وسقوا الركاب، وعلفوا الدواب، وقاموا بكل الأعمال. فلما رآهم نبينا وهم يعملون هذه الأعمال، قال: «ذهب المفطرون اليوم بالأجر». ذهب المفطرون، ليس الصائمون، ذهب المفطرون اليوم بالأجر. لماذا ذهبوا بالأجر؟ لأنهم قاموا بأعمالهم وأعمال إخوانهم. فلما كان هذا الفعل منهم ذهبوا بالأجر، أي كأن الأجر هم الذين تحصلوا عليه، لا سواهم. قال العلماء: إذا كان هذا في حق المفطر إذا أعان صائما أخذ أجره، فما ظنكم بصائم يعين صائما؟ فما ظنك بالزوجة والأم والبنت والأخت وهي صائمة وتعد الطعام لأبنائها لأزواجها ولقرابتها تعينهم على صومهم؟ فلا شك ولا ريب أن لها عظيم الأجر. فهنا المرأة تحتسب على ما تبذله من أوقات وما تبذله من دقائق وساعات في تحضير الطعام. وطبعا هذا لا إفراط ولا تفريط، ليس معنى ذلك أن تبقى من الصباح إلى المساء وهي في مطبخها، لا، وإنما لكل ذي حق حقه. فلربها حق، ولزوجها حق، ولأبنائها حق، فتعطي لكل ذي حق حقه. فإن كان من حق الأزواج والأولاد عليها بإعداد الطعام، فإنها تحتسب الأجر عند الله، ويعطيها الله على ما كان من تفطيرها لصائميها. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.