الدرس في التعليق على رسالة من وصايا السلف للشباب 1، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستهل الشيخ ببيان مكانة الشباب كمرحلة قوة ونشاط مستدلاً بالقرآن والسنة، ويوضح أن النبي صلى الله عليه وسلم وصى باغتنامها قبل الهرم لأن العبد يسأل عنها يوم القيامة. ويدعو الشباب لاستثمار هذه المرحلة في طاعة الله وطلب العلم.
يؤكد المقطع خطورة مرحلة الشباب لاجتماع القوة والشهوة، ويستشهد بحديث السبعة الذين يظلهم الله ومنهم شاب نشأ في طاعة الله. ويوضح وصية النبي بالزواج لمن استطاع الباءة والصوم لمن لم يستطع، مع التنبيه على معاملة الشباب بالرفق كما فعل النبي مع المستأذن في الزنا.
يستعرض المقطع أسلوب النبي ﷺ الرقيق مع شاب أراد الزنا حيث عاتبه بلطف ودعا له بالهداية. ويبرز عناية الصحابة والتابعين بالشباب عبر الترحيب بهم في مجالس العلم وتحفيزهم على العبادة، مستشهداً بوصية عمرو السبيعي باغتنام الشباب في تلاوة القرآن والصيام.
يبيّن المقطع أن إظهار العالم للعبادات بقصد الاقتداء لا يعد رياءً بل مستحباً كما في صلاة النافلة في المسجد. ثم ينتقل للوصية الثانية بضرورة أخذ العلم والدين عن الأكابر الأثبات من أهل السنة، محذراً من التلقي عن الأصاغر وأهل البدع، ومؤكداً أن نعمة الله على الشاب تكمن في التوفيق للمنهج الصالح والمعلم الصالح.
يؤكد المقطع أن الشباب مرحلة حاسمة للخير، فمن نشأ مع أهل السنة رجي خيره ومن مال إلى البدع خيف عليه. ويحث على استغلال قوة الشباب وفراغ الوقت والمال في طلب العلم والعبادة والدعوة، محذراً من إضاعة هذه النعم التي تؤدي إلى الندم والهلاك مستدلاً بأقوال السلف وآيات القرآن والأحاديث النبوية.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فبين يدي هذه الرسالة القيمة النافعة، والتي هي بعنوان "من وصايا السلف للشباب" للشيخ المبارك عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد حفظه الله تعالى. وتم اختيار هذه الرسالة في هذه الدورة الطيبة المباركة لعدة أسباب: السبب الأول: كون أكثر المشاركين وأكثر الحاضرين من الشباب، إذ أن مرحلة الشباب قيل هي من البلوغ إلى سن الثلاثين، وقيل من البلوغ إلى سن الأربعين، وهذا هو الأقرب لقول الله عز وجل: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾. فقوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾، قالوا: هذا في أوج سن الشباب، سن الأربعين. ولذلك اختار الله عز وجل بعثة رسوله صلى الله عليه وسلم وهو في سن الأربعين. فإذا أنتم في هذا المجلس المبارك أكثركم من هذه المرحلة، مرحلة الشباب. ثانيًا: من أسباب اختيار هذه الرسالة لما فيها من الوصايا النافعة القيمة من وصايا سلفنا الصالح، لا سيما في مثل هذه الأزمان التي كثرت فيها المغريات، وكثرت فيها الملهيات التي صرفت الشباب عن الخير، وعن الاستقامة، وعن الثبات على منهج السلف. فالشباب في أمس الحاجة إلى مثل هذه الوصايا، وستعلمون أهمية وعظم هذه الوصايا إن شاء الله تعالى عند قراءتها وشرحها. قال المؤلف رحمه الله تعالى، الشيخ عبد الرزاق البدر: "بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فلا يخفى أن مرحلة الشباب مرحلة مهمة جدًا في حياة الإنسان، لأنها مرحلة القوة والنشاط، وسهولة الحركة، وقوة الأعضاء، وسلامة الحواس. بينما إذا كبر الإنسان تضعف منه حواسه وقواه. وهذا ما نبه عليه ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، حيث قال سبحانه وتعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾. فقوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾، وهذه مرحلة الطفولة. ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾، وهذه مرحلة الشباب. ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾، وهذا مرحلة الشيخوخة والكبر. فإذا قوله سبحانه وتعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾، أي أن هذه المرحلة، مرحلة الشباب، هي مرحلة القوة التي بها يعمل هذا الشاب ما لا يستطيع أن يعمله الكبير، سواء كان في باب العبادات أو في باب الأعمال الدنيوية. هذا أمر معلوم مشاهد. فالشاب عنده قدرة على تحمل الصيام لقوة أعضائه، وعلى تحمل القيام، وعلى تحمل الجلوس والحفظ لصفاء ذهنه ولقوة ذاكرته. وهو كذلك يستطيع أن يجاهد في سبيل الله، أن يذهب إلى الحج، أن يذهب إلى العمرة. ولذلك ينصح العلماء أن الإنسان إذا استطاع أن يذهب إلى الحج في وقت شبابه فهذا هو الأفضل له. لماذا؟ لأن الحج أشبه بالجهاد في سبيل الله لما فيه من المشي، ولما فيه كذلك من الازدحام، ومن الركوب والصعود، ونحو ذلك من تلك الأعمال التي ربما يتعب الكبير في القيام بها. وكذلك في طلب العلم، فلا شك أن الشاب إذا نشأ منذ شبابه على طلب العلم فهذا يعينه على الحفظ وعلى ضبط العلم لقوة أعضائه وقوة ذاكرته ونحو ذلك. فتبين لنا من هذا حفظكم الله أهمية هذه المرحلة، ولذلك اعتنى السلف بالوصايا والنصائح والتوجيهات للشباب لأهمية هذه المرحلة، وستعلم فيما سيأتي هذا الأمر. قال: وقد أولى الإسلام هذه المرحلة اهتمامًا خاصًا ورعاية عظيمة، وجاءت النصوص مؤكدة على عظم شأن هذه المرحلة وأهميتها. فقد حث نبينا صلى الله عليه وسلم على المبادرة باغتنامها والحذر من إضاعتها. هنا بدأ أولاً بوصية النبي صلى الله عليه وسلم للشباب. هناك أحاديث كثيرة فيها وصايا من نبينا عليه الصلاة والسلام للشباب، فسيذكر المؤلف هنا بعض هذه الوصايا. فمن ذلك: قال، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لرجل وهو يعظه - يعني يذكره بالترغيب والترهيب، لأن الوعظ قيل هو التذكير بالترغيب والترهيب - فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الرجل: «اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك». فبدأ بحثه وترغيبه في اغتنام الشباب. فهذه وصية من نبيك أيها الشاب، من نبيك عليه الصلاة والسلام، أن تستغل هذه المرحلة فيما يعود عليك بالنفع. قال: فمرحلة الشباب داخلة في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «وحياتك قبل موتك»، لأن مرحلة الشباب من الحياة، من مراحل الحياة. مراحل الحياة مثلاً: الصغر مرحلة، يعني قبل البلوغ، وهي الصبا، ومرحلة الشباب، مرحلة الشيخوخة، مرحلة الهرم، وهكذا. فالشباب من مراحل العمر، من مراحل الحياة. فلماذا خصها بالذكر؟ قال هنا الشيخ: فمرحلة الشباب داخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «وحياتك قبل موتك»، لكنه صلى الله عليه وسلم خص هذه المرحلة بالذكر لعظم أهميتها، لكبير شأنها. فينبغي التيقظ لذلك وعدم التهاون بها، حتى يكون لها عناية خاصة، تكون لهذه المرحلة عناية خاصة، خصها النبي صلى الله عليه وسلم من بين سائر مراحل العمر. قال: وعن ابن مسعود - أي من وصايا النبي صلى الله عليه وسلم للشباب - قال: وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وماذا عمل فيما علم». وهذا الحديث أخرجه الحاكم وغيره، جاء من حديث أبي برزة الأسلمي، وجاء كذلك من حديث عبد الله بن مسعود عند الترمذي وغيره، وصححه العلامة الألباني. فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن المر يسأل يوم القيامة عن حياته سؤالًا. قال الشيخ هنا في تعليق على هذا الحديث: فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن المر يسأل يوم القيامة عن حياته سؤالًا: الأول عن حياته عمومًا من أولها إلى آخرها، في قوله عليه الصلاة والسلام: «عن عمره». العمر هنا يشمل ماذا؟ يشمل جميع مراحل العمر من البلوغ إلى الوفاة، هذا هو عمر التكليف. نعم. الثاني: عن مرحلة الشباب خصوصًا، مع أنه إذا سئل عن حياته فإن مرحلة الشباب داخل فيها، لكنه يسأل يوم القيامة عنها سؤالًا خاصًا. لماذا؟ لأهمية هذه المرحلة. كأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول لك: أيها الشاب، انتبه لهذه المرحلة لأنها مرحلة الطيش، ومرحلة الشهوة والاندفاع، والقوة والفتوة. فقل ما من يسلم من الشباب من أن يزل أو يضل أو يتبع شهواته ورغباته. ولذلك جاء في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وهي أوصاف عظيمة، فذكر من هؤلاء السبعة من قال: «وشاب نشأ في طاعة الله». لماذا خص الشاب؟ ما قال: وشيخ مات على طاعة الله. قال: «وشاب نشأ في طاعة الله» أو في عبادة الله منذ نعومة أظفاره، ومنذ أن شب وقوي وهو على الطاعة، لم يزل ولم يتبع الشهوات المحرمة، ولا تلهى بنظر إلى أفلام، أو إلى مسلسلات، أو إلى مباريات، أو إلى لهو ولعب، أو إلى شيء من هذه الشهوات المحرمة، وإنما كان على استقامة، وكان على طاعة، كان على طلب علم، كان على حفظ للقرآن، كان على محافظة على الصلوات، نشأ في عبادة الله، فكان من هؤلاء الأصناف السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. لتعلم أخي الشاب أهمية هذه المرحلة. قال: ولهذا ينبغي على الشاب أن ينتبه لأهمية هذه المرحلة، ويتذكر دائمًا أن ربه عز وجل سيسأله يوم القيامة: ماذا عمل فيها؟ إضافة إلى السؤال عن عمله في عمره كله المتضمن لمرحلة الشباب، لأنها مرحلة القوة والنشاط، ويسر الحركة، وقوة الأعضاء، واكتمال الحواس. ولهذا حث النبي صلى الله عليه وسلم الشباب كما في الحديث السابق على اغتنام هذه المرحلة اغتنامًا عظيمًا. ومن وصايا النبي صلى الله عليه وسلم للشباب ما جاء في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء». هذه وصية عظيمة كذلك تقي الشاب من الوقوع في المحرمات، من الشهوات المحرمة كالزنى، أو اللواط، أو العادة السرية. فوالله لو اتبع الشاب هذه الوصية لعصمه الله من هذه الموبقات ومن هذه المهلكات. قال عليه الصلاة والسلام: «يا معشر الشباب»، هذا خطاب لكل شاب. «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج». الباءة هي القدرة على الزواج، القدرة على الزواج. إذا تستطيع أن تتزوج، عندك من المال، أو عندك من يعينك على هذا الزواج، فبادر. هذه وصية نبيك عليه الصلاة والسلام، ولا تقول: أنا ما زلت صغيرًا. طالما أنك قد بلغت، ومع وجود الفتن، فتن النساء المتبرجات التي تتعرض لهن في طريقك، في سوقك، في مدرستك، في عملك، أو نحو ذلك، فأنت بحاجة إلى أن تعصم من هذه الفتن، ويكون ذلك بالحلال، بالزواج. فإذا استطاع الشاب أن يتزوج، ولو كان صغيرًا في نظر بعض الناس اليوم، ربما لو إنسان تزوج وسنه خمسة عشر سنة، يقولون: إيش هذا؟ هذا طفل زوجه! سبحان الله، طفل! والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، عليه الصلاة والسلام، بيّن أن الصبي بماذا يبلغ؟ بالاحتلام. إذا احتلم فقد بلغ. وإذا احتلم الصبي، معناه أنه قادر على النكاح والزواج والجماع. فإذا، أيش الذي يمنعه مع وجود هذه الفتن؟ بل ربما يبلغ الشاب في هذا الزمان أقل من سن خمسة عشر سنة. تعلمون أن البلوغ له علامات، فإذا ظهرت أي علامة من هذه العلامات فقد بلغ الصبي. فمن تلك العلامات مثلاً: أن يحتلم، ينزل منه المني، ولو كان أقل من سن خمسة عشر سنة. وهكذا من تلك العلامات: إنبات شعر العانة، فإذا نبت شعر العانة فقد بلغ الصبي، وقد تنبت العانة قبل بلوغ خمسة عشر سنة. فإذا لم تظهر إحدى هاتين العلامتين، فينتظر حتى يبلغ خمسة عشر سنة، فبذلك يحكم قد بلغ. فلا حرج يزوج الصبي ولو كان أقل من خمسة عشر سنة، وليس في ذلك يعني مانع شرعي، وإنما هناك موانع عرفية، وهذه الموانع تعارض الشرع. فالشاب إذا كان يستطيع الزواج، ولو كان في سن مبكر، لا سيما في مثل هذه الأزمان، ولذلك حث النبي صلى الله عليه وسلم الشباب على الزواج: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج». عنده قدرة مالية، قدرة جسدية، فليتزوج. وصية النبي عليه وسلم. «ومن لم يستطع، قال: فعليه بالصوم». أنت شاب تستطيع أن تصوم، كما تقدم: هذه المرحلة مرحلة القوة، مرحلة تكامل الأعضاء، مرحلة كذلك اليسر في الحركة والطاعة والعبادة. فإذا لا تحرم نفسك من عبادة الصيام، فهي أجر، وهي كذلك عصمة من الوقوع في الحرام. الصيام فيه فوائد عظيمة، فمن ذلك: غض البصر، وكذلك إحصان الفرج. فالمتزوج يستغني بزوجته عن أن ينظر إلى غيرها، أما من لم يكن متزوجًا فإنه يتطلع إلى النظر إلى عورات النساء، فهذا يضره لأن الله عز وجل حرم ذلك. قال الله عز وجل: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾. فدائمًا يقرن ربنا سبحانه وتعالى بين غض البصر وإحصان الفرج، لأن إطلاق البصر سبب للوقوع في الزنا والعياذ بالله، أو في اللواط، أو في العادة السرية، وكل ذلك من الاعتداء على حرمات الله. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾. فمن لم يستطع، عليه بالصوم، فإنه له وجاء. وجاء: يعني قاطع للشهوة، لأن الصيام يضعف الشهوة، يضعفها ويقللها، فهذا يجعل الشاب في حصانة، في حصانة من الوقوع في النظر، أو فيما هو أعظم من ذلك. قال: ولهذا حرس الصحابة رضي الله عنهم على تحقيق هذه المعاني الجلية، كما جاء عن أبي سعيد الخدري. قال: وأوصى قبل ذلك، قال: وأوصى، قال: وأوصى عليه الصلاة والسلام أيضًا أهل العلم والمعتنين بالتربية والدعوة والتعليم بالشباب، لأن الشاب يحتاج إلى عناية وملاطفة ورفق وتودد وتحبب له في الخير وأهله، حتى لا يتخطفه أهل الباطل وأرباب المحرمات. هذه لفتة من المؤلف حفظه الله للمربين وللمعلمين وللدعاة إلى الله عز وجل، أن يرفقوا بالشباب، وأن يعتنوا بالشباب، وأن يتوددوا للشباب، وكذلك يحببوا إليهم الخير والعلم والاستقامة. فلا يكن المربي منفرًا، ولا قاسيًا، ولا كذلك غليظًا في تعامله مع هؤلاء الشباب. تعلمون حديث أبي أمامة، لما جاء شاب من الأنصار، شاب جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أصحابه، فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا. فنهره الصحابة: إيش هذا الكلام؟ بكل جرأة يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا! هذه جرأة عظيمة. فلذلك الصحابة غضبوا، فزجروه. فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «دعوه». ثم قال: «أدنه، أقرب مني». فهل قال له: إيش هذا الكلام الذي تقوله؟ أنت بدون أدب، أنت كذا وكذا؟ هل نهره؟ هل زجره؟ أبدًا. أقنعه بأسلوب فيه من اللطف، وفيه من الرحمة، وفيه من اللين. قال له: قال له: «أتحبه لأمك؟» قال: لا، يا رسول الله، جعلني الله فداك. ثم قال له: «أتحبه لأختك؟» وهكذا يعدد له محارمه من الأخوات والخالات والعمات، وهذا الشاب يقول: لا، جعلني الله فداك. ثم وضع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يده على صدر هذا الشاب. انظروا إلى الرحمة، انظروا إلى الرفق. ودعا عليه صلاة والسلام لهذا الشاب بثلاث دعوات: «اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه». انظر إلى هذه الدعوات المناسبة لهذا الشاب: اغفر ذنبه، لأن ميوله إلى هذا الشيء هذا يعد ذنبًا ومعصية. وكذلك طهر قلبه من هذه الشهوات المحرمة، وحصن فرجه، أي من الوقوع في هذه الفاحشة. دعوات عظيمة تدل على رحمة، وتدل على شفقة، وتدل على تودد لمثل هذا الشاب. فهكذا ينبغي أن نقتدي بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم. إذا رأيت من الشباب من ينحرف، ومن يرتكب المحرمات، اسعَ في إصلاحه بلطف وحكمة ورحمة وشفقة، وخذ بيده إلى طريق الخير. فهذا هو هدي نبينا عليه الصلاة والسلام. قال: ولهذا حرس الصحابة رضي الله عنهم على تحقيق هذه المعاني الجليلة، كما جاء عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه إذا رأى الشباب قال: «مرحبًا بوصية رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أوصانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نوسع لكم في المجلس، وأن نفهمكم الحديث، وأن نفهمكم الحديث، فإنكم خلوفنا، أو: فإنكم نعم خلوفنا». ومعنى «خلوفنا»: أي تخلفون، لأن الشيوخ وكذلك الكبار أوشكوا على الرحيل من هذه الحياة، فمن الذي يخلفهم؟ هذا شيخ خطيب مات، من يخطب محله إذا لم يتعلم الشباب، وإذا لم يعتنى بالشباب ويرحب بهم، وكذلك يوسع لهم، ويفهم العلم، يفهم العلم. انظروا إلى هذا: أمرنا رسول الله سلم أن نوسع لكم في المجلس. هذا كله من باب الترغيب، من باب الترغيب. لا ينهر الشاب، ولا كذلك يضيق عليه في المجالس. وهكذا يفهم قدر المستطاع، يفهم قدر المستطاع. إن استطعت أن تشرب هذا الشاب العلم فافعل. نعم، بكل وسيلة: بتكرار الدرس، وباختيار الألفاظ السهلة في الشرح والبيان. هذا كله مما يرقب الشباب في طلب العلم، في الاستمرار فيه. فلذلك حث السلف على الاعتناء بالشباب. قال: وكان يقبل ابن مسعود على الشباب، فيقول، أو يقبل على الشاب فيقول له: «يا ابن أخي، إذا شككت في شيء فسلني حتى تستيقن، فإنك أن تنصرف على اليقين أحب إلي من أن تنصرف على الشك». هذا أيضًا من حرصه واعتنائه رضي الله تعالى عنه بالشباب، فيطلب من هذا الشاب أن لا يستحي في سؤاله، وفي كذلك السؤال عما استشكل عليه، حتى يستيقن من هذه المسألة، ولا يذهب وهو في شك وريبة. قال: وكان عبد الله بن مسعود أيضًا إذا رأى، وكان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه إذا رأى الشباب يطلبون العلم، قال: «مرحبًا بينابيع الحكمة، ومصابيح الظلم، خلفان الثياب، جدد القلوب، حلس البيوت، ريحان كل قبيلة، ريحان كل قبيلة». وهذا أيضًا من تشجيع الشباب، الترحيب بهم، الترحيب بهم في مجالس العلم. «مرحبًا بينابيع الحكمة»، نعم، لأن الشاب يستطيع أن يأخذ العلم، كنابيع الحكمة، يعني السنة أو العلم أو نحو ذلك. «ومصابيح الظلم»، لأن الشاب يأخذ العلم ثم يذهب ويعلم الناس، فيبدد ظلمات الجهل من أمام الناس بالعلم. وهكذا «خلفان الثياب»، يعني يخلفون من بعدهم من العلماء. «وجدد القلوب»، بمعنى أنهم يعني قلوبهم نقية صافية، فهي تقبل العلم، تقبل العلم وتعي العلم. كذلك فهذا كله ترغيب للشباب. قال: ووصايا السلف للشباب كثيرة، وعنايتهم بهذه المرحلة كبيرة جدًا. وفي هذه الرسالة من وصايا السلف للشباب انتقيت جملة منها مع تعليق يسير على كل وصية. ومجموع هذه الوصايا التي ذكرها المؤلف عن السلف خمسة عشر وصية، خمسة عشر وصية، ويعلق على كل وصية بتعليق يسير. فنشرع إن شاء الله في الوصية الأولى. قال: الوصية الأولى: عن أبي الأحوص، قال: قال أبو إسحاق وهو عمرو السبيعي: «يا معشر الشباب، اغتنموا أي شبابكم، قل ما تمر بي ليلة إلا وأقرأ فيها ألف آية، وإني لأقرأ البقرة في ركعة، وإني لأصوم أشهر الحرم، ثلاثة أيام من كل شهر، والاثنين والخميس». ثم تلا: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾. وهذا الأثر عنه رواه الحاكم في مستدركه. قال الشارح: قوله: «أقرأ ألف آية»، طبعًا كل هذه الأعمال أظهرها عند مخاطبته للشباب من أجل أن يشجعهم على الأعمال الصالحة، ومن أجل أن يقتدوا به، ومن أجل أن يستغلوا أعمارهم في مثل هذه العبادات، في مثل هذه العبادات. فقوله: «أقرأ ألف آية»، أي في اليوم الواحد، يراد به التقريب للتحديد، ومعناه أنه يختم القرآن في كل أسبوع مرة. وختم القرآن في كل أسبوع مرة هو دأب عامة السلف، يعني يختمون القرآن في كل أسبوع، يقرؤون في اليوم الواحد ما يعادل ألف آية، لأن عدد آيات القرآن ستة آلاف ومئتان وستة وثلاثون آية. ولذلك هنا قال: يقرأ ألف آية، يعني بالتقريب، يعني قد مثلا يوم يقرأ مثلا على سبيل المثال تسعمائة آية، ويوم ثمانمائة آية، ويوم سبعمائة آية، على حسب الطول، وعلى حسب القصر، وعلى حسب القصر، فيكون في الأسبوع قد ختم المصحف كاملًا. من يفعل هذا الآن من الشباب؟ في الأسبوع يختم القرآن، كل أسبوع يقرأ القرآن كاملًا، في اليوم يقرأ سبع القرآن. سبع القرآن، لماذا؟ بالأجل أن يقول: يا شباب، أنتم عندكم طاقة، وعندكم قوة، وعندكم كذلك نشاط، ما مثل كبير السن، ربما يصاب بأمراض، ربما عند ضغط، عند سكر، عند تعب، عند آلام، عنده يشكو، وربما ما يستطيع أن يجلس ساعتين أو ثلاث ساعات أو أربع ساعات جلسة واحدة، لكن الشاب يستطيع ذلك. الكبير ربما إذا جلس الآن في محاضرة أو في مجلس يريد إما سترة يتكئ عليها، وإما كرسي يجلس عليه، لأنه كبير في السن ما يتحمل. لكن أنتم مثلاً الشاب يستطيع أن يجلس المحاضرة كاملة على جلسة واحدة. فلذلك قال ذلك عمر السبيعي، أبو إسحاق عمر السبيعي، قال ذلك من أجل أن يحث الشباب، من أجل أن يشجع الشباب على الأعمال الصالحة. فهو كبير ليس بشباب، لما قال ذلك، ومع هذا كان يقرأ في اليوم ألف آية، يعني سبع القرآن تقريبًا، سبع القرآن تقريبًا. هذا معنى كلامه. قال: وقال أيضًا في أثر آخر، لكن ذكره ضمنا ليس وصية مستقلة: قال: وعن عمر بن ميمون أنه كان يلقى الرجل من إخوانه فيقول: «لقد رزقني الله البارحة من الصلاة كذا، ورزقني من الخير كذا». لماذا يقولون ذلك؟ من أجل أن يقتدى بهم. ولذلك ذكر أهل العلم أن الشخص القدوة إذا أظهر مثل هذه الأعمال لا بنية الرياء، ولا بنية كذلك السمعة، وإنما من أجل أن يقتدى به، فهذا لا حرج عليه، بل ربما يكون هذا مما يستحسن، مما يستحسن. ولذلك ذكر أهل العلم في بعض العبادات أن القدوة يستثنى من إخفائها. مثلًا: صلاة النافلة في البيت، قال أهل العلم: إذا كان الإمام أو العالم لا يصلي السنة في المسجد، وإنما يصليها في البيت، فيظن الناس: لا سنة مثلاً بعد العشاء، أو بعد المغرب، أو نحو ذلك، فيترك الناس السنة. فينبغي لهذا الإمام أو ذاك الشيخ أن يصلي السنة في المسجد، لماذا؟ حتى يقتدى به، حتى ماذا؟ يقتدى به. فالشاهد من هذا: قد يأتي إشكال عند بعضكم، أليس هذا من الرياء؟ كيف يقول: أنا أصلي كذا كذا، وأنا أقرأ كذا وكذا، هل يكون لأحد هذا يقول ذلك؟ لا، إنما يقول ذلك من غلب على ظنه أنه إذا قال ذلك سيقتدى به، وسينتفع الناس باجتهاده وبحرصه على العبادة والطاعة. قال الشيخ عبد الرزاق عند تعليقه لهذا الأثر في الوصية الأولى: قال أبو عبد الله الحاكم في المستدرك بعد إخراجه للأثرين السابقين، أثر أبي إسحاق السبيعي وأثر عمر بن ميمون: «فرحم الله عمر بن عبيد الله السبيعي وعمر بن ميمون الأودي، لقد نبها لما يرقب الشباب في العبادة». هذا من باب الترغيب، من باب الترغيب. ولذلك قال الشيخ عبد الرزاق كذلك تعليقًا على الأثرين: «وفي الأثرين أيضًا التربية بالقدوة، فالشاب يحتاج إلى هذا المقام حتى ينشط ويسهل عليه الامتثال، لكن ينبغي للمعلم أن يتنبه إلى حسن نيته وقصده، حتى لا يقع في الرياء فيحبط عمله». بمعنى أن الذي يقتدى به يجاهد نفسه في الإخلاص، حتى لا يقول ذلك رياء، أو يقول ذلك لغرض من أغراض الدنيا. فهذا الأثر فيه فوائد كثيرة، ومنها: استغلال الشاب لهذه المرحلة في الطاعات والعبادات، والعبادات. وهذا فيه أيضًا أهمية القراءة والاطلاع في حياة السلف، في حياة السلف. لما تسمع مثلاً عن سفيان بن عيينة أنه ما فاتته تكبيرة الإحرام ثلاثين سنة، ثلاثين سنة ما فاتته تكبيرة الإحرام، هذا لا شك أنه يؤثر عليك أيها الشاب، فيجعلك تعتني بهذه الصلوات، وأن تحرص على أدائها من أولها إلى آخرها. أليس كذلك؟ وهكذا عندما تسمع من العلماء من يختم القرآن في ثلاث، أو في أربع، أو في خمس، أو من يصلي في اليوم ألف ركعة، أو من يفعل كذا وكذا، فلا شك أن هذه الأشياء تؤثر في أخلاقك، وفي كذلك عباداتك ونحو ذلك. الوصية الثانية: قال: ومن جملة وصايا السلف للشباب ما جاء عن حماد بن زيد أنه قال: دخلنا على أنس بن سيرين رحمه الله تعالى في مرضه، فقال: «اتقوا الله يا معشر الشباب، انظروا ممن تأخذون هذه الأحاديث، فإنها من دينكم». هذه وصية عظيمة من هذا العالم للشباب، أن يأخذ الحديث من العلماء الموثوقين، من الأكابر، من أهل السنة. ولذلك علق هنا الشيخ: «وهذه وصية عظيمة جدًا، وهي أن الشاب المقبل على طلب العلم وتحصيل الحديث ينبغي أن يكون تحصيله له على أيدي أهل العلم الراسخين الأثبات، أهل الدراية والبصيرة، الأكابر في العلم، لا أن يأخذ العلم عن كل أحد، وإنما يأخذ العلم عن صاحب سنة ورسخت قدمه فيها، لأن هذا العلم دين». وقد جاء عن ابن سيرين، محمد بن سيرين رحمه الله تعالى، نحو ذلك، لكن وصية عامة، فقال: «إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم». لا تأخذ دينكم من كل أحد. بعض الناس اليوم يأخذ دينه من القنوات الفضائية، فيظهر فيها من هب ودب، ومن هو معروف، أو من هو ليس بمعروف، هذا ليس صحيح. وهكذا ينبغي للشاب أن يتحرى في أمر دينه، أن يتحرى في أمر دينه. جاء عن عبد الله بن مسعود أيضًا رضي الله تعالى عنه أنه قال: «لا يزال الناس بخير ما أخذ العلم عن أكابرهم، وعن علمائهم وأمنائهم، فإذا أخذوه عن أصاغرهم وأشرارهم هلكوا». ذكر ذلك ابن مفلح في الآداب الشرعية، في الآداب الشرعية. من هم الأصاغر؟ الأصاغر قيل: هم أهل البدع وأهل الأهواء، هؤلاء هم الأصاغر. نعم. وهكذا جاء عن الشيخ محمد أمان الجامي رحمه الله تعالى، وقد سمعتم شيئًا من سيرته في دروس أخينا الشيخ عبد الله. هذا العالم الجليل وهو من العلماء المعاصرين الذي توفي قريبًا قبل سنوات، يقول هذا العالم الجليل: «طالب العلم في أثناء طلبه سعادته في اثنتين». ما هما هاتان الاثنتان؟ قال: «أن يوفق للمنهج الصالح»، هذا الأولى. «أن يوفق للمنهج الصالح»، والثانية: «المعلم الصالح». بهذا يسعى طالب العلم. أما إذا بدأ في طلب العلم، فإذا به على منهج الخوارج، أو على منهج الإخوان المسلمين، منهج التكفير والتفجير والخروج والفتن والتمييع، فإنه لا يوفق لطلب العلم. ولذلك ما تجد عند هؤلاء من العلماء، لماذا؟ لأن منهجهم منهج كاسد فاسد. فنعمة عظيمة أن يوفق الشاب في طلبه للعلم للمنهج الصالح، منهج أهل السنة والجماعة، منهج ما فيه تناقض، وما فيه ضعف، وما فيه كذلك فتن ولا شرور، وإنما هو منهج صافٍ نقي. ثم يوفق للمعلم الصالح، مدرس على خير، على علم، على أخلاق، على ثبات، على منهج صحيح. هذا من أعظم نعم الله عز وجل على الطالب، وهو من سعادته، هذا من سعادة هذا الطالب. فهنيئًا لكم معاشر طلاب العلم هذا الطريق الذي أنتم عليه، وهذا المنهج الصحيح السليم الذي تسيرون عليه، والحمد لله أن وفقكم لمشايخ فضلاء وطلاب علم نبلاء يعلمونكم، وكذلك هم على خير، وعلى استقامة، وعلى عبادة وتوحيد. فهذا من نعم الله عز وجل عليه. ولذلك ذكر أيضًا الشيخ عبد الرزاق في تعليقه عند هذه الوصية: قال: فعن ابن شوذب رحمه الله تعالى قال: «إن من نعمة الله على الشاب إذا تنسك - تنسك بمعنى تعبد، بمعنى استقام على الطاعة والعبادة - نعم، إن من نعمة الله على الشاب إذا تنسك أن يواخي صاحب سنة، يحمله عليها». يواخي: يعني يصادق، أو يلازم، أو يواد صاحب سنة، ما عنده بدع، ما عنده انحراف. هذا من نعمة الله عليك أيها الشاب، نوفقك لأن تكون من أهل السنة، وفي مراكز أهل السنة، هذه والله نعمة عظيمة. ما تدعو غير الله، ما تذهب عند قبر، ولا تستغيث بميت، ولا كذلك تنتخب وتفجر، أو تكفر، أو تأتي ببدع وخرافات، أو تطلق لسانك على العلماء وعلى الفضلاء، كما هو منهج بعض الفرق الغلاة. أبدًا. وفقك الله لمنهج سليم، منهج يقوم عليه ثلة من المشايخ والعلماء الفضلاء، فهذه من نعمة الله عز وجل عليك أيها الشاب. وذكر أيضًا الشيخ عبد الرزاق عن عمر بن قيس الملائي رحمه الله قال: «إذا رأيت الشاب أول ما ينشأ مع أهل السنة والجماعة فارجه»، يعني: أمل فيه خير. إذا رأيت أول ما ينشأ، أول ما يفتح عينيه كما يقال، فإذا به مع أهل السنة، فهذا أرجو خيره، هذا يأمل أو يؤمل أن يكون فيه خير ونفع للإسلام والمسلمين. «وإذا رأيته مع أهل البدع فيأس منه»، فإن الشاب على أول نشوئه، فاتح عينيه على منهج التكفير أو التفجير، هذا اغسل يديك منه. فاتح عينيه على السب والشتم، والجرح والعداوة والبغضاء لأهل العلم وأهل الفضل، هذا يسمنه - يعني لا ينفعه - إلا أن يشاء الله، إلا أن يشاء الله. قال: وعن عمر بن قيس رضي الله عنه - أرحمه الله تعالى - قال: «إن الشاب لينشأ، فإن آثر أن يجالس أهل العلم كاد أن يسلم، وإن مال إلى غيرهم كاد أن يعطب»، أن يهلك. فنعمة عظيمة أن وفقك الله لمجالسة أهل العلم والاستماع لهم. الوصية الثالثة: قال: ما جاء عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى أنه قال: «إنما الخير في الشباب». هذا أثر صغير ومختصر: «إنما الخير في الشباب». قال الشيخ عبد الرزاق معلقًا على هذا الأثر: «هذا تنبيه عظيم من مالك بن دينار رحمه الله لأهمية هذه المرحلة، وأن الشاب إذا أحسن استغلالها حصل خيرًا عظيمًا، وأصبح ما حصله في شبابه ركيزة وعمدة وأصلًا ثابتًا يبقى معه إلى مماته، نفعًا لنفسه، ونفعًا لأمته، ونصحًا لغيره». فالشاب إذا استغل عمره وشبابه، فلا شك أنه يقدم خيرًا، أولاً لنفسه. قد سمعتم الحديث: السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ومنهم: شاب نشأ في عبادة الله، فهو من الأصناف السبعة، هذا نفع نفسه. وهكذا ينفع أمته، هذا الشاب ينفع أمته، وذلك بنشر هذا الخير الذي وفقه الله إليه في الدعوة إلى الله. الشاب يتحمل في الدعوة إلى الله ما لا يتحمله الشيخ الكبير. الشيخ الكبير ربما إذا قيل له: هيا نذهب دعوة إلى كذا، قالوا: الطريق يعني متعبة، ربما ما يستطيع تحمل هذه الطريق لما فيها من الوعورة، ولما فيها من كذلك يعني اضطراب السيارة ونحو ذلك، أما الشاب فيتحمل هذا. وهكذا في غيرها من الأعمال الصالحة. «إنما الخير في الشباب». هذه وصية عظيمة، لما يكون في هذا الشاب من نفع لنفسه، ولأمته، ولمجتمعه عامة. قال الشيخ عبد الرزاق: «بينما إذا لم يحسن ذلك، يعني لم يستغل عمره وشبابه، أضاع على نفسه خيرية هذه المرحلة وبركتها. كم من شاب ندم إذ لم يكن في شبابه من طلبة العلم، ومن أهل الخير وأهل الصلاح؟». أي والله، كم من شاب ندم عندما كبر، عرف الحق وعرف طريق الاستقامة، فقال: ليتني كنت جذعًا، ليتني كنت شابًا أطلب العلم وأحفظ وأقرأ وأستفيد ونحو ذلك، فيندم على تلك المرحلة. وأنت الآن في وقت الشباب، فاحرص أيها الشاب على أن تعمر هذه المرحلة فيما يعود عليك بالنفع، وعلى أمتك. قال: «وعندما يجتمع للشباب - انتبه - وعندما يجتمع للشباب قوة الشباب، وفراغ الوقت، ووفرة المال باليد، فهذه قد تكون مهلكًا له». يعني إذا لم يستغل هذه النعم في الطاعة والعبادة. تصور شاب عنده قوة، طيب، وعنده فراغ، ما عنده شيء يشغله، يقوم من النوم، ما عنده عمل، ما عنده شيء، وعنده مال، كما يقال: أبوه يعطيه ما يريد، عنده مال. كيف يكون هذا الشاب؟ لا شك أن هذا الشاب إذا لم يكن من أهل الخير ومن أهل الاستقامة يضيع ويهلك ويفسد. ولذلك قال: هناك ما قال القائل: «إن الشباب والفراغ والجدة - الجدة يعني الغنى - مفسدة للمرء، أي مفسدة، يعني ما بعدها مفسدة». إذا اجتمعت هذه الثلاث في الشاب. وأنتم الحمد لله وفقكم الله في هذه الإجازة الصيفية، في هذه الإجازة الشتوية، وإن كانت قليلة الأيام، إلى أن تستغلوا هذا الفراغ في الإتيان إلى هذا المركز المبارك لطلب العلم، ولحفظ الوقت، ولطاعة الله عز وجل. فلا شك أن مكوث الشاب في المركز، المراكز السنة، تربية لنفسه، تربية يبعد عن المجتمع الذي لربما يشغله عن الطاعة. أنت في بيت الله، تقوم مبكرًا، تصلي ما كتب الله لك من صلاة الليل، ثم تحافظ على النوافل، ثم تحافظ على الفرائض، ثم يكون وقتك في المسجد معمورًا بين قراءة القرآن، وبين حضور مجلس علم، وبين مراجعة، وبين حفظ، ونحو ذلك. تتنقل ولله الحمد من بستان إلى آخر، ومن روضة إلى أخرى. فهذه والله نعمة عظيمة. أنصح أبنائي: كلما وجدوا فراغًا لا يضيع هذا الفراغ فيما لا ينفع، بل يستغل ذلك في العلم والدعوة والتعليم. فبهذا ينفعه الله، وينفع الله به، وينفع الله به سبحانه وتعالى. لأن كما قال ابن القيم: «ونفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل». وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل الناس يغدو»، كل إنسان إذا فتح عينيه ينطلق في هذه الحياة، فينقسم الناس إلى قسمين: فموبق نفسه، فمعتقها، أو موبقها. إما أنه يعمل بعمل أهل الخير فيعتق نفسه من النار، وإما أنه يعمل بعمل أهل الشر والفساد فيوبق نفسه في أيش؟ في النار، والعياذ بالله. فكل الناس يغدو، كل الناس يسعى في هذه الدنيا. خلق الإنسان كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾. كل إنسان يكابد في هذه الدنيا، لكن منهم من