التعليق على رسالة الخشوع في الصلاة 1

التعليق على رسالة الخشوع في الصلاة 1

الدرس في التعليق على رسالة الخشوع في الصلاة 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

افتتاح الشرح وتعريف الخشوع وحقيقته في القلب

يستهل المحاضر بشرح رسالة ابن رجب في الخشوع مستعرضاً حديث تخيير النبي صلى الله عليه وسلم بين الملك والنبوة والعبودية والرسالة فاختار العبودية تواضعاً وزهداً. يبين المقطع أن الخشوع هو لين القلب ورقته وسكونه وخضوعه لله، وأنه أصل في القلب يتبعه خشوع الجوارح، مستدلاً بالقرآن وأقوال السلف، محذراً من تصنع الجوارح دون خشوع القلب فهو رياء.

تجليات الخشوع في الصلاة وسكون الجوارح عند السلف

يبيّن المقطع أن الخشوع أصله في القلب فإذا خشع سكنت الجوارح وتوقفت عن الحركة، ضارباً أمثلة عملية من السلف كعبد الله بن الزبير وابن جريج ومنصور بن المعتمر الذين كانوا يصلون كأنهم أعمدة لا يتحركون. يوضح أن غض البصر وخفض الجناح وسكون الصوت كلها ثمرات لخشوع القلب، بينما حركة الجوارح دليل على غفلة القلب وبعده عن الله.

الفرق بين الخشوع الحقيقي وخشوع النفاق وأسبابه

يشرح المقطع أن الخشوع الحقيقي ينبع من معرفة عظمة الله وجلاله في القلب فتسكن الجوارح تبعاً لسكون القلب، بينما خشوع النفاق هو تكلف السكون بالجوارح مع خلو القلب من التعظيم. يذكر أن الله يدنو من المنكسرة قلوبهم له، مستشهداً بأقوال السلف في مراقبة الله واستشعار قربه وعظمته.

فضل الخشوع وقرب الله من المنكسرة قلوبهم ورفع العلم

يوضح المقطع أن الله تعالى يدنو من القلوب المنكسرة بحبه والمتواضعة له، مستشهداً بحديث موسى عليه السلام وأحاديث زيارة المريض. يؤكد أن الخشوع هو أول علم يُرفع من الناس مستنداً إلى روايات عن الصحابة، وأن العلم النافع هو ما يخالط القلب فيورث السكون والخشية، أما العلم القولي فقط فهو حجة على صاحبه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد: فإن شاء الله تعالى نبدأ في هذه الرسالة التي بين أيدينا، وهي رسالة الحافظ العلامة زين الدين أحمد بن رجب رحمة الله عليه. فالحافظ ابن رجب له هذه الرسالة ألفها في الخشوع في الصلاة، تذكر الآيات، وذكر أحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، وآثار عن السلف تبين فضل الخشوع، وكذلك أيضًا كيفية الخشوع، وأيضًا أحيانًا فيها ذكر الأسباب المعينة على ذلك، أو أصل هذا الخشوع، كيف يأتي كل ذلك في هذه الرسالة الصغيرة لكنها كبيرة المعنى وغزيرة الفحوى. فإن شاء الله تعالى نقرأها في هاتين الليلتين: هذه الليلة هي ليلة الأحد، وأيضًا الليلة الثانية وهي ليلة الاثنين، نقرأ هذه الرسالة إن شاء الله تعالى بتعليقات بسيطة؛ لأن لو توسعنا في التعليقات ما ستكفي، ما ستكفي هذه الرسالة في هاتين الليلتين. طيب، قال: بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، والحمد لله رب العالمين. قال الحافظ العلامة زين الدين ابن الشيخ، ابن الشيخ أبي العباس أحمد بن رجب: أمر الله في عمره، أمر الله في عمره البركة، ولك أنه طرح. قال: هذه رسالة عملناها في الخشوع وانكسار القلب للرب جل وعلا، أنا سماها "الذل والانكسار للعزيز الجبار"، الذل والانكسار للعزيز الجبار. وبعضهم يقول: يقول أن معناه في تسمية هذه الرسالة: الذل والانكسار بين يدي العزيز الجبار. قال: الحمد لله جابر قلوب المنكسرة قلوبهم من أجله، المنكسرة قلوبهم من أجله، والمراد والمراد: انكسار القلب هو التواضع والذل. قال: وغافر ذنوب المستغفرين بفضله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا شيء كمثله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله. وخيره بين أن يكون ملكًا نبيًا أو عبدًا رسولًا، فاختار مقام العبودية مع الرسالة. وهذا الحديث قد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام عن عدة من الصحابة. ومعنى أن الله عز وجل أرسل ملكًا، وكان جبريل عند النبي عليه الصلاة والسلام، فأرسل الله عز وجل إليه ملكًا، فقال له جبريل: يا محمد، هذا ملك، أو هذا الملك لم يخرج، أو أول مرة خرج إلى الدنيا، فقال: نعم، أرسلني الله عز وجل إليك أن أخيرك: أتريد أن تكون ملكًا نبيًا أو عبدًا رسولًا؟ قال: في بعض الروايات نظر النبي عليه الصلاة والسلام إلى جبريل كأنه يستشير، فقال له جبريل: تواضع يا محمد، فقال: بل عبدًا رسولًا، قال: بل عبدًا رسولًا، فصيره الله عز وجل عبدًا رسولًا، عبدًا لله سبحانه وتعالى، جعله في كمال العبودية. ولهذا وصفه بهذه العبودية في أجل المقامات: في إنزال القرآن: "هو الذي أنزل على عبده الكتاب"، في مقام الدعوة: "ولما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدًا"، وغيرها من المقامات العظيمة التي وصف الله عز وجل نبيه الكريم عليه الصلاة والسلام بوصف العبودية. وهذه العبودية هي العبودية الكاملة التي كمّلت الإخلاص والتجرد لله سبحانه وتعالى، إخلاص وصدق وتجرد لله جل وعلا. ولهذا تواضع النبي عليه الصلاة والسلام في أكله، وفي شربه، وفي لبسه، وفي مشيه، وفي تعاملهم مع الناس، حتى أن أعرابيًا رأى النبي صلى الله عليه وسلم كان يجلس جاثيًا على ركبتيه وهو يأكل، فقال الأعرابي: يا رسول الله، لما هذه الجلسة؟ فقال: "إن الله بعثني عبدًا متواضعًا". وأيضًا كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا أراد أحد يغلو فيه ذكره بأنه عبد نبي، كما جاء في حديث أنس عند النسائي: لما جاءوا ناس وقالوا: يا رسول الله، أنت سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا، قال: "يا أيها الناس، قولوا بقولكم، لا يستجرينكم الشيطان، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله". وقال: كان يقول: "اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين"، تنويهاً بشرف هذا المقام وفضله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصحبه والمتمسكين من بعدهم بحبله. أنا كان يقول: "اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين". وهذا الحديث جاء له طرق، لكن أكثرها لا يصح، وبعض أهل العلم يجعله مما يقوي بعضه بعضًا، وذكره الشيخ الألباني في الصحيحة، وذكر إسنادًا لكن أخطأ فيه رحمه الله، أخطأ في الإسناد، أراد أن يكتب إسنادًا فكتب آخر، وهذا يحصل، هذا الغلط يحصل لأهل الحديث كثيرًا. والمهم أن الحديث ليس له أسانيد قوية، لكن هي كثيرة عن جابر، وعائشة، وعبادة بن الصامت، وأنس، وأبي هريرة، وجماعة من الصحابة، فبعضهم يقول أنه حسن، الله أعلم. فاستدل به هنا الشيخ على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب التواضع، لكن قد نبه نفسه الحافظ ابن رجب على أن هنا المسكنة ليست المراد بها مسكنة العبادة والطاعة، وإنما هنا مسكنة المال، أي مسكينًا أي لا مال له، "واحشرني في زمرة المساكين" أي الذين لا مال لهم في الدنيا، عندهم مال لكنه ما عندهم المال الضروري. ولهذا عاش النبي عليه الصلاة والسلام على الكفاف، عاش النبي عليه الصلاة والسلام على الكفاف، بل أنه لا يوجد تمر الأشهر كما قالت عائشة: "الهلال والهلال والهلال، ولا يوقد نار في أبيات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم"، وهي تسعة أبيات. فاختار النبي عليه الصلاة والسلام هذه الحياة مع أنه نبي، لو أراد الله عز وجل فجر له الأنهار ذهبًا وفضة وأموالًا، لكنه لم يرد ذلك، أراد عيشة المساكين وعيشة الكفاف حتى لا يسأل أحدًا هذه الدنيا. قال: أما بعد، معنى الحافظ ابن حجر بينا في شرح حديث الملأ الأعلى، بينا أن المسكنة هنا ليست مسكنة العبادة كما قلنا، وإنما هي مسكنة المال. قال: أما بعد، فإن الله سبحانه وتعالى مدح في كتابه المخبتين له، والمنكسرين لعظمته، والخاضعين والخاشعين له. المخبتون كما قال الله عز وجل: "وبشر المخبتين الذين إذا أصابهم..."، وبشر المخبتين الذين في سورة الحج، قال: "وبشر المخبتين"، أشخال أين الحفاظ؟ "أبشر المخبتين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، والصابرين على ما أصابهم، والمقيم الصلاة، ومما رزقناهم ينفقون". أولي المخبتون، أبشر المخبتين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم. هذه صفة عظيمة في المخبتين: أنهم إذا ذكر الله وذكر عذابه، تعاظم الله عز وجل في قلوبهم، يعظمون الله سبحانه وتعالى ويجلونه، فلذلك ترتجف قلوبهم، "إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، والصابرين على ما أصابهم" من الفقر، من الأذى، من أيضًا كذلك غيرهم مما يكون في هذه الدنيا، يصبرون على ما أصابهم، "والمقيم الصلاة، ومما رزقناهم ينفقون". فهؤلاء الذين وصفهم الله عز وجل بالإخبات. قال: "والمنكسرين لعظمته"، أن ألانت قلوبهم لعظمة الله، تواضعوا لله عز وجل، صارت قلوبهم لينة. قال: "والخاضعين والخاشعين لها"، وذكر رحمه الله هذا الكلام عند قول الله جل وعلا: "والذين هم على صلاتهم خاشعون". أنا من صفات أهل الإيمان: "قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون". قال: يقول الله عز وجل: "إنهم كانوا يسارعون في الخيرات، ويدعوننا رغبا ورهبا، وكانوا لنا خاشعين"، خاشعين في صلاتهم، وكذلك في دعوتهم، في دعائهم لله وصلتهم بالله، خاضعين خاشعين. والخشوع هو نوع من الخضوع والذل والتواضع لله جل وعلا، فالخشوع هو الذل والخضوع لله جل وعلا. وقال تعالى: "والخاشعين والخاشعات" إلى قوله: "أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما". وهذا كله من صفات أهل الإيمان. قال: وصف المؤمنين بالخشوع له في أشرف عباداتهم التي هم عليها يحافظون، فقال: "قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون". ووصف الذين أوتوا العلم بالخشوع حيث يكون كلامه لهم مسموعًا، فقال جل وعلا: "إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا، ويقولون: سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعول، ويخرون للأذقان يبكون، ويزيدهم خشوعا". قال رحمه الله: وأصل الخشوع هو لين القلب ورقته وسكونه وخضوعه وانكساره وحرقته. أنا هذا أصل الخشوع: لين القلب، يلين القلب لله عز وجل ويخضع له، ويرق ويسكن. أنا ليس فيه التفات، السكون معناه أنه ليس فيه حركة، والمراد بالحركة هنا الالتفات، لا إلى الدنيا ولا إلى غير ذلك. سكونه لله عز وجل معناه: خضع لله، ويفكر في أمر الله، في عظمة الله سبحانه وتعالى، في الدار الآخرة. ولهذا بيّن العلماء كالحافظ ابن رجب وغيره أن الخشوع في الصلاة هو تذكر الآخرة، وأن عدم الخشوع في الصلاة هو ذكر الدنيا. حتى لو أن إنسانًا يذكر مسائل العلم، يحفظ مثلاً، غفل في الصلاة مثلاً، يحفظ مسائل من العلم، تذكرها من علم الكتاب والسنة، فهذا يعتبر خشوعًا، هذا ما يعتبر أنه لم يخشع. الذي لا يخشع هو الذي يذكر الدنيا، يذكر أمور الدنيا، يذكر أين سيذهب بعد ما يصلي الآن، أين سيذهب وماذا سيفعل، أو أنه سيذهب إلى مكان كذا ويشتري كذا ويفعل كذا، كل هذا أمر الدنيا. وأما إذا كان يفكر في الآخرة، يفكر في لقاء الله، يفكر في الوقوف بين يدي الله، يفكر كذلك في العلم، يفكر كيف يصدق مع الله، كيف يربي نفسه على طاعة الله جل وعلا، كيف يجاهد نفسه، كيف يحمل نفسه ويبدلها لله، كل ذلك خشوعًا لله جل وعلا. كان عمر رضي الله عنه يقول كما في البخاري: "وإني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة"، أجهز الجيش، جيش الجهاد وهو في الصلاة. قال الإمام ابن القيم: وهذا جمع بين عبادتين عظيمتين، جمع بين عبادة الصلاة وعبادة الجهاد. فقال: وأصل الخشوع هو لين القلب ورقته وسكونه وخضوعه وانكساره وحرقته. فإذا خشع القلب تبعه خشوع الجوارح، تبعه خشوع جميع الجوارح والأعضاء لأنها تابعة له، كما قال صلى الله عليه وعلى وسلم: "ألا إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب". وهذا الحديث في الصحيحين، حديث النعمان بن بشير كما هو معلوم، وهو من الأربعين النووية التي ذكرها الحافظ النووي. قال: فإذا خشع القلب خشع السمع والبصر والرأس والوجه وسائر الأعضاء وما ينشأ منه، حتى الكلام. فإذا خشع القلب خشعت الجوارح لأن ملك الجسد هو القلب، وشرطيته وحارسه هي اللسان التي تغرف منه، فلذلك إذا استقام القلب واللسان استقامت الجوارح كلها. فإذا استقام القلب استقام اللسان واستقامت جميع الجوارح. فلذلك إذا خشع القلب خشعت الجوارح لله عز وجل. وأما إذا كان القلب متلفتًا إلى غير الله، وأيضًا بعيدًا عن الله، يفكر في الدنيا، فإن هذه الجوارح أيضًا لا تستقيم، ولو أراد أن يقيمها. أن بعض الناس يجدون يحتاج لأن يخشع يضع يديه مثلاً وينحني جسمه وكذا لأجل أنه يساعد نفسه على الخشوع، لكن الأصل من الخشوع في القلب. إذا كان ليس في القلب خشوع، فتصنع الجوارح يعد نوعًا من الرياء قالًا، أو من النفاق، كما سيذكره بعض السلف، سيذكر المؤلف عن بعض السلف. قال رحمه الله: فإذا خشع القلب خشع السمع والبصر والرأس والوجه وسائر الأعضاء وما ينشأ منها، حتى الكلام. لهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول في ركوعه في الصلاة: "خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظامي"، وفي رواية: "وما استقل به قدمي". فهذا الحديث أخرجه الإمام مسلم من حديث علي، وهو حديث طويل، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في ركوعه وسجوده. قال: ورأى بعض السلف رجلًا يعبث بيده في الصلاة، فقال: "لو خشع قلبه هذا لخشعت جوارحه". وروي ذلك عن حذيفة رضي الله عنه، وسعيد المسيب، ويروى مرفوعًا لكن بإسناد لا يصح. هذا الحديث أولاً ليس حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل هو حديث موضوع، حديث موضوع، وفيه رجل قال له سليمان بن عمرو، وهو رجل من أهل الخير ومن أهل العبادة، لكنه كان يكذب في الحديث. وأما أنه عن سعيد بن المسيب، أيضًا فيه ضعف، وكذلك عن حذيفة أيضًا فيه ضعف، لا يصح. لكن معناه صحيح: معناه لو خشع قلبه هذا لخشع الجوارح. قال المسعودي عن أبي سنان عن من حدثه: المسعودي هو عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، المسعودي نسبة إلى عبد الله بن مسعود الصحابي، وقد حصل له اختلاط كثيرًا. قال عن أبي سنان وهو أيضًا مجهول، قال: حدثنا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قول: "الذين هم في صلاتهم خاشعون"، قال: هو الخشوع في القلب، وأن تلين كنفك للمرء المسلم، وأن لا تلتفت في صلاتك، وأن الخشوع، وأن الخشوع في الصلاة بذكر الآخرة، وعدم الالتفات، وعدم الالتفات إلى الدنيا، ويكون أيضًا خارج الصلاة بالتواضع. وقال عطاء بن السائب عن رجل، عن علي: الخشوع، الخشوع القلب، وأن لا تلتفت يمينًا ولا شمالًا. وأيضًا هذا أيضًا من طريق رجل مبهم. وقال علي بن طلحة عن ابن عباس: وهذه صحيفة، وإلا علي بن طلحة لم يسمع من ابن عباس، لكن صحيفة أخذها عن بعض أصحاب ابن عباس، قيل أنه مجاهد، وقد كان الأئمة يصححون هذه النسخة، أن النسخة مكتوبة فيها آيات وتفسيرها من حديث ابن عباس، رواها معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة وغيره، كان الإمام أحمد يقول: لو أن رجلًا ذهب إلى مصر لأجل صحيفة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، لما كان هدر، على أنه سيأتي بشيء طيب. قال: وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: "الذين هم في صلاتهم خاشعون"، قال: خائفون ساكنون. وكما قلنا أن سكون القلب المراد به عدم الالتفات إلى غير الله. وقال ابن شوذب، أي عبد الله بن شوذب البصري، عن الحسن رحمه الله: قال كان الخشوع في قلوبهم، فغضوا له البصر، وخفضوا له الجناح. أن لما خشعت قلوبهم، فغضوا أبصارهم عن المحارم، وخفضوا له الجناح، أي تواضعوا لله. وقال منصور عن مجاهد: منصور المعتمر، أصل الخشوع في القلب، والسكون في الصلاة، أن السكون هنا ليس سكون القلب، وإنما سكون الجوارح، مراد أنه لا يحرك جوارحه. ولهذا كان يعد عدم الحركة خشوعًا، غالبًا إذا كان الإنسان لا يتحرك في صلاته فهذا أكثر خشوعًا من غيره، يدل على أن قلبه حاضر. ولهذا ذكر الإمام أحمد من طريق عبد الرزاق، معناه في المسند من طريق عبد الرزاق، قال: كان ابن جريج، كان ابن جريج أفضل الناس صلاة، حتى قال عبد الرزاق: ما رأيت أحسن صلاة من ابن جريج. كان أهل مكة يقولون: أن ابن جريج أخذ هذه الصلاة من عطاء، أي ابن أبي رباح، وأخذ عطاء الصلاة من عبد الله بن الزبير. عبد الله بن الزبير معروف بخضوعه وسكونه في الصلاة، كان إذا صلى كأنه عمود، كان إذا صلى كأنه عمود قائم. قال: فتأتي الطيور وتقف على ظهره، تظنه عمودًا لأنه ما يتحرك إلا في الركوع والسجود. قال: كان السلف يخضعون في الصلاة ولا يحركون جوارحهم لشدة خشوعهم وخضوعهم وسكونهم. تسكن إذا سكن القلب سكنت الجوارح. ولهذا كان منصور بن المعتمر هذا الذي روى هنا عن مجاهد، كان منصور إذا صلى يصلي في الليل كأنه عمود. فلما مات، قال ولد لأبيه، من ولد الجيران: قال: يا أبتي، ما لي لا أرى العمود الذي كنت أراه في بيت منصور؟ أنا يقول لأبيه: أين العمود ذاك الذي كان في بيت منصور؟ أين ذهب؟ فقال له أبوه: إنما ذلك منصور كان يصلي في الليل. فلذلك قال أهل مكة: كان ابن جريج أحسن الناس صلاة، أخذ الصلاة عن عطاء، إسناد في الصلاة، وعطاء أخذها عن عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن الزبير أخذها عن جده أبي بكر، جده من أمه، عن جد أبي بكر، وأخذ أبو بكر الصلاة من النبي عليه الصلاة والسلام، إسناد إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى. وقال: وقال ليث عن مجاهد: من ذلك خفض الجناح وغض البصر. هذا من الخشوع، خشوع القلب، سواء كان في الصلاة أو في غير الصلاة. وقال: وكان المسلمون إذا قام أحدهم إلى الصلاة خاف ربه أن يلتفت عن يمينه أو شماله. وقال عطاء الخراساني: الخشوع القلب والطرف، أن الخشوع يكون في القلب وفي الأطراف، ليس فقط الخشوع في القلب، ولا أيضًا في الأطراف، إذا كان في الأطراف وليس في القلب فهو كما قلنا رياء ونفاق، وإذا كان في القلب تبعته الجوارح، تبعته الجوارح، إذا كان في القلب قليلاً تجد أيضًا الجوارح تتحرك. قال: وقال الزهري: ولهذا تجد لو اجتهد العبد أن يسكن جوارحه في الصلاة، ما يتحرك في الصلاة، ما يستطيع، ما يستطيع إلا إذا سكن قلبه. إذا خشع قلبه تسكن الجوارح من نفسها، معناه لأنه يذكر أيش الخشوع، الخشوع ذكر، ذكر أنه في الصلاة، يذكر أنه في الصلاة، فذكره في الصلاة أنه في الصلاة يسكن، تسكن جوارحه، لا يلتفت هنا ولا هناك، لا برأسه ولا بعينيه ولا بغير ذلك. قال: قال الزهري: أي فيه الخشوع، قال الزهري: هو سكون العبد في صلاة. هذا الخشوع: سكون العبد في صلاة، معنى سكون الجوارح الظاهرة، لكن كما قلنا أن الجوارح الظاهرة ما تسكن إلا إذا سكن القلب. إذا كان القلب خاشعًا خشعت الجوارح، لماذا؟ لأنه إذا كان القلب ليس خاشعًا وبعيدًا عن الصلاة أصلًا، ما يدري هل هو في الصلاة أو ليس في الصلاة، تجده يلعب بثوبه، يلعب بلحيته، يلعب بعمامته، وأيضًا كل شيء فيه يلعب به، بعضهم تجده يدق أصابعه، كل ذلك بسبب أنه بعيد عن الصلاة، فتشغل بعد ذلك الجوارح. قالوا عن قتادة: قال الخشوع في القلب هو الخوف، وغض البصر في الصلاة. أنا غض البصر ليس تغميض العينين، وإنما المراد أنه يجتهد أن لا يرى ما يصرفه عن الصلاة، أن لا يرى ما يصرفه عن الصلاة، ليس فقط ما حرم مثل النساء وغيره، لا، أيضًا هناك أشياء قد تصرف، تصرف العبد عن صلاته. النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين في حديث عائشة: صلى، فرأى وكان فيهم بجانبة من بجانيات أبي جهم، أنا ثوب له خطوط ونقوش، فلما نظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته، فلما سلم نزعه، وقال: "قد ألهاني عن صلاتي". النبي عليه الصلاة والسلام الذي هو أخشع الناس لربه جل وعلا، وأتقى الناس، وأخشاهم لله عز وجل، قال: "ألهاني عن صلاتي". اذهبوا بقميص، بجانبية، أو قال: "اذهبوا بهذا القميص وأتوني بجانبية أبي جهم". فلما أشغله عن الصلاة، قال: "قد ألهاني عن صلاتي". وهذا قد صححه الشيخ الألباني حديثًا عند الحاكم والبيهقي: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "لا ينبغي للمصلي أن يجعل في البيت شيئًا يشغله عن الصلاة، يشغله عن الصلاة". فلذلك إذا كان هناك ما يشغله عن الصلاة، يغض بصر، ينظر، ينظر أسفل، أسفل، معنى أسفل: ينظر في الموضع، مكان السجود. إذا كان هذا الذي يشغله في مكان السجود، فإنه لا بأس أن يغمض عينيه، كما قال بعض العلماء. وقال: وقال ابن أبي نجيح، وهو عبد الله بن أبي نجيح المكي، عن مجاهد رحمه الله في قوله تعالى: "وكانوا لنا خاشعين"، قال: متواضعين. وقد وصف الله تعالى في كتابه الأرض بالخشوع، فقال: "ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة، فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت". قال: فاهتزازها وربوها، وهو ارتفاعها، مزيل لخشوعها. معنى خاشعة: أي ساكنة. فإذا اهتزت وربت، اهتزاز هذا ارتفاعها، قال: مزيل لخشوعها، فدل على أن الخشوع الذي كانت عليه هو سكونها والخفاضها. قال: فكذلك القلب، إن خشع، فإنه تسكن خواطره وإراداته الرديئة التي تنشأ من اتباع الهوى، وينكسر ويخضع لله عز وجل، فيزول بذلك ما كان فيه من النأي. النأي: معنى المراد به البعد، نأى عنه أي بعد عنه، "من سمع بالدجال فلينأ عنه"، أي يبتعد عنه. وهنا قوله رحمه الله: "فيزول بذلك ما كان فيه من النأي"، أي من البعد عن الله، والترفع والتكبر والتعاظم. ومتى سكن ذلك في القلب، خشعت الأعضاء والجوارح والحركات كلها، حتى الصوت. سبحان الله، حتى الصوت يخشع. وقد وصف الله تعالى الأصوات بالخشوع في قوله: "وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسًا". قالوا: خشوع الأصوات هو سكونها وانخفاضها بعد ارتفاعها. معنى: لما كان هذا في الحشر، الناس لا يدرون إلى أين يذهبون، تعلو أصواتهم، هذا يتكلم، هذا يصيح، وهذا كذا، وهذا يبكي، فترتفع الأصوات، ثم يسمعون الداعي، يومئذ يتبعون الداعي، لا عوج له، وخشعت الأصوات للرحمن، فلا تسمعوا إلا همسًا. لما يدعوهم الداعي ويقول: اتبعوني، فتسكن الأصوات وتخاف وتهدأ الأصوات بعد أن كانت هناك ضجة كبيرة، لما يسمعون الصوت ينصتون إلى الصوت، ثم يتبعون الصوت، لا يدرون إلى أين، لكن في خوف شديد، تقشعر قلوبهم، وتسكن هذه القلوب، وتخشع حتى الأصوات. قيل: أن هذه الأصوات، "فلا تسمع إلا همسًا"، أي صوتًا يسيرًا. قيل: أنه صوت، وقيل: أنه دف الأرجل عندما يمشون يطلع هذا الصوت، وإلا الناس سكت، خاشعة أبصارهم، ترهقهم ذلة. وقال الله عز وجل أيضًا: "ساخصة أبصارهم، وأفئدتهم هواء"، فارغة الأفئدة، لا يدرون إلى أين يذهبون، فيسكن الأصوات، وتفرغ القلوب، وتشخص العيون، ويتبعون الداعي. قالوا: كذلك وصف وجوه الكفار وأبصارهم في يوم القيامة بالخشوع، فدل ذلك على دخول الخشوع في هذه الأعضاء كلها. ومتى تكلف الإنسان تعاطي الخشوع في جوارحه وأطرافه، يعني الخشوع يكون في الأطراف كما يكون في القلب، والمراد به سكون هذه الأطراف. ثم قالوا: ومتى تكلف الإنسان تعاطي الخشوع في جوارحه وأطرافه مع فراغ قلبه من الخشوع وخلوه منه، كان ذلك خشوع نفاق. يعني إذا تصنع الخشوع بالأطراف، فإنه لا ينفعه، لا ينفع الخشوع بالأطراف والقلب فارغ والقلب لاهٍ، فلذلك سماه السلف خشوع نفاق، سماه هذا التكلف خشوع نفاق. قال: وهو الذي كان السلف يستعيذون منه، كما قال بعضهم: "واستعيذوا بالله من خشوع النفاق". قال: وما خشوع النفاق؟ قال: أن ترى الجسد خاشعًا والقلب ليس بخاشع، والقلب ليس بخاشع، أن الجسد خاشع، وأما القلب ليس فيه خشوع. قال: ونظر عمر رضي الله عنه إلى شاب قد نكس رأسه، فقال له: يا هذا، ارفع رأسك، فإن الخشوع لا يزيد على ما في القلب. وهذا أيضًا سيأتي أنه سيقرر كلام السلف: أن القلب، أو أن الخشوع إذا زاد على ما في القلب يكون نفاقًا وتصنعًا، لأن الخشوع هو خشوع القلب، والجوارح تسكن إذا سكن القلب. قال: فمن أظهر للناس خشوعًا فوق ما في قلبه، فإنما هو نفاق على نفاق. وأصل الخشوع الحاصل في القلب إنما هو من معرفة الله، ومعرفة عظمته وجلاله وكماله، فمن كان بالله أعرف فهو له أخشع، وبعضهم يقول: فهو له أخوف. قال رحمه الله: تتفاوت القلوب في الخشوع بحسب تفاوت معرفتها لمن خشعت له، أن معرفتها المراد تعظيمها لله، فكل قلب عظم الله لا بد أن قلبه يخشع لله ويخضع، عرف عظمة الله، وكلما عرف عظمة الله سبحانه وتعالى كلما خشع قلبه. قالوا: بحسب تفاوت مشاهدة القلوب للصفات المقتضية للخشوع. فمن خاشع لقوة مطالعته لقرب الله من عبده، واطلاعه على سره وضميره، المقتضي لاستحياء من الله. أن هذا يجلب الخشوع، يستحي من الله. كان علي بن الحسين، ويقال أنه الحسين بن علي، كان إذا وقف في الصلاة ينتفض، ينتفض ويصفر جسده، فقيل له: ما لك؟ فقال: رحمه الله: "أترون من أقابل؟ أترون من أقابل؟" أي أقابل الله جل وعلا. وهكذا جاء أيضًا عن ابن سيرين رحمة الله عليه. أنا كان السلف رحمهم الله إذا وقف أحدهم في الصلاة يعلم أنه يقف بين يدي الله، بين يدي العظيم الجبار جل وعلا. فكثرة تعظيم الله عز وجل في قلب هذا العبد تجعله خاضعًا وخاشعًا لله، لا يلتفت قلبه عن الله سبحانه وتعالى، لتعظيمه لله. ولهذا كلما ذهب هذا التعظيم من القلب، ذهب هذا الخشوع والخضوع لله. وهذا السر العظيم الذي يخشع به قلب الإنسان: إذا لم يكن عنده تعظيم لله جل وعلا، وتعظيم لله سبحانه وتعالى، تجد أن الخشوع يبتعد عنه، ولو تكلف، ولو اجتهد، إلى أن يأتي بالخشوع، لا يأتي بالخشوع إلا إذا كان قلبه معظما لله، عارفا بالله، يعظم أسماء الله وصفاته، يعظم الموقوف بين يدي الله. قال رحمه الله: فمن خاشع لقوة مطالعته لقرب الله من عبده، واطلاعه على سره وضميره، المقتضي لاستحياء من الله، يعلم أن له ذنوبًا يجاهر الله عز وجل بها، يخالف الله، فيستحي أنه يقف بين يديه وهو يعصيه، فيجعل ذلك في قلبه تعظيمًا لله، وخضوعًا لله سبحانه وتعالى. قالوا: مراقبته في الحركات والسكنات، أي راقب الله عز وجل في حركاته وسكناته. قالوا: من خاشع لمطالعته لجلال الله وعظمته وكبريائه، المقتضى لهيبته وإجلاله. ومن خاشع لمطالعته لكماله وجماله، المقتضى للاستغراق في محبته، بكماله جل وعلا في أسمائه وصفاته، وفي جميع أفعاله سبحانه وتعالى، من عطائه وأخذه وتسخيره سبحانه جل وعلا، وقدرته وعزته، وغير ذلك من الصفات العظيمة. معنى: يطلعها في قلبه، يجعل هذه المعاني في قلبه، فهذه المعاني بعد ذلك تتولد خضوعًا وخشوعًا لله، إذا كانت في قلبه، معنى يجعل قلبه مطلع على هذه المعاني العظيمة، فهذا معنى. ومن خاشع لمطالعته لشدة بطشه وانتقامه وعقابه، المقتضى للخوف منه، وهو سبحانه وتعالى جابر القلوب المنكسرة لأجله. ولهذا تجد المظلوم يخضع لله جل وعلا، ويدعو بحرقته وبانكسار قلبه، لأن قلبه مكسور، فلذلك لجأ إلى الله، والتجأ إلى الرب جل وعلا، لأنه يعرف أنه سينتقم له، وأنه سيعاقب من ظلمه، فلذلك استجاب الله عز وجل للمظلوم. وإياك، قال النبي عليه الصلاة والسلام لمعاذ: "إياك ودعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب، ليس بينها وبين الله حجاب". لماذا صارت هكذا؟ لأنه لأنه يدعو بحرقته، لجأ إلى الله، لأنه يعلم أن الله سينتقم له، اطلع قلبه على هذه الصفات العظيمة. خاشع بمطالعة شدة بطشه وانتقامه وعقابه، المقتضى للخوف منه، وهو سبحانه وتعالى جابر القلوب المنكسرة لأجله. حتى الظالم، الظالم إذا تفكر في هذه المعاني، فإنه لا يشك أنه سيرجع عن ظلمه، وسيخضع لله جل وعلا. قال: فهو سبحانه وتعالى يتقرب من القلوب الخاشعة له، كما يتقرب ممن هو قائم يناجيه في الصلاة، وممن يعفر له وجهه في التراب بالسجود في التراب بالسجود، وكما يتقرب من وفده وزوار بيته، الوافدين بين يديه، المتضرعين إليه في الوقوف بعرفة، في الوقوف بعرفة، ويدنو ويباهي بهم الملائكة، وكما يتقرب من عباده الداعين له، السائلين له، المستغفرين من ذنوبهم بالأسحار، ويجيب دعاءهم، ويعطيهم سؤلهم. ولا جبر انكسار العبد أعظم من القرب والإجابة. معنى: معنى أنه أراد أن الله يقرب من القلوب المنكسرة التي لجأت إليه، ودعته سبحان وتعالى، وناجته جل وعلا، فيدنو منها، ويقرب منها. وما تقرب إليه عبد، كما قال في الحديث القدسي: يقول الله عز وجل: "وما تقرب إلي عبد شبرًا إلا تقربت إليه ذراعًا، وما تقرب إلي ذراعًا إلا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة". طيب، إن شاء الله يؤذن ثم نكمل. طيب، قال حافظ بن رجب: قال: وروى الإمام أحمد رحمه الله في كتابه الزهد بإسناده عن عمران القصير، قال: قال موسى بن عمران: أي رب، أين أبغيك؟ قال: أبغني عند المنكسرة قلوبهم من أجلي، إني أدنو منهم كل يوم باعًا، ولولا ذلك لهدموا. هذا من الإسرائيليات، لكن كما ذكرنا يغني عنه الحديث الذي ذكرناه آنفًا، حديث أبي هريرة في الصحيحين، في الحديث القدسي. وقال: وروى إبراهيم بن الجنيد رحمه الله تعالى في كتاب المحبة بإسناده عن جعفر بن سليمان، هو الضبعي، قال: سمعت مالك بن دينار، قال: قال موسى عليه السلام: إلهي، أين أبغيك؟ فأوحى الله عز وجل إليه أن: يا موسى، أبغني عند المنكسرة قلوبهم من أجلي، فإنني أدنو، أدنو، أدنو منهم في كل يوم وليلة باعًا، ولولا ذلك لهدموا. قال جعفر: قلت لمالك بن دينار: كيف المنكسرة قلوبهم؟ فقال: سألت الذي قرأ في الكتب، فقال: سألت الذي سأل عبد الله بن سلام، فقال: سألت عبد الله بن سلام عن المنكسرة قلوبهم، ما يعني؟ قال: المنكسرة قلوبهم بحب الله عز وجل عن حب غيره، أن استغنوا بحب الله سبحانه وتعالى. وقال: وقد جاء في السنة الصحيحة ما يشهد بقرب الله من القلب المنكسر ببلائه، الصابر على قضائه، أو الراضي بذلك، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام: أن الله عز وجل يقول، يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني. قال: يا رب، كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ أنا كيف؟ قال له: مرضت فلم تعدني. قال: ما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ أي أن الله عز وجل قريب من هذه القلوب المنكسرة، وغالبًا المريض الراضي بقضاء الله قلبه منكسر، فلذلك فهذه من الأماكن العظيمة التي يحرص عليها العبد، فيذهب إلى المرضى ويدعو لهم، لأن ذلك المكان مكان عظيم، وفيه أيضًا قرب الله عز وجل من عباده. وقال: وروى ابن عيينة من طريق ضمرة بن حبيب عن ابن شوذب: قال الله تعالى إلى موسى عليه السلام: أتدري لأي شيء اصطفيتك على الناس برسالاتي وكلامي؟ قال: لا يا رب. قال: لأنه لم يتواضع لأحد قد تواضعه. هذا هو الخشوع، وهو العلم النافع، وهو أول ما يرفع من العلم، أول ما يرفع من العلم في هذه الدنيا هو الخشوع. قال: فخرج النساء من حديث جبير بن نفير رحمه الله عن عوف بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم نظر إلى السماء يومًا، فقال: هذا أوان يرفع فيه العلم. فقال رجل من الأنصار يقال له زياد بن لبيد: يا رسول الله، يرفع العلم وقد أثبت وأثبت ووعته القلوب؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم: "إن كنت لأحسبك من أفقه أهل المدينة"، وذكر له ضلالة اليهود والنصارى على ما في أيديهم من كتاب الله عز وجل، أي من التوراة والإنجيل. قال: فلقيت شداد بن أوس، يقول جبير بن نفير: فلقيت شداد بن أوس، فحدثته بحديث عوف بن مالك، فقال: صدق عوف، ألا أخبرك بأول ذلك يرفع؟ قلت: بلى. قال: الخشوع، حتى لا ترى خاشعًا. قال: وأخرجه الترمذي من حديث جبير بن نفير عن أبي الدرداء عن النبي عليه الصلاة والسلام بنحوه، عن نفس الحديث، والظاهر أنه خطأ من بعض الرواة، والحديث الصحيح هو حديث عوف بن مالك. وهنا ذكر أبو الدرداء، وأن الذي قال له صدق هو عبادة بن الصامت. قال: قال جبير: فلقيت عبادة بن الصامت، فقلت: ألا تسمع إلى ما يقول أخوك أبو الدرداء؟ قال: وأخبرته بالذي قال أبو الدرداء، قال: صدق، صدق أبو الدرداء، لو شئت لحدثتك بأول علم يرفع من الناس، الخشوع، حتى تشك أن تدخل مسجد الجامع فلا ترى فيه رجلًا خاشعًا. وقال: وقد غلب إن رواية النساء أرجح. قال: وقد روى سعيد بن جبير عن قتادة عن الحسن رحمة الله عليه عن شداد بن أوس عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: أول ما يرفع من الناس الخشوع. وسعيد بن جبير عن قتادة فيه ضعف، والحديث فيه ضعف، لكن له شاهد الذي تقدم، والشاهد الذي تقدم هو موقوف على شداد، وهنا جاء مرفوعًا، فالمرفوع لا يصح، وإنما يصح الموقوف على شداد، عندما قال له لجبير بن نفير: صدق عوف، ألا أخبرك بأول ذلك يرفع؟ قلت: بلى، قال: الخشوع، حتى لا ترى خاشعًا. وقال: ورواه أبو بكر بن أبي مريم عن ضمرة بن حبيب المرسل، وروي نحوه عن حديث من قوله أيضًا، أخرجه ابن أبي شيبة بسند لا بأس: أول ما يرفع من الناس الخشوع. قال: فالعلم النافع هو مباشر القلوب، فأوجب لها السكون والخشية والإخبات والإخبات لله، والتواضع والانكسار له. وإذا لم يباشر القلوب ذلك من العلم، وإنما كان على اللسان، فهو حجة الله على ابن آدم. أن إذا كان هذا العلم ما يدخل القلب، لا ينتفع به العبد، قال: