الدرس في قصة ذو الكفل عليه السلام 1، ذو الكفل - عليه السلام - حقيقته ونبوته وصفاته . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن سبب ذكر نبي الله ذو الكفل في السلسلة المباركة وآراء العلماء حول زمنه وعلاقته بالنبي أيوب. يشير إلى ورود اسم ذو الكفل في القرآن الكريم في موضعين فقط.
يتناول آراء العلماء حول هوية ذي الكفل ونبوته، واستدلال الأكثرون على نبوته من خلال اسمه وذكره مع الأنبياء في القرآن، واختلافهم في تعيينه وصفاته.
يستدل على نبوته من خلال اسمه وذكره في القرآن، ويتناول اختلاف العلماء في تعيينه، ويختتم بالصلاة على النبي وآله وصحبه مع تأجيل تتمة الموضوع.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، بعد انتهائنا إخواني في الله من ذكر ما يتعلق بنبي الله أيوب عليه السلام، ننتقل في هذا المقام إلى نبي آخر من أنبياء الله. وإن مما أذكره في هذا المقام في هذه السلسلة المباركة هو نبي الله ذو الكفل عليه السلام. ذو الكفل، وأول مسائل هذا المبحث في بيان لماذا نذكر هذا النبي في هذا التوقيت؟ انتهينا من أيوب، نتحدث الآن عن هذا النبي، وأنتم تعلمون حفظكم الله، نحن في هذه السلسلة المباركة لسنا بصدد ذكر تراجم وسير، بل نحاول أن نرتب التسلسل الزمني لكل نبي بما نستطيع، لحسب القرائن التي تأتي بها المصادر. وطبعًا مثل هذه المراحل اختلف فيها العلماء، لأن بعض الأنبياء ليس لهم توقيت معين، هنا أم هنا أم هنا، الله أعلم، بخلاف بعضهم. سلسلة أنبياء أبناء عن آباء عن أجداد يمكن أن ترتب، وقع الخلاف: ذو الكفل عليه السلام أين زمنه؟ قلنا نختاره أن نجعله في هذه الفترة بعد أيوب عليه السلام، لماذا؟ لأن ما نجده في التراجم أنهم يذكرون أن فترة بعثة هذا النبي كانت في هذه المرحلة، في هذه الفترة الزمنية. بل ما هو أعظم من ذلك، أعظم من ذلك أن من العلماء من وجد ترابطًا أو صلة قرابة بين ذي الكفل وبين أيوب عليه السلام، وهي أن ذي الكفل هو ابن أيوب، ابنه، قد جاء ذلك مصرحًا به عند بعض المؤرخين، كما أشار إلى ذلك الإمام العليمي رحمه الله تعالى في تفسيره، حيث قال في «فتح الرحمن»: قال «وذا الكفل هو بشر ابن أيوب، بعثه الله بعد أبيه، بعثه الله بعد أبيه». وقال النوري، النويري رحمه الله تعالى، كما في كتابه «النهاية»: قال «واختلف العلماء في ذي الكفل من هو؟ فقال الكسائي: هو ابن أيوب عليهما السلام». قال الكسائي: هو ابن أيوب عليهما السلام. وهكذا مثله قال مكي بن أبي طالب، كما في تفسيره، قال «وذا الكفل هو ولد أيوب». فهذه المصادر، إخواني في الله، طبعًا لا أعرج ولا أتكأ ولا أعتمد عليها في ذكر صلة القرابة، الله أعلم بصحة ذلك. لكن الذي يهمني في الدرجة الأولى الفترة الزمنية، الفترة الزمنية تشير إلى أن ذا الكفل عليه السلام كان في هذه الحقبة الزمنية، في زمن أيوب عليه السلام، على من يقول بأنه ابنه، بعده قريبًا منه، فهو في هذه الفترة، ولهذا نختاره في هذه الترتيبات التي سنمشي عليها في هذه السلسلة المباركة. إذن هذه المسألة الأولى في سبب اختيار الكلام على هذا النبي عليه السلام في هذا المقام. تأتي المسألة الثانية: من هو ذو الكفل؟ هذا النبي أو هذا الاسم؟ نبدأ بالعموم، هذا الاسم ذكر في القرآن في موضعين فقط لا غير، في موضعين من كتاب الله سبحانه وتعالى. ذكره الله عز وجل في سورة الأنبياء، كما في قوله جل في علاه: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنْ الصَابِرِينَ﴾، والموطن الثاني في سورة «ص»: قال سبحانه: ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنْ الْأَخْيَارِ﴾. ففي الآية الأولى وفي الآية الثانية جاء ذكر هذا الرجل بهذا الاسم: بذي الكفل. لكن ما بعد ذلك، ما عندي أي شيء من التفاصيل أبدًا في القرآن كله، لم تأتِ أي إشارة إلى هذا النبي إلا في هاتين الآيتين فقط، ثناؤه عليه السلام. ولما كانت المصادر التي تأتي لنا بأخبار هذا الرجل، وقع الخلاف بين أهل العلم: من هو هذا الرجل؟ هل هو نبي من أنبياء الله؟ أم أنه رجل صالح، رجل صالح يذكر في عداد عباد الله الصالحين، كما في أمر لقمان؟ فهو رجل صالح، وهكذا قسما كان من أمثاله. قال: لأن المصادر ما أخبرت عنه بشيء، لأن الله أوحى إليه، ولأن الله بعثه إلى قوم، ولأنه علم شيء من أحواله وحوادثه، فاختلف العلماء إلى أقوال. القول الأول ما سمعتموه: أن من أهل العلم من ذهب إلى أنه رجل صالح، وأنه كان حكمًا عادلًا مقسطًا عابدًا متعبدًا، هذا وليس بنبي، صراحة كما قال ذلك -على ما يذكر- عن مجاهد رحمه الله وعن غيره. القول الثاني: قول من توقف، قالوا: الله أعلم، ما نستطيع أن نقول: أنه نبي أو ليس بنبي، الله أعلم به. وهذا أثر عن إمام المفسرين، عن الإمام الطبري رحمه الله تعالى، كما ذكر ذلك عنه ابن كثير في تفسيره، وذكر أن الطبري توقف، ما حكم عليه، لا أنه صالح ولا أنه نبي. والقول الثالث: وهو قول من يقول، ومن يرى، قول من يقول ويرى بأنه نبي من أنبياء الله. وهذا القول، القول بنبوة ذي الكفل، هو قول الأكثر والأشهر عند أهل العلم. وقد ذكر ذلك العلماء في كتبهم من المفسرين، كما ذكر ذلك أبو حيان الأندلسي رحمه الله تعالى، قال: «قال الأكثرون: هو نبي». وهكذا قال الإمام الآلوسي رحمه الله تعالى، قال: «وهذا الذي ذهب إليه الأكثر، أي: أنه نبي». وهكذا قاله الرازي، قال: «والأكثرون: أنه من الأنبياء عليهم السلام، أنه من الأنبياء عليهم السلام». وهذا الذي رجحه ابن كثير، والقاسم، وابن عاشور، والسعدي، وغيرهم كثير وكثير. وهنا أنبه على فائدة: أن القول بنبوته هو قول أكثر العلماء، ولم يصب، لم يصب من عكس، لأن لم يوجد من المفسرين من عكس، قال: أن أكثر العلماء ذهبوا إلى أنه ليس بنبي، كما فعل من القرطبي، القرطبي رحمه الله، قال: «والأكثر على أنه، الجمهور على أنه ليس بنبي». وهذا ليس بصحيح، بل هو نبي كما سمعت، أكثر العلماء على هذا، على أنه نبي من أنبياء الله. ومما يستدل به على نبوة ذي الكفل عدة أمور، أشير إلى ثلاثة مسائل، وبها اتكأ عليها الكثير من العلماء على نبوة هذا الرجل والعبد الصالح. أولًا: من اسمه، فذو الكفل، الكفل في اللغة بمعنى النصيب، بمعنى النصيب، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿يُؤْتِكُمْ كَفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾، يؤتكم كفلين من رحمته، فالكفل بمعنى النصيب، أي: أن هذا الرجل له نصيب. وهذا اسم من الله، على قول من قال: أن هذا اسمه من ربه، سماه الله بهذا الاسم، فهو ذو كفل، أي: أنه له نصيب عظيم. نصيب في ماذا؟ نصيب في ماذا؟ نصيب في ماذا؟ قيل: أن له نصيبًا عظيمًا في الثواب، أي: عنده من الثواب ومن مضاعفة الأجر ما ليس عند غيره. وقيل: كفل، أي: نصيب من العمل، أي: أنه يعمل من الأعمال كما يحكى ذلك، كما سيأتي، يحكى عنه أنه كان يعمل من العبادات ما لا يطيق عليه غيره، فهو له نصيب، كفل نصيب، فسماه ربنا عز وجل بذي الكفل. قالوا: هذا اللقب، هذا الاسم المفيد لهذه الفائدة، دل على تميزه على غيره، ومن الغير قد يكون بشر، وقد يكون أنبياء، حتى أن أنبياء زمنه هو، فاقهم بهذا النصيب، إما بضعف الثواب والأجر، أو بضعف العمل والاجتهاد. قالوا: إذن اسمه يدل على نبوته، هذا الأمر الأول. الأمر الثاني: قالوا: أن اسمه قد قرن مع الأنبياء، ذكرنا الآيات التي جاء فيها ذكر هذا النبي الصالح، تجد أن اسمه يذكر مع زمرة الأنبياء، كما في الآية الأولى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ﴾، وفي الآية الثانية: ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ﴾، فذكره في هذا المقام إشارة إلى أنه في زمرة الأنبياء. والأمر الثالث الذي استدل به العلماء على نبوته: أن هذا الرجل اسمه ذكر في سورة الأنبياء، في سورة الأنبياء، وهذه السورة لم يذكر فيها إلا الأنبياء، ما ذكر فيها إلا الأنبياء، فكون ذو الكفل يذكر فيها، إذن هو نبي من أنبياء الله جل في علاه. فهذه القرائن الثلاث تدل على نبوته، ولهذا قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره: «الظاهر من ذكره في القرآن بالثناء عليه مقرونًا مع هؤلاء السادة الأنبياء أنه نبي». فهذه من أعظم القرائن التي يستدل بها على نبوته. المسألة الثالثة: نأتي إذا قلنا: أنه نبي، فمن هو إذا؟ أردنا أن نعينه، من هو؟ العلماء حاولوا أنهم يقربون المسألة، بأن هذا هو لقب في الحقيقة، لقب لنبي من أنبياء الله، قال: ألينا قد عرفوا، واختلف العلماء في تعيينه. فمن أهل العلم من ذهب إلى أنه هو إلياس، هو إلياس، وهو الذي يسمى في كتب اليهود: إليا، إلياه، وإلياس، إلياس، ونفسه ذو الكفل، قيل: هو هو، هذا عند بعض العلماء. وقيل: أنه يوشع بن نون، يوشع بن نون عليه السلام، لكن يوشع متأخر. وقيل: أنه حزقيال، حزقيال، وهو كذلك من أنبياء بني إسرائيل. فالشاهد أن العلماء حاولوا أنهم يأتون بتقريب، لكن كما قلنا: المصادر شحيحة، شحيحة في بيان تعيين هذا النبي الكريم، فالله أعلم. لكن الذي نعلمه عن هذا النبي: أن الله عز وجل وصفه بالثناء الحسن، والذي عندنا من الثناء والأوصاف: أن الله عز وجل وصفه بوصفين اثنين، بوصفين اثنين عظيمين. الوصف الأول ما جاء في قوله تعالى: أنه كان من الصابرين، أي: بلغ في الصبر مبلغًا عظيمًا. والوصف الثاني: أنه من الأخيار، أي: أن الله عز وجل اختاره من الخلق، اختاره من الخلق بما اختاره الله عز وجل به، أنه كان على أكمل الأحوال من الأقوال والأفعال والأعمال والأخلاق السديدة والآداب السديدة، فهو من خيار خلق الله. فهذين الوصفين، نعم، ثبت عن هذا النبي الكريم. ومن أهل العلم من أراد أن يلتمس من بعض الروايات: أنه كان في بلاد الشام، في بلاد الشام، بعثته تحديدًا في بلاد دمشق، وأنه عاش إلى خمسة وسبعين سنة، هكذا يذكر، فالله تعالى أعلم. وليس عندنا مزيد، هذا الذي أذكره في هذا المقام. وبقيت تتمة لهذا النبي الكريم تؤجل بإذن الله وتؤخر إلى درس غد. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.