الدرس في شرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله 82، الدرس الثاني والثمانون : (وثالث مرتبة الإحسان ... حتى يكون الغيب كالعيان ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
مرتبة الإحسان هي أعلى مراتب الدين وتعني عبادة الله كأنك تراه. هذه المرتبة تجعل العبد مستحيي من الله أن يراه على معصية.
الزيادة تشمل الرضوان ورؤية الله تعالى ونعيمًا زائدًا. كما يتناول مسألة معية الله تعالى لعباده بعلمه وإحاطته ومراقبته.
يفرق بين معية العلم ومعية الذات، ويوضح ضوابط الاختلاط بين الرجال والنساء في الأماكن العامة. معية الله تعالى لعباده بعلمه.
يختم بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم ويكرر الشكر للمشاهدة. هذا ختام للرسالة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. وهو رسوخ القلب بالعرفان حتى يصير الغيب كالعيان، هذه المرتبة الثالثة من مراتب هذا الدين. وقد سبق أن تكلم على المرتبتين: مرتبة الإسلام والإيمان. وأعلى هذه المراتب الثلاث هي مرتبة الإحسان التي عرفها النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: «هي أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». وهذا المعنى الذي قاله النبي عليه الصلاة والسلام هي درجة المحسنين، فهي أعلى مراتب الدين أن يعبد الله عز وجل عبادة الشهادة لا عبادة الغيب. كما قال: وهو رسوخ القلب في العرفان حتى يصير الغيب كالعيان. يصير الغيب كالعيان، أنت ترى الجنة كأنك تراها، كأنك تسمع ما فيها، كأنك تستحضر كل ما أخبرت به. وهذه درجة عظيمة لا يبلغها إلا أهل الإيمان الشديد القوي. وهكذا كذلك تخاف من النار كأنك رأيتها، كأنك تسمع عويل أهلها. كذلك تعبد الله عز وجل كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فأنت تعلم علم اليقين أنه يراك مراقبًا لك. إذا علمت أنه مراقب لك هذه المراقبة الشديدة، فهل يحصل منك ما يخالف أمره؟ ولهذا في الحقيقة لا تقع معصية من إنسان إلا بضعف هذه المرتبة في قلبه. ضعف هذه المرتبة، فإنه لو عبد الله عز وجل حق العبادة، ودان لله عز وجل بحق الدين، فإنه لن تقع منه معصية لله، لن تقع منه معصية لله عز وجل أبدًا، ولن يكون منه تقصير لله سبحانه وتعالى أبدًا؛ لأنه مستيقن تمام اليقين أن الله جل وعلا يراقبه. فالغيب عنده شهادة، كأن الله عز وجل أمامه يشاهد ويراقبه. فعند ذلك يستحي من الله أن يراه على غير طاعته، أو أن يراه بشيء من معاصيه سبحانه وتعالى. وهي أعلى مراتب هذا الدين. وقوله رحمه الله: «وتلك أعلاها» أي: هذه المرتبة أعلى مراتب الدين لدى الرحمن، بدليل تدرج النبي عليه الصلاة والسلام لها، وكذلك بأدلة الكتاب والسنة. من يذكر لنا شيئًا من أدلة الكتاب الذي يدل على هذا المعنى، على أن مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين؟ نعم، نذكر معنا شيء من ذلك. والعلوم هي متراكبة والمعلومات تتكرر. هات يا أبا... حتى نفضل. زيادة الله خير. والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، والله يحب المحسنين، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾، فجعل هذا من أعلى مراتب وصفات المؤمنين. ﴿فَأَثَابَهُمْ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾، ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، هذه أصرح الآيات في هذه المرتبة. ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، فالذين أحسنوا لهم الحسنة، الحسنة لكل واحد للمسلم، وكذلك المؤمن يدخل الجنة وزيادة. قالوا: هذه الزيادة هي الرؤية، رؤية الله جل وعلا. وقالوا: هذه الزيادة هي شيء من النعيم الزائد الذي لا يناله إلا أهل الإحسان. وهذا هو الأصوب، ومنه كذلك الرؤية؛ لأن هذا أبلغ. أما حصره بالرؤية فقط فهو ليس بأكمل؛ لأن اللفظ يقتضي معنى أكثر من الرؤية. والقاعدة عند أهل العربية أن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى. فقوله سبحانه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، وزيادة نكرة في سياق الإثبات، والنكرة في سياق الإثبات تفيد الإطلاق، تفيد الإطلاق. فهي ليست زيادة واحدة، بل زيادة مطلقة. هي زيادة مطلقة. من هذه الزيادة الوصول إلى رضوان الله. وبهذا يزول الخلاف بين أهل العلم: أيهما أعظم الحصول على رضوان الله أو رؤية الله جل وعلا؟ الجواب: أن أهل الإحسان يصلون إلى الاثنتين معًا، يصلون إلى الرضوان ويصلون إلى الرؤية، وكلاهما من الزيادة. هذا من الزيادة، بعض ما يعطى أهل الجنة من النعيم المقيم، يعطون رضوان رب جل وعلا، فلا يسخط عليهم أبدًا، هذه من الزيادة. ويعطون رؤية رب جل وعلا، هذا من الزيادة. ويعطون نعيمًا زائدًا على ما كان منهم من عمل، جزاء إحسانهم وشدة مراقبتهم. وهذا كذلك من الزيادة. وقوله رحمه الله: قال: وهو رسوخ القلب في العرفان. ومعنى رسوخ القلب يعني: يقينه وثبوته في العرفان، أي: في معرفته لكل شيء، معرفته لربه، لدينه، لنبيه عليه الصلاة والسلام، بشرعه ودينه، معرفته لدينه معرفة رسوخ، رسوخ في القلب ثابت. وأثر هذا الرسوخ قال: حتى يصير الغيب أي: ما لا يراه من أمر الغيب كالعيان، كالمشاهد. هل أنت إذا أخبرت بشيء يكون إحساسك وتفاعلك مثل ما ترى؟ لا، ما يمكن. أنت تسمع بالحرب فتخاف منها، لكن إذا رأيتها رؤية العين، هل يكون موقفك وحالك كحالك إذا سمعتها؟ لا أبدًا ما يكون. لكن المراد هو شدة التصديق بهذا، وإلا فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ليس الخبر كالمعاينة»، يختلف الخبر يختلف عن المعاينة. قال: فإن موسى عليه الصلاة والسلام لما أخبر لم يلق الألواح، ولما أتى قومه ألقى الألواح. يعني: أخبره الله -ومن أصدق من الله قيلًا؟ لا أحد أصدق من الله قيلًا- بأن قومه اتخذوا بعده عجلًا، ولما أتى قومه ورأهم على ما هم عليه ألقى الألواح من شدة الغضب والغيرة لدين الله عز وجل. فليس الخبر كالمعاينة، لكن المراد أن معرفة هذا المسلم والمؤمن الذي بلغ مرتبة الإحسان تكون عنده شديدة حتى يصير الغيب كالعيان. يصير الغيب كالعيان، وعند ذلك تحصن له المراقبة الكاملة التامة. هذا خلاصة ما يذكر في هذه البيتين. وبه نكتفي. الحمد لله رب العالمين. والسائل يقول، وهو من إيرلندا: ما حكم الشرع فيمن يقول: إن الله تعالى معنا ليس بذاته وإنما بعلمه؟ بارك الله فيك. وأنت بارك الله فيك. هذه المسألة مسألة تحتاج إلى تفصيل، وذلك أن لفظة «بذاته» من عبر بها من أهل العلم ومن أهل السنة إنما يريد بذلك نفي قول أهل البدع في هذه القضية والمسألة، وهي مسألة المعية. فإنهم قالوا بالحلول والاتحاد، فلنفي هذا القول قالوا: ليس معنا بذاته وإنما بعلمه. وإلا فهذا اللفظ لفظ لم يرد به تعبير الكتاب ولا تعبير السنة، ولا نقل عن أحد من سلف الأمة، ولا عبر به أحد من الأئمة. أي: أنه ليس معنا بذاته أو بعلمه فقط. فإذا قلنا بذلك أردنا بذلك أنه ليس معنا معية حقيقية. نقول: لا، هذا ليس بصحيح. وأما إذا أردنا عدم المخالطة والاتحاد فهذا صحيح. فهو معنا بعلمه، بمراقبته، وإحاطته، وكذلك قدرته سبحانه وتعالى على خلقه، كما قال جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، وذلك بآية أخرى: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾. وهكذا كذلك في معية العلم: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم، ولا خمسة إلا هو سادسهم، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا. فإذا لابد أن نفصل بمعنى هذا اللفظ. هذا بالنسبة لطلبة العلم. أما بالنسبة للعامة والذين قد تختلط عليهم المعلومات، والذين طغت عليهم هذه المفاهيم الخاطئة من قول أهل الحلول والاتحاد: بأن الله بكل مكان، وأن الله يحل في الأشياء، فهذا كله قول باطل وضال. فلذلك قد تحتاج إلى تأكيد. فتقول: هو معنا بعلمه، لا يخالطنا، ليس بذاته. مع أنه سبحانه إذا تأملنا الحق هو معنا سبحانه وتعالى معية حقيقية، وذلك لا ينافي أنه معنا بعلمه، ولا ينافي أنه لا يخالط عباده سبحانه. وضرب لذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مثلًا، قال: القمر نسير ونقول: القمر معنا، هذا القمر غير مخالط لنا، وأنت تمشي طول الليل والقمر معك، ولو كنت في سفر، ولو كنت في بر أو كنت في بحر أو كنت في طائرة، فإنك تسير والقمر معك، وهو غير مخالط لك. ولله عز وجل المثل الأعلى. يقول السؤال الثاني: هل الاختلاط المحرم هو تواجد الرجال والنساء في مكان واحد؟ تواجد الرجال والنساء في مكان واحد على وجه فيه عزل ليس باختلاط، كتواجدهم في الصلوات في المساجد: الرجال في موضع الرجال، والنساء في موضع النساء، وفي مصليات العيد: الرجال في موضع الرجال، والنساء في موضع النساء، وفي قاعة العلم: الرجال في موضع الرجال، والنساء في موضع النساء، بشرط أن لا يكون هناك اختلاط في دخولهم وفي خروجهم، هؤلاء لهم مدخل لوحدهم، وهؤلاء لهم مدخل لوحدهم. وأمن يكونوا في مكان واحد فهذا من الاختلاط المحرم، ويجب على المسلم أن يتركه ويتقيه بقدر المستطاع. فإذا اضطر إلى ذلك فإنه يجتنبه بقدر المستطاع. قد الإنسان يضطر مثل المرور في بعض الأسواق، أو كذلك التعامل في بعض الدوائر كالمطارات أو كذلك الموانئ أو غيرها، يبتل الإنسان به. وكما قال العلماء: الضرورات تبيح المحذورات. يدفع الإنسان هذه الضرورة بقدر المستطاع، ولا يكلفنا الله عز وجل إلا وسعنا. لا يكلف الله عز وجل إلا وسعها. هذا خلاصة ما يقال في هذا الجواب عن هذين السؤالين. السؤال الثالث يقول: هل يلزم قولنا: نحضر دروس شرح البخاري ورياض الصالحين، أن يتعلم أصول الفترة؟ لا، لا يلزم. لكن احرص على أن تأخذ أوائل العلوم، فهي أهم بالنسبة لطالب العلم من الكتب الكبيرة. فكونه يتعلم الأصول الثلاثة والقواعد الأربع، كتاب التوحيد، أهم من أن يتعلم صحيح البخاري. وكونه يتعلم كذلك ما يحتاجه من اللغة الذي به يفهم كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أهم -لا شك- من تعلم صحيح البخاري، وهو لا يفهم أكثره بسبب ضعفه في اللغة. وكونه كذلك يحفظ آيات من كتاب الله، وآيات وأحاديث من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هو أهم من التوسع في صحيح البخاري، وهو ليس عنده شيء من القرآن يصل به بصلاته، ويستعين به بعبادة ربه. هذا الذي ينبغي أن يهتم به طالب العلم، أن يهتم بأساسيات العلوم التي لا يستغني عنها طالب العلم. ومع ذلك إذا استطاع أن يحضر مثل هذه الدروس فهذا شيء طيب. إلى هنا والحمد لله رب العالمين. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله. صلى الله عليه وسلم. شكرًا للمشاهدة. شكرًا للمشاهدة. شكرًا للمشاهدة.