شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 5

شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 5

الدرس في شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 5، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني

فضل القرآن ورفع الله لأهله بالعلم والعمل

يوضح المقطع حديث النبي ﷺ: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين»، مبيناً أن من تعلم القرآن وعمل به وعلّمه ينال رفعة عظيمة في الدنيا والآخرة، بينما من تعلمه ولم يعمل به يكون سبباً لوضعه. ويستشهد بقصة ابن أبزة المولى الذي استعمله عمر على مكة لعلمه بالقرآن والفرائض، دليلاً على أن العلم بالقرآن يرفع صاحبه فوق الأنساب والأموال.

فضائل القرآن وشفاعة أهله والفرق بين الحسد والغبطة

يستعرض المقطع فضائل تلاوة القرآن والعمل به، مستدلاً بأحاديث تؤكد شفاعته لأصحابه يوم القيامة، وأن سورة البقرة وآل عمران تحاجان عن قارئهما. كما يوضح الفرق بين الحسد المحرم وهو تمني زوال النعمة عن الغير، والغبطة المباحة وهي تمني مثل النعمة دون زوالها، مع توجيهات لدفع خواطر الحسد عن النفس.

الغبطة المحمودة في العلم بالقرآن وإنفاق المال

يشرح المقطع حديث النبي صلى الله عليه وسلم «لا حسد إلا في اثنتين» مبيناً أن الغبطة المحمودة تكون في رجل آتاه الله القرآن فقام به ليلاً ونهاراً عملاً وتعليماً، ورجل آتاه الله مالاً فأنفقه في وجوه البر والخير، مؤكداً أن العلم والمال لا يُغبط صاحبها إلا إذا عمل بهما ونفع بهما غيرهما، محذراً من كتمان العلم ومبشراً بنشره وتعليمه للأهل والأقربين والناس أجمعين.

واجب طالب العلم في نشر الهدى والأمر بالمعروف

يؤكد المقطع على أن طالب القرآن والعلم يجب أن يحرص على بث العلم ونشر الهدى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصدع بالحق، داعياً الله أن يوفق الجميع.

التفريغ النصي الكامل

موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي عليه رحمة الله، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرع العدني رحمه الله تعالى. الحمد لله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: نعم، قرأنا هذا الحديث، حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين»، رواه مسلم. نعم، هذا الكتاب المراد به كتاب الله عز وجل، القرآن الكريم الذي أنزله الله تبارك وتعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالله عز وجل يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين. فمن أقبل على كتاب الله تبارك وتعالى تعلمه، وعمل بما فيه، واهتدى بهديه، وتأدب بآدابه، وتخلق بأخلاقه، وامتثل أوامره، واجتنب نواهيه، وإذا زاد على ذلك بأن تعلم هذا القرآن وعلمه، فهذا في أعلى المراتب، ينفعه الله تبارك وتعالى. ومنهم من يعرض عن هذا الكتاب فيكون سببًا في ضيعته، أو منهم أيضًا من يتعلم كتعلم الأول. الأول تعلم وعلم، وهذا الثاني تعلم وعلم، لكن الأول رزق العمل بهذا الكتاب فكان ذلك سببًا في رفعته، والثاني تعلم الكتاب وعلمه لكن لم يعمل به فكان ذلك سببًا في نزوله ووضعه. والنبي صلى الله عليه وسلم هو القائل: «والقرآن حجة لك أو عليك، والقرآن حجة لك أو عليك». فهذا الحديث فيه بيان فضيلة العلم وفضيلة القرآن، وأن الله سبحانه وتعالى يرفع به أصحابه والعاملين به والمتعلمين له والمعلمين له، يرفعهم رفعة عظيمة في الدنيا والآخرة. يرتفع الإنسان بالعلم، وأعظم العلم علم القرآن، أعظم من ارتفاعه بالملك أو بالمال. والواقع أكبر شاهد أن من العلماء من نشأوا من أسر فقيرة، أسر حقيرة في نظر الناس وضيعة، ففتح الله عز وجل عليهم بالعلم فرفعوا رفعة عظيمة جدًا، وخلد الله ذكرهم، وأبقى لهم الثناء الجميل، يذكرون ويترحمون، ويتروى عنهم، ويحبون في الله تبارك وتعالى، أعظم مما جرى لكبار الأغنياء ول كبار الملوك والرؤساء، رفعة في الدنيا ورفعة في الآخرة. والله سبحانه وتعالى أخبر في كتابه الكريم أنه رفع الربانيين في بني إسرائيل وجعلهم حكامًا في بني إسرائيل بسبب العلم: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ﴾ [المائدة: 44]، فجعلهم الله ساسة وقادة. وهكذا كم رفع الله سبحانه وتعالى في ديننا من العبيد والموالي والفقراء والحقراء في نظر الناس، رفعهم رفعة عظيمة في هذه الدنيا. العلم يرفع بيتًا لا عماد له، والجهل يهدم بيت العلم، بيت السؤدد والشرف. فرفعة في الدنيا، وأيضًا رفعة في الآخرة. أهل القرآن كما في الحديث الآخر، حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: «بيت العز والشرف، والجهل يهدم بيت العز والشرف». رفعة أيضًا في الآخرة كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم: «يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْقُرْآنِ، يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا». فهذا فيه رفعة ربنا سبحانه وتعالى لأهل القرآن. وتعرفون سبب ورود هذا الحديث: أن نافع بن عبد الحارث كان عمر يستعمله على أهل مكة، فخرج عمر من المدينة حاجًا فتلقاه أمير مكة في عسفان، منطقة بالقرب من مكة، حوالي سبعين أو خمسين كيلو اليوم من مكة. فتلقاه على العادة في استقبال الكبراء، حرج الأمير. قال له عمر: «من تركت على أهل الوادي؟» قال: «تركت عليهم ابن أبزة». قال: «من ابن أبزة؟» قال: «مولى من موالينا». قال: «فتجعل عليهم مولى؟» تعرفون مكة فيها سادات العرب، قريش هي رأس العرب، وفيها الهاشميون، وفيها خبراء الناس. قال: «تركت عليهم مولى، أين ذهب هؤلاء أصحاب الأنساب والأحساب والأموال والمشهورون؟» قال: «استعملت عليهم مولى». قال: «يا أمير المؤمنين، إنه قارئ لكتاب الله، عالم بالفرائض». فقال عمر رضي الله عنه: «أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قال: إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين». قال رحمه الله: عن أبي أمامة الباهلي. قال النووي: أبو أمامة الباهلي اسمه صُدي بن عجلان، من سبل باهل، قبيلة معروفة، رضي الله عنه. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه». أيضًا من فضائل القرآن هذا الحديث: أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتلاوة القرآن: «اقرؤوا القرآن»، في الحث على تلاوة القرآن والإكثار من ذلك. «اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه». من فضائل القرآن أنه يأتي يوم القيامة يشفع لأصحابه، ويدافع ويناضل، ويشهد لهم، يشهد لهم يوم القيامة. كما في الحديث الآخر، حديث نواس بن سمعان، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْقُرْآنِ وَأَهْلِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا، تَقْدُمُهُ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَآلُ عِمْرَانَ تُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا». فهذا الحديث الثاني يبين أن هذه الشفاعة لأصحاب القرآن لا تكون بمجرد التلاوة فقط، أو بمجرد الحفظ فقط، حتى ينضاف إلى ذلك العمل به. يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْقُرْآنِ وَأَهْلِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا، تَقْدُمُهُ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَآلُ عِمْرَانَ تُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا. فضيلة عظيمة أن تجد من يدافع عنك، ومن يشهد لك بالخير، ومن يناضل، ومن يشفع. فالقرآن مشفع بنص هذين الحديثين. «اقرؤوا» كما في حديث أبي أمامة، تكملته: «اقرؤوا الزهراوين: البقرة وآل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فِرْقَانِ من طير صواف، تحاجان عن صاحبهما. اقرؤوا البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيع البطلة». البطلة: أي السحرة. قال رحمه الله: عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالًا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار». رواه البخاري ومسلم. قالوا: رويناه أيضًا يصلح، ورويناه أو رويناه أيضًا من رواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها». هنا تعليق للنووي رحمه الله: قوله «لا حسد»، قال: الحسد تمني زوال النعمة عن غيره، والغبطة تمني مثلها من غير زوالها. والحسد حرام، والغبطة في الخير محمودة محبوبة. والمراد بقوله صلى الله عليه وسلم «لا حسد إلا في اثنتين» أي: لا غبطة محمودة يتأكد الاهتمام بها إلا في اثنتين. وقوله «آناء الليل» قال: آناء الليل ساعاته، وفي واحدها أربع لغات: إناء، وأنا، بكسر الهمزة وفتحها، وإنيون، وإنون، بالياء والواو، والهمزة مكسورة فيهما. قال: مثله الآلاء وهي النعم، وفي واحدها اللغات الأربع: إلا، وألا، وإليون، وإلون. حكى هذا كله الواحدي. وفي قوله «فهو ينفقه» قال النووي: الإنفاق الممدوح في الشرع إخراج المال في طاعة الله تعالى. نعم، أيضًا هذا حديث عظيم في فضيلة القرآن وأهله. قال صلى الله عليه وسلم: «لا حسد إلا في اثنتين». الحسد الحقيقي هذا مذموم وحرام، وهو تمني زوال النعمة عن المنعم عليه. ما هو الحسد المذموم الذي هو حرام؟ تمني زوال النعمة عن المنعم عليه. ثم هذا الحاسد قد يتمنى أن تكون له هذه النعمة، وقد لا يتمناها. لكن متى يقع في الحسد المحرم؟ إذا تمنى زوال النعمة عن المنعم عليه. هذا حرام لا يجوز بالإجماع وبالنصوص من القرآن والسنة: ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ [النساء: 54]. وهكذا قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تحاسدوا». ويعظم الأمر إذا تسلسل مع هذه الأمور النفسية، صدقها بقول أو بفعل أو بتصميم. والواجب على الإنسان إذا هجم عليه شيء من ذلك... وقد لا يخلو إنسان من هجوم هذه الخواطر عليه. وما أحسن قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «ما خلُق جسد من حسد، ولكن الكريم يخفيه واللئيم يبديه». فالإنسان يدافع، يدفع هذه الأمور التي يجدها في نفسه، كما أنه جُبل على محبة بعض الأشياء المنهى عنها وهو مطالب بدفعها والتخلص منها. فهكذا الحسد إذا هجم على نفس الإنسان ينبغي أن يدفع، ويكره، يكره هذا الشيء الذي يهجم على نفسه. قال: «لا حسد إلا في اثنتين». هذا الحسد المحمود... لكن الحسد يطلق على معنى آخر وهو جائز، وهو ما يسمى بالغبطة. ما هي الغبطة؟ الغبطة أن يتمنى مثل النعمة، أن يتمنى مثل النعمة التي أنعم بها على الشخص، من دون تمني زوالها، من دون تمني زوالها. يعني شخص رأى آخر منعمًا عليه بولد، أو بمال، أو بجمال، أو بأخلاق، أو بمنصب، أو بجاه، فهو يتمنى مثل هذه النعمة ولا يتمنى زوالها. هذا يقال له غبطة، هذا يقال له غبطة. فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا غبطة إلا في اثنتين». يعني أن الناس يغبط بعضهم بعضًا في أمور دنيوية وأمور دينية أخروية، فيقول: الغبطة المحمودة هي الغبطة في هذين الأمرين وما كان في معناهما: الغبطة بالعلم، والغبطة بالجود. قال: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل...» آناء النهار. هذا الرجل الأول المغبوط الذي ينبغي أن يغبط، وأن يتمنى أن يكون الإنسان مثله، وأن يسعى في ذلك، وأن ينافس في ذلك. رجل آتاه الله القرآن، آتاه الله القرآن: تعلم القرآن وعلم القرآن. رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل، أي ساعات الليل. أما في الليل فهو يقوم به بالصلاة والتلاوة والتدبر ومحاولة التفاهم المعاني، وأما آناء النهار فهو يعمل بهذا القرآن، يمتثل أوامره ويجتنب نواهيه، ويحكم به، ويقضي ويفتي، ويرجع إليه في جميع أموره. قالوا: «رجل آتاه الله مالًا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار». أيضًا هذا المغبوط الآخر: من آتاه الله مالًا، ثم انظروا إلى كلمة «مالًا» نكرة في سياق: «ورجل آتاه الله مالًا». «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالًا». في الإطلاق: «مالًا» في الإطلاق، يعني يشمل قليل المال وكثير المال. «فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار». هذا الذي يُغبط: الذي ينفقه، أي في طاعة الله سبحانه وتعالى، لا أنه يعني يسرف فيه ويبذر فيه. فهذا الذي يُغبط: رجل آتاه الله مالًا فلم يعش به عيشة البهائم، تعكل العلف وينتهي. لا، عاش بهذا المال لأجل آخرته، لأجل عمارة آخرته، فجعل ينفق في أبواب الخير الكثيرة. وفي الحديث الثاني: «رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق». «سلطه» يدل على أنه قهر نفسه على هلكته. قد يفهم الإنسان «على هلكته» يعني أنه يهلكه كيفما أهلكه، ولو بالتبذير والإسراف المذموم. لكن قال: «على هلكته في الحق»: يبني المساجد، يعين الفقراء، يعين المساكين، يتفقد الأرامل واليتامى، يعين طلاب العلم، ينشر الكتاب، يساهم في أبواب الخير، يعمل الصدقات الجارية، ينافس غيره في ذلك. «فسلطه على هلكته في الحق» يدل على أنه يبذل الأموال الكثيرة، وينهيها ويهلكها وينفقها. قال: «ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها». يعني: حكمة هنا حمل على أنه القرآن أو العلم، فهو يقضي بها ويعلمها. استفاد من هذا العلم، استفاد بهذا القرآن. لا يُغبط الإنسان إذا آتاه الله علمًا غزيرًا ولكن لم يعمل بهذا العلم ولم يستفد من هذا العلم، هذا سيكون حجة عليه، كما قال عليه الصلاة والسلام: «والقرآن حجة لك أو عليك». إذا رأيت شخصًا قد أوتي علمًا غزيرًا لكن لم ينتفع بهذا العلم، فهذا لا يُغبط، هذا لا يُغبط، لأنه على خطر، ولأنه في هلاك، ولأنه مذموم شرعًا. ولكن يُغبط من رزقه الله القرآن، أو رزقه العلم، ثم عمل به وانتفع به واستفاد منه، فهو يقضي بها ويعلمها. انظروا يا إخوان: «ويعلمها». فالعلم يُغبط صاحبه إذا رزق العلم ورزق العمل ونشر هذا العلم، فهذا هو المغبوط. والله سبحانه وتعالى ما أمر الجهال والمسترشدين بالتعلم والطلب الرشد إلا بعدما أمر أهل العلم بتبليغه ونشره. فكما أن الجاهل مطالب بالتعلم، فهكذا أهل العلم مطالبون ببذله وإنفاقه. وهذه ثمرة العلم: أنه يعمل به، ببذله وإنفاقه. والله تبارك وتعالى قد ذم الذين يكتمون العلم، فقال سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ﴾ [البقرة: 159]. وهكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «قال الله عز وجل: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ ﴾ [آل عمران: 187]». ويقول عليه الصلاة والسلام: «بلغوا عني ولو آية». فهكذا ينبغي على طلاب العلم وعلى أهل العلم أن ينشروا هذا العلم، وأن يبثوا هذا العلم. فكثير من شرائع ربنا سبحانه وتعالى الظاهرة والباطنة لا يمكن ظهورها والقيام بها والعمل بها إلا بتعليم أهل العلم وإرشاد أهل العلم ونشر أهل العلم. فهذا فيه قوام الدنيا، وفيه مصلحة الإسلام والمسلمين. وأولى الناس ببذل العلم لهم هم الزوجة والأولاد، لأنهم من أعظم الناس حقًا عليه، وهكذا الأقارب، وهكذا يعني سائر الجيران والأصدقاء. فهكذا ينبغي لطالب القرآن ولطالب العلم عمومًا أن يحرص على أن يبث العلم، وعلى أن ينشر الهدى، وعلى أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويصدع بالحق. وفق الله الجميع. إلى هنا والحمد لله.