شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 32

شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 32

الدرس في شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 32، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني

اختلاف السلف في أوقات الختم وحديث عبد الله بن عمرو

استعرض المقطع اختلاف السلف في مدة ختم القرآن بين من يختم في ركعة ومن يختم في أسبوع، مع نقل آثارهم وتقييم أسانيدها. وبين أن الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو ينهى عن الختم في أقل من ثلاث ليال، ويُحمل النهي على القرآن كاملاً، مع عذر من خالف لعدم بلوغهم الحديث الثابت.

أحكام الختم والمدة المستحبة بين الثلاث والسبع

فصل المقطع في الأحاديث الواردة بتحديد مدة الختم، مبيناً أن النهي عن أقل من ثلاث للتنزيه والاستحباب في سبع ليس للوجوب. ونقل عن النووي أن المدة تختلف باختلاف أحوال الناس وقدرتهم على التدبر، مع مراعاة عدم الملل، والأصل اتباع النص النبوي في السبع والثلاث.

السنة في الختم بالسبع والموازنة بين العبادات والخلاصة

أكد المقطع أن السنة الاقتصار على الختم في سبع وعدم الزيادة، ويجوز النزول إلى ثلاث للضرورة مع كراهة النقص عنها. كما أرشد إلى توزيع الهمة على أبواب الخير المتنوعة اقتداءً بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في الاعتدال. وخلص المتحدث إلى أن المشروع لا يقل عن ثلاث والسنة لا تقل عن سبع وفق أكثر الروايات.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال رحمه الله: وعن الذين ختموا القرآن في ركعة فلا يحصون لكثرتهم. فمن المتقدمين: عثمان، وقد أطال المحقق في بيان حال هذه الآثار، ويقول: إنه ثابت وسند حسن. قال: وتميم الداري، وسنده منقطع. قال: وسعيد بن جبير، وسند حسن. قال: وسعيد بن جبير ختمة في ركعة في الكعبة. قال: وأما الذين ختموا في الأسبوع مرة فكثيرون، نقل عن عثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب رضي الله عنهم. نعم، ارجع إلى تخريج المحقق أثر أبي، سنده منقطع. قال: وعن جماعة من التابعين كعبد الرحمن بن زيد، وعلقمة بن إبراهيم، رحمهم الله. قالوا: الاختيار أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فمن كان يظهر له بدقيق الفكر لطائف ومعارف فليقتصر على قدر يحصل له به كمال فهم ما يقرأه. وكذا من كان مشغولا بنشر العلم أو غيره من مهمات الدين ومصالح المسلمين العامة، فليقتصر على قدر لا يحصل بسببه إخلال بما هو مرصد له. وإن لم يكن من هؤلاء المذكورين فليستكثر ما أمكنه من غير خروج إلى حد الملل والهذرمة. قال رحمه الله: الهذرمة بالذال المعجمة: سرعة الكلام الخفي. قال: وقد كره جماعة من المتقدمين الختم في يوم وليلة، ويدل عليه الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث». رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وغيرهم. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. والله أعلم. نعم، الحديث سنده صحيح. الحديث سنده صحيح. على كل هذه الآثار التي ذكرها المصنف رحمه الله فيها التوقيت في ختم القرآن، وكما مر بنا يعني تفاوت السلف في التوقيت في ختم القرآن، وتعددت واختلفت الروايات عنهم، وذلك باختصار بسبب عدم بلوغ الحديث الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم إليهم. ومعلوم أن الحجة فيما ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومن خالف هذا المرفوع الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم فالتمس له العذر، ومن هذا الأعذار أنه لم يبلغه الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام. فالحاصل أن المثلة مأخوذة من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي كان حاله أنه يصوم في كل يوم ويقرأ القرآن في كل ليلة، والمقصود بالقرآن الذي كان يقرأه في كل ليلة معظم القرآن الذي نزل أنذاك. فمعلوم أن قصة عبد الله بن عمرو بن العاص كانت قبل وفاة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ونزل بعد تلك الحادثة آيات من كتاب الله سبحانه وتعالى. لكن قوله صلى الله عليه وسلم: «اقرأه في شهر، في عشرين، في عشر، في أسبوع، ولا تزد» يحمل على كامل القرآن. وهذا الذي فهمه عبد الله بن عمرو بن العاص، فإنه قال: «ليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم»، ولا شك أنه قال ذلك بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام وقد نزل كامل القرآن. فالأحاديث التي فيها ذكر التعيين للمدة التي يختم فيها، المقصود بها كامل القرآن. ففي أكثر الروايات كما ذكر الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه: «اقرأه في كل سبع، ولا تزد»، يعني لا تنزل إلى ما دون ذلك. أكثر الروايات: «يقرأه في كل سبع، ولا تزد»، زيادة إلى أدنى. و«لا تزد» بمعنى: لا تقرأه في أقل من سبع. ولكن في بعض طرق حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وهذا الذي ذكره المصنف رحمه الله: «لا يفقه القرآن من قرأه في أقل من ثلاث». «لا يقرأ»... «لا يفقه القرآن من قرأه في أقل من ثلاث». ظهر سند الصحة، وإلا كما قال البخاري رحمه الله: إن أكثر الروايات بذكر السبع: «يقرأه في كل سبع، ولا تزد». ولهذا ذهب جماعة من السلف إلى كراهة الختم في أقل من ثلاث. ولا يستفاد من الحديث التحريم، كما أنه لا يستفاد من الأمر الوجوب، ويدل على عدم التحريم وعدم الوجوب ظاهر السياق؛ فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خاف عليه ما يكون في الحال والمآل، فهذه قرينة صارفة للأمر عن الوجوب إلى الاستحباب، وعن النهي إلى غير التحريم. هم يقولون: هذا خلاف الأولى. ويقول النووي رحمه الله: هذا يختلف باختلاف الأشخاص. يعني الذين [السنة] يقرأه في كل سبع ولا تزد، أن هذا خلاف المشروع. «لا يفقه القرآن من قرأه في أقل من ثلاث»، هذا أيضا ظاهره المنع من ختم القرآن في أقل من ثلاث. والنووي رحمه الله يقول: الناس يتفاوتون ويختلفون، فمن كان عنده القدرة على استنباط الأحكام والآداب والاستفادة من هذه الآيات القرآنية فليقلل من القراءة ليستطيع في كل قراءة أن يستنبط حكما أو أن يستفيد فائدة من كل آية. قالوا: كذلك من كان مشغولا بنشر العلم أو بمهمات الدين أو بمصالح من مصالح المسلمين، فأيضا ليقتصر على قدر لا يخل بهذه المهمة التي يقوم بها، سواء كان بنشر العلم أو القيام بشيء من مهمات الدين أو السعي في مصلحة من مصالح المسلمين. قالوا: من لم يكن كذلك فليستكثر ما أمكنه من غير خروج إلى حد الملل والهذرمة. «من غير خروج إلى حد الملل والهذرمة، ما أمكنه» ظاهره أنه ليقرأه حتى في كل يوم مرة أو مرتين، لكن هذا خلاف النص. هذا خلاف النص. فليست العبرة أنه يستكثر ما لم يخرج إلى حد الملل والهذرمة، بل هنا حديث صحيح ثابت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في النهي: «يقرأه في كل سبع، ولا تزد»، «لا يفقه القرآن من قرأه في أقل من ثلاث». فإذن السنة أنه يقتصر على السبع، ولا بأس بالقراءة دون السبع إلى ثلاث، ولا ينقص عن الثلاث إلا إذا عرضت مصلحة، مثلا: كأن يجد فرصة للعرض على متقن ومجود، فيريد أن يقرأ القرآن في هذه الفرصة، في هذا السفر، في ذلكم الوقت الذي يجد فيه فراغا، فلا بأس. لكن لا يجعل ذلك ديدنا له. فمن تفرغ للخير والعبادة فليقتصر على الثابت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم. وعائشة رضي الله عنها هي القائلة كما في مسلم: «ولا أعلم النبي صلى الله عليه وسلم قرأ القرآن في ليلة». «لا أعلم النبي صلى الله عليه وسلم قرأ القرآن في ليلة». وهكذا عبد الله بن مسعود يقول: لا يقرأ في أقل من ثلاث. «من قرأ في أقل من ثلاث فهو راجز». «من قرأ في أقل من ثلاث فهو راجز». من الرجز وهو خفيف الشعر، فهو راجز، يعني: كأنه شبهه بذلك الذي يقرأ الرجز، لا شك أنه خفيف على الإنسان أكثر من خفة القصيد على الألسن. فهكذا من قرأ القرآن في أقل من ثلاث، يقول ابن مسعود، وثبت عنه كما رواه عبد الرزاق والطبراني وغيرهما وسنده صحيح: «من قرأ في أقل من ثلاث فهو راجز»، كأنه يقرأ خفيف الشعر، خفيف الشعر، وهذا مما لا ينبغي. فهكذا الأصل أنه لا ينقص عن ثلاثة أيام، وكما تقدم في قول الإمام البخاري رحمه الله: أن أكثر الروايات «لا يقرأه في كل سبع، ولا تزد»، لأن مخرج الحديث واحد هو حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، واختلفت الروايات جدا، لكن أكثر الروايات على ذكر السبع. وكثير من أهل العلم يصححون حديث الثلاث. فمن اقتصر على السبع فهذا الأولى، لأنه قال له: «يقرأه في كل سبع، ولا تزد». وأبواب الخير كثيرة، أبواب الخير كثيرة، ليست مقصورة فقط على تلاوة القرآن، فهناك نوافل الصلاة، وهناك نوافل الصوم، وهناك نوافل الأذكار، وهناك نوافل طلب العلم، وهناك نوافل أخرى يقوم بها ووظائف أخرى يعملها. فالنبي صلى الله عليه وسلم الذي بعث رحمة للعالمين أرشد عبد الله بن عمرو بن العاص صاحب الهمة العالية في العبادة إلى ما يقدر على المداومة عليه. قال: «صم من كل شهر ثلاثة أيام»، وقال له: «اقرأ القرآن في كل شهر». فهكذا ابتدأ النبي صلى الله عليه وسلم في تعليم هذا الصحابي، فلما طلب الزيادة وصل معه إلى أن يصوم يوما ويفطر يوما، وإلى أن يقرأ القرآن في كل سبع، ولا يزد على ذلك. فهكذا الإنسان إذا انشغل بعبادة قد يكون على حساب وظائف وعبادات أخرى. ولهذا لما قيل لابن مسعود: «إنا لنراك تقل من الصيام»، «إنا لنراك تقل من الصيام»، قال: «إنه يضعفني عن القراءة، والقراءة أحب إلي». فهكذا كان السلف يوزعون أوقاتهم على أعمال صالحة جليلة متعددة. فهذا هو الحاصل: أن المشروع ألا يقل على ثلاث، ومن السنة ألا يقل على سبع، فهذه أكثر الروايات. وفق الله الجميع. إلى هنا. وفق الله الجميع إلى هنا. ترجمة نانسي قنقر