الدرس في شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 49، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
تعد القراءة من المصحف أفضل عند كثير من العلماء لجمعها بين القراءة والنظر مما يعين على التدبر. وتفضل القراءة عن ظهر قلب لمن يزيد خشوعه بذلك مع التأني والتفكر في آيات الله.
يعين النظر في المصحف على السلامة من النسيان وإتقان القراءة لكن الأجر يشترط فيه تحريك اللسان. ويعد مجرد النظر بنية التدبر عبادة للعلماء مع استحباب قراءة الجماعة مجتمعين.
تثبت الأحاديث الصحيحة فضائل اجتماع القوم على تلاوة القرآن كحضور الملائكة ونزول السكينة. وتشرع القراءة فرادى وجماعات مستدلاً بالآية وسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
يوضح أثر جندب أن الصحابة تعلموا الإيمان ثم القرآن فازدادوا إيماناً. ويستدل بذلك على مشروعية الاجتماع لتلاوة القرآن وتعلمه مع الإشارة لمسائل قادمة.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي عليه رحمة الله، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرع العدني رحمه الله تعالى. الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فيقول المصنف رحمه الله: فصل. قال: قراءة القرآن من المصحف أفضل من القراءة عن ظهر قلب؛ لأن النظر في المصحف عبادة مطلوبة، فتجتمع القراءة والنظر.كذا قاله القاضي حسين من أصحابنا، والإمام أبو حامد الغزالي، وجماعات من السلف. ونقل الغزالي في الإحياء أن كثيرين من الصحابة رضي الله عنهم كانوا يقرؤون من المصحف، ويكرهون أن يخرج يوم ولم ينظروا في المصحف. قال: ورواه ابن أبي داود: القراءة في المصحف عن كثيرين من السلف، ولم أر فيه خلافًا. ولو قيل إنه يختلف باختلاف الأشخاص، فتُختار القراءة في المصحف لمن يستوي خشوعه وتدبره في حالتي القراءة من المصحف وعن ظهر قلب، وتُختار القراءة عن ظهر قلب لمن يكمل بذلك خشوعه وتدبره، ويزيد على خشوعه وتدبره لو قرأ من المصحف، فكان هذا قولًا حسنًا. والظاهر أن كلام السلف وفعله محمول على هذا التفصيل. نعم، القراءة من المصحف: فضل القراءة من المصحف رويت فيه أحاديث مرفوعة، ولكنها لم تصح. فضل القراءة من المصحف رويت فيه أحاديث مرفوعة، ولكنها كلها لم تصح، فهي ما بين موضوع وضعيف. وهناك بعض الآثار عن بعض السلف، منها أثر ابن مسعود: «أديموا النظر في المصاحف»، رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة، وهو في الفضائل وغيرهم، وسنده حسن. وهكذا قال يونس بن عبيد: «كان خلق الأولين النظر في المصاحف»، رواه ابن أبي شيبة، وهو صحيح. ولكن يحمل هذا على النظر لأجل التدبر والتفكر. أثر ابن مسعود: «أديموا النظر في المصاحف»، لعله لأجل الاستنباط وزيادة التفكر وزيادة الانتفاع، بخلاف الذي يقرأ عن ظهر قلب؛ فإنه الغالب يسرد القراءة سردًا، بخلاف الذي ينظر ويتأنى ويتأمل ويتفكر، فيكون النظر في المصحف من أعظم العون له على التدبر والتفكر الذي أمر الله عز وجل به: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾، ﴿كِتَابًا أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكًا لِيَتَدَبَّرُوا آيَاتِهِ﴾. ثم أيضًا في النظر في المصحف فائدة، وهي: السلامة من النسيان، السلامة من النسيان. هذا في الجملة: ليس هناك حديث دال على فضل القراءة من المصحف؛ لأن الأحاديث المرفوعة لم تصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. والمطلوب هو التعقل والتفهم والتدبر والتمعن والاستفادة والانتفاع. فكما يقول العلامة النووي رحمه الله: إذا كان الذي هو أقرب إلى حصول الخشوع والتدبر هو القراءة من المصحف، كان هذا أفضل، وإذا كان العكس كانت القراءة عن ظهر قلب أفضل. لكن لو استوى الأمران، يحصل له الخشوع والتدبر بكلا الأمرين، فهل يكون النظر في المصحف أفضل؟ فكما تقدم: لم يثبت شيء في فضيلة ذلك. وأما أثر ابن مسعود فيحمل على طلب التدبر والتفكر وإتقان القراءة؛ أنه ينظر إلى الكلمات وينظر إلى أحرفها، فيقوى حفظه وتصح قراءته أكثر. والمطلوب هو كما تقدم: الانتفاع وحصول الخشوع والتدبر. فمجرد النظر بدون تحريك اللسان: هذا لو كان يفعله لأجل التدبر والتفكر كان حسنًا. مجرد النظر بدون تحريك اللسان، هذا إذا كان يفعله على سبيل التدبر والتفكر والاستنباط على الأحكام والآداب، وهذا يكون للعلماء أو للذين عندهم قدرة وكفاءة على الاستفادة من هذا النظر والتمعن، فهذا حسن. لكن هذا بمجرده لا يعتبر قراءة، ولا يعتبر صاحبه قارئًا، ولا يؤجر أجر القارئ، لكن يؤجر أجر المتدبر والمتمعن. فمن الخطأ أن يقتصر الإنسان فقط على مجرد النظر بدون تحريك اللسان، وهو ما عنده رغبة في الاستنباط، وليست عنده كفاءة وقدرة على التدبر والتفاهم، كما يفعل البعض: ينظر نظرًا في المصحف ويقلب الأوراق، ويكون عاميًا، يحسب أن يكون قارئًا فقط. هذا لا يعتبر قارئًا، ولا يؤجر أجر القارئ؛ لأن القراءة لا تكون إلا بتحريك اللسان. القراءة لا تكون إلا بتحريك اللسان. ثم قال رحمه الله: فصل في استحباب قراءة الجماعة مجتمعين، وفضل القارئين من الجماعة والسامعين، وبيان فضيلة من جمعهم عليها وحرضهم وندبهم إليها. قال رحمه الله: اعلم أن قراءة الجماعة مجتمعين مستحبة، مستحبة بالدلائل الظاهرة وأفعال السلف والخلف المتظاهرة. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما أنه قال: «ما من قوم يذكرون الله إلا حفت بهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده». قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وهو أيضًا في مسلم. وقالوا عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله تعالى ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده». رواه مسلم وأبو داود بسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم. وقالوا عن معاوية رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه، فقال: «ما أجلسكم؟» فقالوا: جلسنا نذكر الله تعالى ونحمده على ما هدانا للإسلام ومن علينا به. فقال: «آتاني جبريل عليه السلام فأخبرني أن الله تعالى يباهي بكم الملائكة». رواه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حديث حسن، وهو أيضًا في مسلم. قال: والأحاديث في هذا كثيرة. وروى الدارمي بإسناد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «من استمع إلى آية من كتاب الله تعالى كانت له نورًا». وروى ابن أبي داود أن أبا الدرداء رضي الله عنه كان يدرس القرآن معه نفر يقرؤون جميعًا. وعذان الأثران ضعيفان. وروى ابن أبي داود فعل الدراسة مجتمعين عن جماعات من أفاضل السلف، وخلف قضاة المتقدمين. الحاصل أن القراءة مشروعة فرادة ومجتمعين، والأدل ما ذكره المصنف رحمه الله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. وقوله: «مجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم»، ففيه دلالة واضحة وظاهرة على مشروعية الاجتماع على تعلم كتاب الله والتفقه فيه وتلاوته وقراءته. وكذلك جبريل عليه السلام كان يعرض القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم، ويدارسه إياه. وكذلك كان عليه الصلاة والسلام يجلس بين أصحابه يعلمهم القرآن ويعلمونهم أحكامه، كما في آثار عن الصحابة: أثر جندب، وأثر ابن مسعود. أثر ابن مسعود: «كنا لا نتجاوز عشر آيات من فم رسول الله حتى نتعلم معناه والعمل بها». وأثر جندب: «كنا فتيانًا حدثاء عند النبي صلى الله عليه وسلم، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا بعده القرآن فازددنا به إيمانًا». فهذه الأدلة فيها دلالة على مشروعية الاجتماع لتلاوة القرآن وتعلمه. وتأتي بعض المسائل إن شاء الله في الدرس القادم. إلى هنا والحمد لله.