الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 758

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 758

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 758، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

فضل ليلة القدر وتحريها في ليلة سبع وعشرين

يوضح المقطع حديث ابن عمر عن تحري ليلة القدر في ليلة سبع وعشرين، ويبين عظيم أجرها حيث هي خير من ألف شهر. كما يذكر أنها ميزة اختص الله بها هذه الأمة دون سواها فضلاً منه سبحانه وتعالى.

سبب إخفاء ليلة القدر وأوقات تحريها المشروعة

أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بليلة القدر ثم رفعت بسبب تلاحي رجلين، وأمر بتحريها في العشر الأواخر من رمضان وتحديداً في الليالي الوترية. أخفاها الله رحمة بالأمة لئلا يقتصروا على ليلة واحدة فيفتروا فيما سواها، والراجح أنها تتنقل في العشر ولا تختص بليلة سبع وعشرين فقط.

تحري ليلة القدر في العشر الأواخر والاعتكاف النبوي

توضح الرواية أن ليلة القدر قد تكون في الليالي الوترية أو الشفعية من العشر الأواخر حسب كون الشهر 29 أو 30 يوماً، لذا ينبغي تحريها في العشر كلها. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأخيرة رجاء إدراكها، وثبت أنها كانت في ليلة إحدى وعشرين.

الراجح في توقيت ليلة القدر عند جمهور العلماء

الصحيح عند جمهور العلماء أن ليلة القدر هي ليلة سبع وعشرين، ويُطلب تحريها في العشر الأواخر والليالي الوترية والسبع الأول. قال بذلك الشافعي وأحمد ومالك وأبو حنيفة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، أما بعد. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى: قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا يزيد بن هارون، وهو أبو خالد الواسطي الحافظ، قال: أخبرنا شعبة، وابن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث، عن عبد الله بن دينار، وهو مولى عبد الله بن عمر، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من كان متحريها فليتحرها ليلة سبع وعشرين». وقال: «تحروها ليلة سبع وعشرين»، يعني ليلة القدر. هذا حديث صحيح، رجاله رجال الصحيح. فهذا الحديث في فضل ليلة القدر، في تحريها. ومعلوم أن ليلة القدر ليلة عظيمة، جعلها الله عز وجل لهذه الأمة تكرمة لها ولنبيها عليه الصلاة والسلام، وفضل من الله سبحانه وتعالى أعطاه هذه الأمة، أنه جعل لها هذه الليلة أجرها بأجر عمر كامل. ليلة القدر خير من ألف شهر، فألف شهر قرابة أربع وثمانين أو ثلاث وثمانين سنة، وهذه أكثر منها وأفضل منها. فهذا يدل على عظيم أجر هذه الليلة، وأن هذه الليلة أعطاها الله عز وجل لهذه الأمة، لم تذكر أنها في الأمم السابقة. وهذا أيضا مما جاء في حديث ابن عمر: أن الله عز وجل أعطى هذه الأمة أعظم من أجور تلك الأمم. عملت اليهود من الصباح إلى الظهر على قيراط قيراط، وعملت النصارى من الظهر إلى العصر على قيراطين قيراطين، وعملت هذه الأمة من العصر إلى المغرب، على قيراطين قيراطين. فاحتجت اليهود والنصارى، فقالوا: عملنا كثيرا وأجرنا قليلا. فقال: «هل ظلمتكم في حقكم من شيء؟» أو قال: «هل أنقصتكم من حقكم من شيء؟» فقالوا: لا. قال: «فذلك فضلي أوتيه من أشاء». أنا ما أقصيتكم حقكم، أعطيتكم حقكم وافياً. فلهذا قال: «ذلك فضلي أوتيه من أشاء». ومن ذلك ليلة القدر التي أعطاها الله عز وجل لهذه الأمة، فلهذا فهي ليلة عظيمة. وقد كان أخبر بها نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم رفعت كما جاء في الصحيحين: «فتلاحى رجلان، كنت أريد أن أخبركم بليلة القدر فتلاحى رجلان، فرفعت، فالتمسوها في العشر الأواخر». كأن جعل الله عز وجل هذا من فضله سبحانه وتعالى على هذه الأمة، أنه أخفى عليهم هذه الليلة، لم يجعلها ليلة معلومة؛ لأنها لو كانت ليلة معلومة لتنافس الناس بهذه الليلة فقط، ثم بعد ذلك يفترون في الليالي الأخرى، يصيبهم الفتور، وقد يكون هذا الفتور إلى ما هو محرم وما هو بعد عن الله، فيذهب بذلك الأجر. لكن جعلها في أكثر من عشرة أيام، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «تحروها في العشر الأواخر من رمضان»، وقال أيضا: «تحروها في السبع»، وقال عليه الصلاة والسلام: «من كان متحريها فليتحرها، فليتحرها ليلة سبع وعشرين». ولهذا أكثر العلماء يقولون: أن أرجى لياليها هي ليلة سبع وعشرين. وهناك من يجزم من الصحابة أنها سبع وعشرين، كأبي بن كعب وغيره. والظاهر أنهم جزموا على ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم بتحري تلك الليلة، والتحري لا يدل على أنها هي. فلهذا فالصحيح الذي قاله أكثر العلماء: أن ليلة القدر ليست في ليلة معلومة، وأنها تتحول، وأنها تتحرى في العشر، فهي لا تخطئ العشر، وتتحرى في العشر في أوتارها وشفعها؛ لأن الشفع قد يكون وطراً، قد يكون وطراً. ولهذا قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم تحروها في تسع بقيت، وفي سبع بقيت، وفي خمس بقيت، وفي ثلاث بقيت. في تسع بقيت: أي من رمضان. ومعنى في تسع بقيت: أي أنها تكون الوتر في ليلة اثنتين وعشرين، وطرها سيكون... أنا إذا كان قلنا في تسع: أي تبدأ ليلة اثنين وعشرين. وإذا قلنا في سبع بقيت: أي أنها في أربع وعشرين، أنا في ليلة أربع وعشرين. وإذا قلنا في خمس بقيت: أي في ليلة ست وعشرين. وفي ثلاث بقيت: أي في ليلة ثمان وعشرين، وليلة تسع وعشرين، وليلة ثلاثين. هذا إذا خرج الشهر ثلاثين، فإذا خرج الشهر ثلاثين يوماً صارت الشفع وطراً، وصارت الشفع وطراً والوتر شفعاً. فلهذا من هذا العلم، فإنه ينبغي للمسلم أن يتحراها في العشر كلها، ليست في أوتارها فقط، وإنما في العشر كلها؛ لأن الأوتار تتحول إلى شفع، والشفع يتحول إلى وتر، بحسب خروج الشهر. فلهذا يحتاج الإنسان... وهذا قد ذكره جماعة من أهل العلم، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: على أنها قد تكون في الأشفاع إذا خرج الشهر ثلاثين، وإذا خرج التسعة وعشرين فهي في أوتارها. فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تحروها في العشر الأواخر من رمضان»، وقال: «أرى رؤياكم قد تواطأت على العشر»، وجاء في رواية: «أرى رؤياكم تواطأت على السبع الأخيرة من رمضان». فهي آكد، معنى آكد: في ليلة سبع وعشرين، هذا أرجى لياليها. وهي أيضا آكد في سبع بقية، في السبع الأخير من رمضان. وهي أيضا تكون في العشر الأواخر من رمضان في أوتارها، قد تكون في شفعها. فهذا كله يدل على أن الإنسان يتحرى العشر الأواخر كلها حتى يدرك تلك الليلة، كما كان يفعل النبي عليه الصلاة والسلام: يعتكف العشر الأخيرة من رمضان، رجاء ليلة القدر، رجاء ليلة القدر. فمعنى ذلك أن التحري يكون في هذه العشر. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر أنها في رمضان، كان يتحراها في أوله، ثم أنه أخبر أنها في رمضان فتحرى وسطه، حتى إذا كانت في صبيحة العشرين، أو قبل ليلة العشرين، أراد أن يخرج النبي صلى الله عليه وسلم من الاعتكاف، فأخبر أنها في العشر الأواخر، فاعتكف تلك العشر، وكانت في ليلة إحدى وعشرين كما جاء في حديث أبي سعيد في الصحيحين. فلهذا فالصحيح أنها هكذا، كما قال أكثر العلماء، وهو قول الشافعي وأحمد ومالك وأبي حنيفة: إلا أن أرجى لياليها سبع وعشرين، وكذلك تلتمس في السبع، وتلتمس في الأوتار، وتلتمس في العشر الأواخر. هذا خلاصة ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم. شكرا للمشاهدة.