الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 182، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يقرر الشيخ حافظ حكمي أن الطاعات شعب إيمان والمعاصي شعب كفر مستنداً إلى ابن تيمية وابن القيم، مع التنبيه إلى أن إطلاق "المعاصي شعب كفر" لا يجيز تكفير مرتكب معصية معينة إلا بدليل خاص. وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم بعض المعاصي كفراً كقتال المسلم والنياحة والطعن في النسب.
يبين المقطع نوعي الكفر: الكفر الأكبر المخرج من الملة بالكلية ويكون بالاعتقاد أو القول أو الفعل أو الشك، والكفر الأصغر المنافي لكمال الإيمان الواجب دون أصله. ويوضح الفرق بين "مطلق الإيمان" الذي هو أصل الإيمان المانع من الخروج من الإسلام، و"الإيمان المطلق" الذي هو كمال الإيمان.
يوضح المقطع أن الكفر الأصغر لا ينافي أصل الإيمان بل كماله ويسمى الكفر العملي لعدم مناقضته لقول القلب وعمله. ويبين الفروق بين الكفر الأكبر والأصغر من حيث الخروج من الملة والخلود في النار، مع ذكر الخلاف في مغفرة الشرك الأصغر بين الجمهور القائلين بالمغفرة وشيخ الإسلام القائل بعدمها.
يختتم المتحدث الحديث عن الفروق التي ذكرها أهل العلم بين الكفر الأكبر والكفر الأصغر العملي، مشيراً إلى أن المؤلف قد يفصل هذه الفروق في أسئلة لاحقة. ثم ينهي الدرس بالحمد لله.
الحمد لله محمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: قال الشيخ العلامة حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "معالم السنة" المنشورة في سؤال الحادي والستون بعد المئة، وفي كلامه على ما يضاد الإيمان وهو الكفر: قال رحمه الله: "فالطاعات كلها من شعب الإيمان، وقد سُمِّيَ في النصوص كثير منها إيمانا كما قدمنا، ويشير إلى حديث أبي هريرة المتقدم: «الإيمان بضع وستون شعبة أو سبعون شعبة، فأعلاها قول لا إله إلا الله» هذه تسمية لهذه الشعبة، «وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» هذه أيضا تسمية لشعبة من شعب الإيمان، وقال: «والحياء شعبة من الإيمان» هذه أيضا تسمية لشعبة من شعب الإيمان". قال: "والمعاصي كلها من شعب الكفر". وهذه القاعدة، وهو قول بعض أهل السنة أن المعاصي كلها من شعب الكفر، قد قال بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وكذلك تلميذه ابن القيم، واستدلوا بقول الله عز وجل: ﴿ يَبْلُونِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ﴾ [النمل: 40]، فقالوا: المراد بالكفر هنا المعصية، المراد بالكفر هنا المعصية، أي فيما يقابل الشكر. ولكن ينبغي أن ينبه على أمر: إذا قلت "المعاصي كلها من شعب الكفر"، لا بد أن تتنبه إلى مسألة مهمة، وهي أن قولك كذلك لا يعني أنك تسمي معصية معينة بأنها كفر، يعني لا تحدد معصية بعينها بأنها كفر إلا ما دل الدليل عليها، ما دل الدليل عليها. لماذا؟ لماذا قال بعض أهل العلم ذلك؟ قالوا: حتى يكون ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم له ميزة على غيره. فالنبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتي من كلام المؤلف قد سمى بعض المعاصي كفرا، قد سمى بعض المعاصي كفرا. ففي مسألة التعيين والتحديد نتقيد بما وردت به الأدلة، لكن على سبيل العموم لا بأس أن يقال: "المعاصي كلها من شعب الكفر" على وجه العموم، لكن على وجه التخصيص والتعيين فيتقيد بما دل عليه الدليل. قال: "وقد سُمِّيَ في النصوص كثير منها كفرا كما سيأتي". فقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم قتال المؤمن لأخيه المؤمن كفرا، كما قال: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض». كذلك سمى عليه الصلاة والسلام سباب أو قتال المسلم كفرا أيضا في قوله: «قتال المسلم كفر، أو سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر». وقتاله كفر. وهكذا سمى النياحة على الميت، وهكذا الطعن في النسب كفرا: «ثنتان في الناس هما بهما كفر: النياحة على الميت، والطعن في النسب». وكل هذا المراد به المعاصي، المراد به المعاصي. فقد يطلق أهل السنة على المعاصي في الجملة بأنها من شعب الكفر. قال: "فإذا عرفت هذا عرفت أن الكفر كفران: كفر أكبر يخرج من الإيمان بالكلية، وهو الكفر الاعتقادي المنافي لقول القلب وعمله أو لأحدهما". وقوله هنا: "هو الكفر الاعتقادي" يعني الكفر الأكبر. الكفر الاعتقادي لا ينحصر الكفر في الاعتقاد، لا ينحصر الكفر في الاعتقاد، قد يكون الكفر في القول، وقد يكون في الفعل، وقد يكون في الشك ونحو ذلك. فمن سبّ الدين أو الملة أو الرسول أو نحو ذلك فهذا كفر وهو قول، وهو قول. وهكذا من استهزأ بشيء من الدين فهذا كفر وهو قول، ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ [التوبة: 65-66]. وليس مراد المؤلف حصر الكفر في الاعتقاد، وإنما الاعتقاد هو أعظم أنواع الكفر الأكبر المخرج من الملة. ومما يدل على أن المؤلف لا يقصد حصر الكفر في الاعتقاد ما سيأتي في الأسئلة القادمة من ذكر بعض أعمال الكفر وأقوال الكفر التي هي غير الاعتقاد، التي هي غير الاعتقاد. وقوله: "المنافي لقول القلب وعمله"، تقدم معنا أن قول القلب هو التصديق والإيقان، وأن عمله عمل القلب هو الإخلاص والصدق والخوف والرجاء ونحو ذلك من عبادات القلب. قال: "وكفر أصغر ينافي كمال الإيمان، كمال الإيمان الواجب". لأنه تقدم معنا أن الإيمان قد يكون هناك... قد تكون هناك أعمال هذه الأعمال من كمال الإيمان المستحب، وقد تكون من كمال الإيمان الواجب. فقوله: "وكفر أصغر ينافي كمال الإيمان" أي كمال الإيمان الواجب، لأن الكفر الأصغر لا يكون في المستحبات وإنما يكون في الواجبات، يكون في الواجبات، كما أتى في بعض الأدلة المتقدمة والأمثلة على شعب الإيمان وأنها كفر، فالمراد به الكفر الأصغر وهو ينافي كمال الإيمان الواجب. قال: "ولا ينافي مطلقه". ومعنى مطلق الإيمان أي أصل الإيمان. هذا الكفر الأصغر لا ينافي أصل الإيمان، بمعنى لا يخرج صاحبه من الملة، لا يخرج صاحبه من الإسلام. فهذا يسميه العلماء "مطلق الإيمان". وهناك "الإيمان المطلق"، المراد بالإيمان المطلق أي الكامل هو كمال الإيمان، كمال الإيمان، ليس أصل الإيمان. وهناك فرق بين اللفظين: فإذا قيل "مطلق الإيمان" فالمراد به أصل الإيمان، يعني ما يخرج به الإنسان من الدين، من الإسلام. وأما "الإيمان المطلق" فالمراد به كمال الإيمان، كمال الإيمان. نعم. وفهو يعني الكفر الأصغر ينافي كمال الإيمان، أي "مطلق الإيمان"، أي "الإيمان المطلق"، أي "الإيمان المطلق"، ولا ينافي مطلقه، أي لا ينافي "مطلق الإيمان" وهو أصله. وهذا أمر معلوم، فقد يجتمع في المسلم إيمان وكفر أصغر، نعم. لكن لا يجتمع في المسلم كفر أكبر وإيمان، فهما نقيضان كما تقدم معنا في درس أمس في ذكر بعض القواعد التي تبين وتجلي لطالب العلم هذه المعاني واضحة جلية. قال: "وهو الكفر العملي"، أي الكفر الأصغر، يسميه العلماء كذلك "الكفر العملي" لأنه متعلق بالأعمال. قال: "الذي لا ينافي قول القلب ولا عمله"، يعني لا ينافي قول القلب، يعني لا ينافي الاعتقاد، اعتقاد القلب وإيمان القلب وتصديق القلب، هذا هو قول القلب كما تقدم. ولا عمله كذلك، لا ينافي الإخلاص والنية والخوف والرجاء والرغبة والرهبة ونحو ذلك. قال: "ولا يستلزم ذلك". وقال: "الذي لا يناقض قول القلب ولا عمله ولا يستلزم ذلك"، يعني ما يستلزم أن هذا الكفر العملي ينقض قول القلب أو عمل القلب، فهو لا يناقض ذلك، فهو لا يناقض ذلك. هذا معنى كلام المؤلف رحمه الله تعالى. وهناك فروق بين الكفر الأكبر والكفر الأصغر: فالكفر الأكبر يخرج صاحبه من الملة، وأما الكفر الأصغر فلا يخرج صاحبه من الملة. والكفر الأكبر صاحبه خالد مخلد في النار، وأما الكفر الأصغر فلا يخلد صاحبه في النار. وهناك مسألة اختلفوا فيها أيضا: وهي أن الشرك الأكبر والشرك الأصغر، هل من الفروق بينهما أن الشرك الأكبر لا يغفره الله والشرك الأصغر يغفره الله؟ هذه مسألة خلافية، فجمهور أهل العلم يرون أن الشرك الأصغر يغفر، وخالف في ذلك شيخ الإسلام وبعض أهل العلم فأدخلوه في عموم الآية: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾ [النساء: 48، 116]، فقالوا: "أن" وما دخلت عليه في تأويل مصدر وهو نكرة، جاء في سياق النفي فيفيد العموم، والتقدير: إن الله لا يغفر إشراكا به، فـ "إشراكا" هنا نكرة جاء في سياق النفي فعمموا الحكم، واللفظ بأنه يشمل الشرك الأكبر والشرك الأصغر. وأما بالنسبة للكفر: فإذا كان المراد بالكفر الأصغر بعض المعاصي فهذا لا شك أنها تغفر لعموم الآية: ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ [النساء: 48]. فإذا كان هذا الكفر العملي بعض المعاصي التي ذكرت في بعض الأحاديث كقتال المسلم لأخيه المسلم، أو النياحة، أو كذلك الطعن في الأنساب، أو نحو ذلك، فهذا لا شك أنها تغفر لأنها من جملة المعاصي، لأنها من جملة المعاصي. فهذه من الفروق التي ذكرها أهل العلم بين الكفر الأكبر والكفر الأصغر الذي هو الكفر العملي. ولعل المؤلف كذلك سيبين في بعض الأسئلة تفصيل هذه الفروق، والله تعالى أعلم. طيب، نكتفي اليوم بهذا، وإلى هنا والحمد لله.