الدرس في التعليق على الشمائل المحمدية للإمام الترمذي 17، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يواصل الدرس شرح باب لباس النبي صلى الله عليه وسلم من الشمائل الترمذية، مبيناً أصل الإباحة في اللباس بشرط اجتناب الإسراف والمخيلة مستدلاً بأحاديث ابن عمر وابن عباس. ثم يورد حديث أم سلمة رضي الله عنها أن أحب الثياب إلى النبي صلى الله عليه وسلم كان القميص، ويذكر أسباب تفضيله من حيث الستر التام، وسهولة اللبس والخلع، والراحة في الحركة.
يبيّن المقطع ثبوت حديث أم سلمة في محبة النبي صلى الله عليه وسلم للقميص عبر طرق صحيحة، ويناقش حديث أسماء بنت يزيد في طول كم القميص إلى الرسغ موضحاً ضعف إسناده لكن وجود شواهد تقويه. كما يوضح المعنى اللغوي للرسغ والكم في سياق الحديث.
يشرح المقطع مصطلحات تشريحية عربية للكوع والرسغ والبوع والكرسوع في اليد والرجل، ويبين أن كم قميص النبي صلى الله عليه وسلم كان إلى الرسغ لا إلى الأصابع. ثم يروي حديث قرة بن إياس في مبايعته النبي صلى الله عليه وسلم ولمسه خاتم النبوة من خلال جيب القميص غير المزرور، مع توضيح أن فتح الأزرار ليس سنة مطلقة بل يجوز للحاجة.
أشار الشيخ إلى أن وضع الأزرار في فعل النبي ﷺ قد يكون لحاجة معينة، ثم اختتم الدرس موضحاً أن بقية أحاديث الباب ستُكمل في الدرس القادم. دعا بالتوفيق والصلاة على النبي ﷺ ختاماً للجلسة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فمر معنا في الدرس الماضي ضمن أبواب شمائل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم للإمام الحافظ أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي رحمه الله تعالى، الكلام حول باب، ألا وهو: باب ما جاء في لباس رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقلنا: أراد رحمه الله تعالى بإرادته لهذه الترجمة وعقده لهذا الباب أن يبين ما يتعلق بلباس النبي صلى الله عليه وسلم من حيث صفة ذلكم اللباس، وهكذا أنواع هذه الألبسة، وهكذا أيضا ما هي الألوان التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يلبسها، وغير ذلك. وقلنا: إن اللباس نعمة من نعم المولى تبارك وتعالى التي أنعم بها على بني آدم: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَ لِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾. والأصل في هذه الألبسة هو الإباحة، أي أنه لا ينهى عن لباس ولا يمنع من لباس إلا إذا جاء الدليل الذي يدل على النهي عنه، على أن يُنهى عنه. ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾. ومر معنا في حديث عبد الله بن عمر بن العاص عند البخاري معلقا، وجاء موصولا عند أحمد والنسائي وابن ماجه وغيرهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة». لا تسرف، وهكذا لا تلبس شيئا أو تفعل شيئا على وجه المخيلة، يعني على وجه التفاخر والتكبر. وأورد البخاري معلقا عن ابن عباس، قال ابن عباس: «كل ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك إثنتان»، أي إذا لم تقع في اثنتين: «إسراف أو مخيلة، إسراف أو مخيلة». قال رحمه الله تعالى: قال حدثنا محمد بن حميد الرازي، مر معنا أنه متكلم فيه. قال حدثنا الفضل بن موسى، وأبو تميلة، وزيد بن حباب، عن عبد المؤمن بن خالد، عن عبد الله بن بريدة، عن أم سلمة، قالت: كان أحب الثياب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم القميص. أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، إحدى أمهات المؤمنين. ما اسمها؟ ما اسمه أم سلمة؟ ما اسمه أم سلمة يا أبا إبراهيم؟ أم سلمة أمنا. ها تلك أم حبيبة رملة هند. أحسنت. أم سلمة هي هند بنت أبي أمية المخزومية، بنت أبي أمية المخزومية. قالت: كان أحب الثياب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم القميص. والقميص هو اسم لما يلبس من المخيط، لما يلبس من المخيط، له كمّان وجيب، ويحيط بالبدن. له كمّان، هذا كم وهذا كم آخر، وله جيب. أين الجيب؟ أين الجيب يا عبد الرحمن؟ ﴿وَادْخُلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾. آية أخرى، آية أخرى. فأحب الثياب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هو القميص. قال بعض العلماء: قال بعض العلماء: إنما كان القميص أحب الثياب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: لأنه أمكن في الستر، لأنه أمكن في الستر من الإزار والرداء، من الإزار والرداء اللذين يحتاجان كثيرا إلى الربط والإمساك، الذي يلبس معوز، الذي يلبس معوز، أحيانا الخيط أو الحزام، لربما يضعف أو ينفتح، فلربما يسرخي الإزار. بخلاف القميص، فإنه أستر، فإنه أستر. كذا قال الشوكاني اليماني رحمه الله تعالى. وقال غيره: كان القميص أحب الثياب إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأنه سهل في لبسه، وسهل في خلعه، وسهل في خلعه، وهكذا مريح في التحرك به، بخلاف الألبسة الأخرى التي تحتاج عند التحرك فيها إلى أن يتعاهدها صاحبها، كالإزار وغيره، كالإزار وغيره. لهذا كان القميص هو أحب الثياب إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. كان عليه الصلاة والسلام في أكثر أحيانه يلبس القميص. والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما جاء عنه أنه كان يلبس الموجود ولا يتكلف المفقود. كان عليه الصلاة والسلام متواضعا في لبسه عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله: قال حدثنا زياد بن أيوب، زياد بن أيوب، أو قبله قال حدثنا علي بن حجر، قال حدثنا الفضل بن موسى، عن عبد المؤمن بن خالد، عن عبد الله بن بريدة، عن أم سلمة، قالت: كان أحب الثياب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم القميص. قال حدثنا زياد بن أيوب البغدادي، قال حدثنا أبو تميلة، وأبو تميلة هو يحيى بن واضح، وجاء في بعض النسخ المطبوعة من الترمذي: أبو ثميلة بثاء، وهو يعتبر خطأ، والصواب أنه بياء المثناة الفوقية، يعني أبو تميلة. قال: عن عبد المؤمن بن خالد، عن عبد الله بن بريدة، عن أمه، عن أم سلمة، قالت: كان أحب الثياب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسه القميص. والحديث ثابت من طريق عبد الله بن بريدة عن أم سلمة، وهكذا عن عبد الله بن بريدة عن أمه عن أم سلمة. وأما ما جاء في بعض الروايات عن أبيه فهذا لا يصح. قال رحمه الله تعالى: قال: هكذا قال زياد بن أيوب في حديثه عن عبد الله بن بريدة عن أمه عن أم سلمة. وهكذا روى غير واحد عن أبي تميلة مثل رواية زياد بن أيوب. قال: وأبو تميلة يزيد في هذا الحديث عن أمه وهو أصح. إذن صح من رواية عبد الله بن بريدة عن أمه عن أم سلمة، ومن رواية عبد الله بن بريدة عن أم سلمة مباشرة، أنه كان أحب الثياب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هو القميص، هو القميص. ومحمد بن حميد الرازي كما مر معنا ضعيف، لكن الحديث قد تابعه فيه غير واحد، فتابعه زيد بن الحباب، وهكذا عبد المؤمن بن خالد وغيرهم. وقد حسّنه أو صحح الحديث جماعة من أهل العلم، منهم العلامة الألباني رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: قال حدثنا عبد الله بن محمد بن الحجاج، قال حدثنا معاذ بن هشام، قال حدثني أبي، وأبوه هشام بن عبد الله الدستوائي، قال: عن بَدِيل، يعني ابن ميسرة العقيلي، قال: عن شهر بن حوشب. وشهر، أي شهر بن حوشب، هذا سيء الحفظ، قال فيه الحافظ في التقريب: كثير الإرسال والأوهام، كثير الإرسال والأوهام. وهكذا أيضا قبله معاذ بن هشام الدستوائي، ذكروا عنه أنه صدوق ربما وهم، ربما وهم. قال: عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد، وهي أسماء بنت يزيد بن السكن، صحابية جليلة، قالت: كان كم قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرسغ، إلى الرسغ. والرسغ بسين، وهكذا أيضا بصاد، يقال: الرسغ، ويقال: الرسغ، بالسين وبالصاد، وهما لغتان صحيحتان، لغتان صحيحتان. وهذا الحديث، حديث أسماء، حديث أسماء بنت السكن رضي الله تعالى عنها، كما سبق إسناده ضعيف، وقد أخرجه الترمذي وأبو داود، أخرجه الترمذي وأبو داود، وقد ضعفه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في ضعيف الترمذي وضعيف الجامع، وهكذا أيضا كما في مختصر الشمائل له رحمه الله تعالى. إلا أن الحديث له شاهد، هذا الشاهد من حديث أنس رضي الله تعالى عنه، قال: كان قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رصغه، إلى رصغه. وقد رواه البيهقي في الشعب، وهكذا أيضا أبو الشيخ في أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، وقد حسن بعض أهل العلم هذا الحديث بشواهده. وهذا الحديث فيه أن كم قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكل قميص كمّان، كمّان. فما هو الكم؟ ما هو الكم يا أبا طاهر؟ نعم، الكم يعني ما تدخل منه اليد وتخرج، الذي يسر، يسر اليد، فحيث تدخل اليد وتخرج هذا يسمى كُمًّا، هذا يسمى كُمًّا. وجاء في وصف كمي قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه إلى الرسغ. والرسغ هو المفصل الذي يربط بين الكف وبين الساعد، المفصل الذي يربط بين الكف وبين الساعد يسمى رسغًا، يسمى رسغًا، بضم الراء وإسكان السين، وإسكان السين. ولهذا قالوا في تعريف هذه الأعضاء: قالوا: عظم يلي الإبهام كوع، وما يلي خنصره الكرسوع، والرسغ ما وسط، والرسغ ما وسط. وعظم يلي إبهام رجل ملقب بوع، فخذ بالعلم واحذر من الغلط، واحذر من الغلط. وهنا يعني بيان هذه الأعضاء، فهذا المفصل يسمى رسغ، والذي في الجانب، الذي في الجانب هنا، العظم الذي يلي الإبهام، هذا الإبهام، فالعظم الذي يليه يسمى كوع، والذي يقابله في الجانب الآخر وهو يلي الخنصر، هذا يسمى كرسوع، والمفصل يسمى رسغ، والمفصل يسمى رسغ. والكوع يقابله ماذا يا أبا محمد؟ الكوع ماذا يقابله في ألفاظ العرب؟ يقال: فلان لا يدري كوعه من بوعه، لا يدري كوعه من بوعه، هذا مثل مشهور عند العرب يضرب في حق من لا يميز بين الأشياء والأمور الواضحة، الذي لا يميز بين الأشياء، بين الأشياء الواضحة، يقال له: لا يدري ولا يعرف كوعه من بوعه. وحقيقة يا إخوان، أكثر الناس لا يعرفون الكوع من البوع، لا يعرفون الكوع من البوع من حيث موقعها في جسم الإنسان. فهذا الكوع الذي يلي الإبهام، الذي يلي الإبهام من اليد، هذا يسمى كوع، ويقابله في الجانب الآخر كرسوع، والمفصل من الوسط يسمى رسغ. طيب، وعظم يلي إبهام رجل ملقب بوع، أين أين سيكون عظم يلي إبهام رجل؟ أين الأصبع التي هي الإبهام من الرجل يا عبد الرحمن؟ أين الإبهام من أصابع الرجل؟ نعم، هذا الأصبع الكبير، فانظر رأسه مباشرة، آخر الأصبع الذي هو الإبهام، ماذا يكون؟ هو البوع. قال: فخذ بالعلم واحذر من الغلط. إذن الكوع في اليد، والبوع في آخر الأصبع الإبهام من القدم، من القدم. وهنا وصف كم قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إلى الرسغ. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، قال كما في كتابه زاد المعاد: كان كمه صلى الله عليه وسلم إلى الرسغ، إلى الرسغ. فالنبي صلى الله عليه وسلم ما كان يطيل الكم حتى ينزل إلى الأصابع، وما جاء في ذلك فإنه لا يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإنه لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا لم يصح عنه أنه كان يلبس أنصاف الأكمام، يعني ثوب إلى نصف الكم، لا يعني القصير، ما كان، أو لم يثبت عنه أنه كان يلبس ذلك، أنه كان يلبس ذلك. قال رحمه الله تعالى: قال حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث، قال حدثنا أبو نعيم، وهو الفضل بن ذكين، قال حدثنا زهير، وهو ابن معاوية، قال: عن عروة بن عبد الله بن قشير، عن معاوية بن قرة، عن أبيه، وهو قرة بن إياس، صحابي جليل، قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من مزينة لنبايعه. ومزينة قبيلة من قبائل العرب المشهورة. وقوله: في رهط، فرهط الرجل قالوا هم قومه وقبيلته، والرهط يطلق على العدد الذي هو دون العشرة، أقل من عشرة، يقال لهم رهط، بشرط ألا يكون فيهم امرأة، ويطلقه بعضهم على العدد من الثلاثة إلى العشرة، وقيل من السبعة إلى العشرة. قال: لنبايعه. قال: وإن قميصه لمطلق، وإن قميصه لمطلق، أو قال: زر قميصه مطلق. ومعنى ذلك أنهم وجدوا أزرار قميصه مفتوحة، وأنها غير مزرورة، غير مزرورة. قال: فأدخلت يدي في جيب قميصه، فأدخلت يدي في جيب قميصه، أي الفتحة كما سبق، التي تكون عند الرقبة، التي يدخل الرأس ويخرج منها، ويخرج منها. قال: فأدخلت يدي في جيب قميصه، قال: فمسست الخاتم، فمسست الخاتم، والمقصود به خاتم النبوة الذي مر معنا الكلام عنه، وأنه علامة من علامات صدق رسالته ونبوته صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والحديث صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في صحيح الإمام أبي داود، وهكذا أيضا في غيرها من كتبه الأخرى، في غيرها من كتبه الأخرى. وهنا فائدة تتعلق بفتح أزرار القميص، أزرار القميص: هل يستفاد من هذا الحديث أن من السنة أن يمشي الإنسان فاتحا أزرار قميصه، أزرار قميصه؟ الجواب: لا، ليس كذلك. فالأصل هو إغلاق أزرار القميص، وإذا كان هناك حاجة لإطلاقها وفتحها فلا بأس، كان يكون الجو حارا، أو أن يكون الشخص يشعر بحرارة في صدره، أو غيرها من الحاجات الأخرى، فلا بأس. أما أن يفعل ذلك من باب التسنن، وهكذا أيضا التعبد بفعل ذلك، فليس هناك دليل واضح يدل على مشروعية هذا، يدل على مشروعية هذا. وفعله عليه الصلاة والسلام في هذه الحالة لربما فعله لحاجة، فعله لحاجة، وإلا فما فائدة وضع هذه الأزرار؟ وإلا فما فائدة وضع هذه الأزرار؟ طيب، نكتفي بهذا، ونكمل ما تبقى من أحاديث هذا الباب في الدرس القادم إن شاء الله تعالى. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.