الدرس في التعليق على الشمائل المحمدية للإمام الترمذي 15، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستعرض الدرس اختلاف الصحابة في خضاب النبي صلى الله عليه وسلم بين النفي والإثبات، ويجمع العلماء على أن الحمرة كانت من الطيب لا الحناء. وينقل قول النووي وابن كثير بأن الخضاب وقع في وقت وترك في معظم الأوقات مع حديث الجهدمة.
يتناول المقطع أحاديث خضاب الشيب بالhenna والكتم والنهي عن السواد، ثم ينتقل إلى باب كحل النبي صلى الله عليه وسلم وأنواعه. يبين استحباب تغيير الشيب وفوائد الكحل العلاجية والتجميلية.
يبيّن مواصفات الكحل الجيد محذراً من الغش بالرصاص، ويورد حديث ابن عباس في اكتحال النبي بالإثمد مع تضعيف إسناده وتصحيحه بالشواهد. ينقل عن ابن القيم فوائد الكحل في جلاء البصر وإنبات الأهداب وحفظ صحة العين.
يختتم الشيخ الدرس بالإشارة إلى أن تتمة الباب ستأتي في الدرس القادم إن شاء الله. ويدعو بالمغفرة للجميع ويصلي على النبي محمد ويحمد الله رب العالمين.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم ومن والاه. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع شمائل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لي الإمام الحافظ أبي عيسى محمد بن عيسى ابن سورة الترمذي رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. وكان آخر ما تكلمنا عنه هو باب ما جاء في خضاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقلنا: المؤلف رحمه الله تعالى عقد هذا الباب لكي يبين خضاب الرسول صلى الله عليه وسلم من حيث ثبوته وعدم ثبوته. وقلنا: الخضاب هو تغيير بياض الشيب، تغيير بياض الشيب بالحناء أو بالكتم أو بالجمع بينهما أو بغيرها. وسبق معنا أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم اختلفوا في خضابه صلى الله عليه وسلم، اختلفوا: هل خضب رسول الله صلى الله عليه وسلم شعره، أو أنه لم يخضب؟ فمر معنا أن أنساً رضي الله تعالى عنه قال: لم يخضب، لأن الشيب الذي كان عليه كان قليلاً جداً فلم يصل إلى أن يخضب. وقال أبو هريرة: خضب. وهكذا جاء عن ابن عمر وأم سلمة وغيرهم أنه عليه الصلاة والسلام خضب. وجمع بعض أهل العلم بين هذه الأحاديث التي ظاهرها التعارض، بأن الخضاب هنا يحمل على تغير لون الشعر بسبب الطيب، كثرة الطيب الذي كان يستعمله عليه الصلاة والسلام، أو أنه بسبب كثرة الدهن الذي لربما وضعه عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وليس الخضاب بالحناء أو بغيرها. واستدلوا على ذلك بما جاء في طبقات ابن سعد من حديث ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: رأيت شعراً من شعره صلى الله عليه وسلم، أي مما بقي من مخلفات النبي صلى الله عليه وسلم، بقي بعض شعره. قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن إمام أهل المدينة: رأيت شعراً من شعره صلى الله عليه وسلم، فإذا هو أحمر. قال: فسألت عنه، فقيل لي: احمر من الطيب، احمر من الطيب. وهكذا أيضاً جاء في المستدرك للحاكم وصححه ووافقه عليه الذهبي، من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل نفسه، وفيه: وإنما هذا الذي لونا من الطيب الذي كان يطيب شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا الجمع لطرق حديث أنس وغيره أولى من إهمال وإسقاط بعض الروايات التي جاء فيها أن شعر النبي صلى الله عليه وسلم كان مصبوغاً، أو أنه كان أحمر. والإمام النووي رحمه الله تعالى، الإمام النووي رحمه الله تعالى، ذكر معلقاً على الأحاديث التي جاء فيها إثبات الخضاب لشعر النبي صلى الله عليه وسلم، كحديث أم سلمة وأبي رمثة وغيرهما. ذكر النووي رحمه الله تعالى قال: والمختار أنه صلى الله عليه وسلم خضب في وقت، دل عليه حديث ابن عمر في الصحيحين، وتركه في معظم الأوقات. قال: فأخبر كل بما رأى وهو صادق، والله أعلم. وذكر نحو هذا الإمام الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في كتابه البداية والنهاية. وابن كثير يا إخوان، في آخر البداية والنهاية تحدث حول سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وعقد فصولاً عظيمة ماتعة في الشمائل، أي شمائل النبي صلى الله عليه وسلم. والحافظ أيضاً في فتح الباري ذكر كلاماً نحواً من كلام النووي رحمه الله تعالى. ومر معنا كذلك أيضاً في هذا الباب أن أبا هريرة سئل: هل خضب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، قال: نعم. قال أبو عيسى يعني الترمذي: وروا أبو عوانة هذا الحديث عن عثمان بن عبد الله بن موهب فقال: عن أم سلمة. ومر معنا أن الترمذي كأنه يشير إلى إعلال الحديث عن أبي هريرة، ويذكر أن الصحيح أنه من مسند أم سلمة، كما جاء في رواية أبي عوانة وسلام بن أبي مطيع وإسرائيل بن يونس وغيرهم. قال رحمه الله تعالى: قال حدثنا إبراهيم بن هارون، قال أنبأنا النضر بن زرارة، عن أبي جناب، عن إياد بن لقيط، عن الجهدمة امرأة بشير بن الخصاصية، امرأة بشير بن الخصاصية، وبشير بن الخصاصية صحابي هو من صغار الصحابة. قالت: أنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج من بيته ينفض رأسه وقد اغتسل، وبرأسه ردع من حناء، إن أو قال ردع. شك في هذا الشيخ، شك في هذا الشيخ، والشيخ هو من شيخ المصنف إبراهيم بن هارون، شك: هل قالت امرأة بشر بن الخصاصية هل قال وبرأسه ردع، أو قال ردع، أو قال ردع؟ وهذا الحديث من الأحاديث التي استدل بها من ذهب إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخضب شعره بالحناء أو بغيرها. وكذلك أيضاً الأحاديث التي بعده فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخضب. ذكر بعض الشراح أنه لا يلزم من كونها رأت قطعة من حناء مجتمعة على رأس النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان خضاباً للشيب، بل قد يكون وضعه من أجل التداوي، أو وضعه من أجل التبريد أو نحو ذلك، الحنة باردة، وإذا وضعت على الجسد أو على الشعر فإنه يبرد، فإنه يبرد. قال قال رحمه الله تعالى: قال رحمه الله تعالى، وحديث الجهدمة امرأة بشر بن الخصاصية تكلم كذلك أيضاً العلماء على إسناده، ذكروا أن فيه أبا جناب وهو يحيى بن أبي دحية، وأنه ضعيف. ولهذا الشيخ الألباني رحمه الله تعالى ذهب إلى ضعف هذا الحديث. قال رحمه الله تعالى: قال حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال حدثنا عمر بن عاصم، قال حدثنا حماد بن سلمة، قال حدثنا حميد عن أنس قال: رأيت شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم مخضوباً، رأيت شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم مخضوباً. وهذه الرواية يا إخوان رواية تخالف الرواية السابقة التي رواها أثقات عن أنس، رواها ابن سيرين، وهكذا ثابت البناني وقتادة السدوسي، كلهم رووا عن أنس أنه جزم بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخضب، لم يخضب. ولهذا يقال فيه ما سبق سبق: فيه يحتمل أن يكون تغير لون الشعر من الأبيض إلى قريباً إلى أن يكون قريباً من الأحمر، أنه بسبب الطيب أو بسبب الدهن الذي كان يستعمله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والحديث حديث أنس هذا صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في مختصر الشمائل وغيره. قال حماد: وأخبرنا عبد الله بن محمد بن عقيل قال: رأيت شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أنس بن مالك مخضوباً. وهذا كما مر معنا الإشارة إليه. ومما يذكر يا إخوان أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حث على تغيير الشيب، لا يبقى الشعر الأبيض كما هو. وهذا الحث إنما هو على سبيل الاستحباب وليس على سبيل الوجوب. جاء في حديث أبي ذر عند أصحاب السنن، عند الترمذي والنسائي وأبي داود وابن ماجه وغيرهم، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: إن أحسن ما غير به هذا الشيب الحناء والكتم، الحناء والكتم. والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما سبق معنا لما جاء بأبي قحافة عام الفتح، من هو أبو قحافة؟ من هو أبو قحافة يا أبا عبد اللطيف؟ نعم، عبد الرحمن، والد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، كنيته أبو قحافة. جاء به عام الفتح وشعره أبيض، رأسه وحواجبه وشاربه ولحيته، فقال عليه الصلاة والسلام: غيروا هذا الشيب، وجنبوه السواد، أي لا تغيروه باللون الأسود. ولهذا جاء في حديث ابن عباس في مسند أحمد، وصلن أبي داود والنسائي، قال النبي صلى الله عليه وسلم: يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد، يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد، كحواصل الحمام، قال: لا يريحون رائحة الجنة. وهذا استدل به من استدل من أهل العلم على أن تغيير الشعر الأبيض باللون الأسود يعتبر محرماً، بل هو من كبائر الذنوب كما دل عليه حديث ابن عباس هذا. وما جاء عن بعضهم أنه كان يخضب بالسواد، فيحمل على أنه لم يبلغه النهي، لم يبلغه النهي. قال رحمه الله تعالى: قال باب ما جاء في كحل رسول الله صلى الله عليه وسلم. باب ما جاء في كحل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذه ترجمة يا إخوان عقدها المؤلف رحمه الله تعالى لبيان ما يتعلق بكحل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي أن استعمال الكحل يعتبر من هديه وسنته، فقد دل على ذلك قوله، وهكذا أيضاً دل عليه فعله. قال: باب ما جاء في كحل رسول الله صلى الله عليه وسلم. والكحل يا إخوان هو عبارة عن حجر، وهذا الحجر كما عبروا عنه أنه معدني، يسحق، يسحق ثم تكحل به العين. ويستخدم الكحل لأمرين اثنين: يستخدم للعلاج، وهكذا أيضاً يستخدم للزينة. ومن الكحل يا إخوان ما هو أسود، ومنه ما يميل إلى الحمرة، ما يميل إلى الحمرة. والإثمد يعتبر أجود وأحسن هذه الأنواع من الكحل. وكانوا يا إخوان يستخدمونه منذ القدم، يستخدمون الكحل، يستخدمون الكحل. وأجود الكحل يا إخوان قالوا: ما كان سريعاً التفتت، ما كان سريعاً التفتت. وهكذا أيضاً يكون إذا فت، فيكون لفتاته بصيص، بصيص، فماذا؟ وهكذا أيضاً داخله أملس ولا وسخ فيه، فهذا هو أجود أنواع الكحل. واليوم يا إخوان ينبغي أن يدقق في باب الكحل، لأن بعض المصانع وبعض الجهات المنتجة للكحل لربما تضيف إليه مادة تختلط به، ألا وهي الرصاص، ألا وهي الرصاص، فقد يؤذي، قد يؤذي العين. ولهذا لا يسترخص الإنسان في الكحل، يحرص في الغالب أن يأخذ نوعاً جيداً، أن يأخذ نوعاً جيداً لألا تتأذى به عينه، به عينه. قال رحمه الله تعالى: قال رحمه الله تعالى، قال حدثنا محمد بن حميد الرازي، وهو كذلك أيضاً يقال له التميمي، وقد وثقه أحمد وابن معين، وتكلم فيه غيرهم، فالإمام أبو زرعة، وهكذا ابن خزيمة وغيرهم حكموا عليه بالكذب، حكموا عليه بالكذب. قال: قال حدثنا أبو داود الطيالسي، هو سليمان بن داود الطيالسي، أصله فارسي وهو مولى قريش، مولى قريش. قال عن عباد بن منصور، وعباد بن منصور هذا هو أبو سلمة البصري الناجي، قاضي البصرة، وكان ضعيفاً، ومع ضعفه كان يرى بدعة القدر، وبدعة القدر هذه يا إخوان كانت منتشرة في بلاد البصرة. أين تقع البصرة يا عبد الرحمن؟ أين تقع البصرة؟ في العراق. البصرة يا إخوان كانت من مدن العراق التي كان فيها العلماء، ويفد، ويفد إليها المحدثون والفقهاء واللغويون وغيرهم، مثلها مثل بغداد، وهكذا وهكذا الموصل، وهكذا غيرها من مدن وبلاد العراق. قال عن عكرمة، وعباد بن منصور هو مخرج هذا الحديث، قال عن عكرمة عن ابن عباس. ما اسمه ابن عباس؟ ابن عباس ما اسمه يا عبد الرحمن؟ ما اسمه ابن عباس؟ نعم اسمه، أحسنت، عبد الله بن عباس، وكنيته أبو العباس، حبر الأمة وترجمان القرآن. دعا له النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل، أي التفسير، فكان ابن عباس عجباً يا إخوان في تفسير كلام الله عز وجل. قال عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اكتحلوا بالإثمد، فإنه يجلو البصر وينبت الشعر، فإنه يجلو البصر وينبت الشعر. قال: وزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له مكحلة يكتحل منها كل ليلة، ثلاثة في هذه وثلاثة في هذه، يعني ثلاثة في عينه اليمنى وثلاثة أخرى في عينه اليسرى. وهذا الحديث يا إخوان الحديث صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى لكن بشواهده، وإلا فإسناده ضعيف، لكن له شواهد، له شواهد جاء من حديث جابر، وهكذا ابن عمر وأبي هريرة وغيرهم، يتقوى بها، ولهذا كما سبق صححه العلامة الألباني رحمه الله كما في السلسلة الصحيحة، وهكذا في صحيح الجامع وصحيح الترغيب والترهيب، إلا الجملة الأخيرة منه، ألا وهي قوله: وزعم، يعني زعم ابن عباس، زعم ابن عباس، والمراد بالزعم هاهنا مجرد القول، وليس المقصود به الشك، كما ذكر العلامة الألباني رحمه الله تعالى. فقوله: وزعم، أي ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له مقحلة، والمقحلة هي آلة الكحل، هي آلة الكحل، يعني يوضع فيها الكحل ويؤخذ منها إذا أراد أن يكتحل. قال: يكتحل منها كل ليلة ثلاثة في هذه وثلاثة في هذه. وهذه الجملة الأخيرة كما سبق ضعفها الشيخ الألباني رحمه الله تعالى. وذكر أهل العلم فوائد في الكحل، ولا سيما يا إخوان إذا كان الكحل من نوعي الإثمد، فإنه ماذا؟ فإنه مفيد. الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى كما في كتابه زاد المعاد في المجلد الرابع الذي ذكر فيه فوائد تتعلق بالطب النبوي، ذكر رحمه الله تعالى فوائد للكحل، فمن ذلك قال: وفي الكحل حفظ، أو حفظ لصحة العين، قال: وفي الكحل حفظ لصحة العين وتقوية للنور الباصر، للنور الباصر، وجلاء لها وتلطيف، أو نعم، وتنظيف للمادة الرديئة واستخراج لها، يعني أنه يصفي العين، يصفي العين. وهذا معنى قوله في الحديث السابق: يجلو البصر، يعني يعتبر منظفا ومنقيا ومطيبا للعين. وهكذا أيضاً يساعد على وضوح البصر وإضاءة في العين. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: قال مع الزينة، مع الزينة في بعض أنواعه، قال: وله عند النوم مزيد فضل، فضل اجتبالها على الكحل وسكونها عقيبه عن الحركة المضرة بها، وخدمة الطبيعة لها. قال: وللإثمد من ذلك خاصية أكد. ذكر رحمه الله تعالى والحديث فيه: قال فإنه يجلو البصر وينبت الشعر، ويعني بالشعر أي شعر ماذا؟ الجفون، أي الأهداب، فيساعد على نموها. وقولها: لأن في ذلك وقاية للعين وصيان لها من الأتربة والغبار. وهكذا أيضاً فيه ماذا؟ فيه جمال للعين. يأتي معنا تتمة هذا الباب في الدرس القادم إن شاء الله تعالى، وغفر الله الجميع لما يحب ويرضى. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.