الدرس في التعليق على مختصر فقه الأسماء الحسنى 23، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
اسم الله المهيمن ورد في آية واحدة ويدل على اطلاعه على خفايا الأمور وما تخفيه الصدور، فهو الرقيب على أقوال العباد وأفعالهم لا يغيب عنه شيء. ويعلم كل ما يعملونه حتى لو خفي عن الناس.
الله سبحانه محيط بكل شيء علمًا فلا يعزب عنه مثقال ذرة، وقدرةً فلا يعجزه شيء في السماوات والأرض، وقهرًا فلا يستطيع الجن والإنس الفرار من قدرته وسلطانه. الإيمان باسمي الله «المحيط» و«الرقيب» يورث في قلب العبد الخوف والخشية لعلمه أن لا ملجأ ولا مانع من قدر الله.
استشعار عظمة الله يورث العبد التواضع والذل والخضوع، مبينًا أن الإنسان ضعيف مهما امتلك من قوة بدنية أو مالية أمام قدرة الله وقهره. ويختتم الدرس بالدعاء للنبي وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف -فقه الله- في كتابه "مختصر فقه الأسماء الحسنى": قال: اسم الله المهيمن والمحيط. قال: أما المهيمن فقد ورد في موضع واحد، وهو قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. قال: ومعنى المهيمن: أي المطلع على خفايا الأمور، أي الأمور الخفية التي لا يراها الناس ولا يعلم بها، فالله جل وعلا مطلع عليها. وخبايا الصدور، أي ما في صدر الإنسان مما يحدث به نفسه أن يعمله، فلا يخفى على الله، ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾. الذي أحاط بكل شيء علما، والله جل وعلا أحاط بكل شيء علما، فلا يخفى عليه شيء، سبحانه وتعالى. قال: الشاهد على الخلق بأعمالهم، الرقيب عليهم فيما يصدر منهم من قول أو فعل، فلا يخفى شيء من ذلك على الله سبحانه وتعالى، ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾، أي بعلمه وإحاطته واطلاعه، فلا يخفى شيء من أعمال العباد مما يعملوه بجوارحهم ومما يقولوه بألسنتهم، فالله جل وعلا مطلع عليه، عالم به، سبحانه وتعالى. قال: لا يغيب عنه من أفعالهم شيء، حتى لو ظن الإنسان أن هذا العمل أو هذا الفعل لا يرى فيه أحد، فليعلم وليوقن أن الله سبحانه وتعالى مطلع عليه، وأن الله عز وجل شهيد عليه، لا يغيب عنه سبحانه ما يفعله وإن غاب عن الناس. قال: ﴿وَلَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾، وذلك لسعة علمه سبحانه وتعالى، فإنه لا يعزب عنه شيء ولا يغيب عنه شيء في السماوات ولا في الأرض. قال: وأما المحيط فقد ورد في عدة مواضع، قال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾. وهو اسم دال على إحاطة الله بكل شيء علما وقدرة وقهرا. إحاطة علم: فلا يعزب عنه من خلقه مثقال ذرة، هذا إحاطة العلم، أنه لا يعزب عنه ولا يخفى عنه سبحانه وتعالى شيء من خلقه، ولو مثقال ذرة، فالله جل وعلا يعلمها ومحيط بها وعالم بها، سبحانه وتعالى، فضلا عما هو أكثر وأكبر من ذلك. وإحاطة قدرة: فلا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، إذا أراد الله سبحانه وتعالى شيئا فإنه لا يعجزه شيء، سبحانه، وذلك لعظيم قدرته وقوته وإحاطة قدرته على جميع المخلوقات، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. وإحاطة قهر: فلا يقدرون على قوته أو الفرار من فوته، إذا أراد الله سبحانه وتعالى أن يصيبهم بسوء أو يبتليهم ببلاء أو أن يقبض أرواحهم، ما استطاعوا أن يهربوا من الله ولا أن يفروا منه، سبحانه، مهما عظمت قوتهم ومهما كثرت جنودهم، فالله جل وعلا قاهر عليهم، سبحانه. قال تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾، والخطاب لجميع الإنس ولجميع الجن، بما أوتوا من قوة، بما أوتوا من قوة ومن جنود ومن أتباع، إذا استطاعوا أن يهربوا من الله وأن ينفذوا من أقطار السماوات والأرض فليفعلوا، ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾. قال: أي لا تستطيعون هربا من أمر الله وقدره، لأنه محيط بكل شيء علما وقدرة وقهرا. إذا أراد الله عز وجل أن يقبض روح إنسان، هل يستطيع أن يدفع ذلك؟ الجواب: لا، ما يستطيع، مهما تحصن في أعظم الحصون أو على أعلى الجبال، أو كذلك يعني تلبس بما يتلبس به من الأمور التي يظن أنها تدفع عنه أمر الله، فسيأتيه أمر الله سبحانه وتعالى، ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾، ما تستطيع أن تهرب من أمر الله وأن تفر من قدر الله سبحانه وتعالى، وهذا من معاني المحيط، سبحانه وتعالى. فهذان الإسمان، إذا آمن بهما العبد وتمعن معانيهما، علم أن الله عز وجل مهيمن عليه، مطلع عليه، رقيب على أفعاله، لا يخفى عليه شيء، سبحانه وتعالى، من أمره ما ظهر أو بطن، أو أعلن أو أسر، أو عظم أو حقر، فالله سبحانه وتعالى يعلمه، جل وعلا، وهذا يورث في قلب العبد الخوف من الله والخشية منه، جل وعلا. وكذلك اسم الله المحيط، أن يعلم العبد أن الله محيط به، فلا مفر له من الله، لا مفر له من أمر الله ومن قدر الله سبحانه وتعالى، وأن الله عز وجل إذا أراد به أمرا، وإذا أراد به سوءا، فإنه لن يستطيع أن يدفع أمر الله سبحانه وتعالى، مهما أوتي من أمور الدنيا، ما أوتي من قوة وعتاد إلى آخر ذلك، فإن ذلك لا ينفع أمام أمر الله سبحانه وتعالى، وأمام إحاطة الله جل وعلا بالعباد بعلمه وقدرته وقهره، سبحانه وتعالى. وهذا أيضا يورث في قلب العبد التواضع والذل والخضوع لله سبحانه وتعالى، وأنه ضعيف، أن الإنسان ضعيف مهما أوتي من قوة، سواء كان في بدنه، في ماله، إلى آخر ذلك، فهو ضعيف أمام قدرة الله وأمام قهر الله، سبحانه وتعالى. نكتفي بهذا القدر إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والله تعالى أعلم. شكرا.