كتاب الطلاق من صحيح البخاري 29

كتاب الطلاق من صحيح البخاري 29

الدرس في كتاب الطلاق من صحيح البخاري 29، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

باب إحلاف المتلاعنين: أحكام اللعان وإسقاط حد القذف

إذا قذف الزوج زوجته بالزنى دون أربعة شهود، يشرع له اللعان فيحلف أربع شهادات بالله على صدقه والخامسة يدعو بلعنة الله إن كان كاذباً، وبهذا يسقط عنه حد القذف. وإن امتنع عن اللعان أقيم عليه حد القذف شرعاً.

بدء الرجل في اللعان وترتيب الأيمان

يبدأ اللعان بالرجل فيحلف أربع شهادات بالله ثم يلعن نفسه إن كان كاذباً، ثم تقوم المرأة فتفعل مثل ذلك. أجمع العلماء على تقديم الرجل لأنه المدعي، واستدل البخاري بحديثي عويمر العجلان وهلال بن أمية.

ترتيب الشهادة في اللعان ووجوب قيام الشاهد

شهادة المرأة في اللعان تكون بعد شهادة الرجل، والسنة تقتضي قيام الشاهد عند الحاكم. كما حث النبي صلى الله عليه وسلم الملاعنين على التوبة والخوف من عذاب الآخرة لا من حد الدنيا.

قاعدة التحليف في الخصومة عند تعارض البينات

إذا كان لكل من المتخاصمين حجة ودليل، لا يعاقب أحدهما بل يُترك الحد بالتحالف فيحلف كل طرف. فإن جاء المدعي ببينة قُضي له، وإلا حلف المنكر وأُعطي الحق بيمينه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب إحلاف المتلاعنين». باب إحلاف المتلاعنين: إحلافهم معناه يجعلهم يحلفون، فإيمان اللعان المعروفة أن الرجل لما قذف امرأته كان عليه الحد أن لم يأتِ بشهود أربعة يصدقونه على ظاهر قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾. فلما رمى العجلان زوجته بالزنى، أنزل الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ﴾، فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله. فأخرج الله عز وجل الزوج من عموم الآية السابغة، من عموم قوله: ﴿فَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾، فإن كان زوجًا فشهادته بأربعة شهداء: ﴿فَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾. جعل الشهادة الواحد منهم أربع شهادات، وهذا الشهادات تدرأ بها عن نفسه الحد كما تدرأ الشهود عن أنفسهم بالبحث عن شهود أربعة ثلاثة فوقه. إذا شهد واحد فإنه إما أن يأتي بأربعة شهداء أو يحد حد القذف ثمانين جلدة، فإن جاء بأربعة شهداء سقط عنه الحد. وهكذا الزوج إذا أراد أن يدفع عن نفسه الحد فإنه أولًا يشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، يلعن نفسه في الخامسة. بهذا تدرأ عن نفسه الحد، وإلا لو قال مثلاً: إنها زنت، أو نفى الولد ولم يشهد، يقام عليه حد القذف. والمرأة كما قال الله عز وجل تدرأ عن نفسها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. فهذا اللعان الذي حصل أو الذي ذكره الله. قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا جويرية. جويرية هذا اسم رجل ليس اسم امرأة، قال: جويرية يصلح أن يكون رجلًا وتكون امرأة. فجويرية هذا ابن أسماء، قال: عن نافع، عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن رجلًا من الأنصار قذف امرأته، وهو العجلان، هذا هو عويمر العجلان. قال: قذف امرأته، فأحلفهما النبي عليه الصلاة والسلام، ثم فرق بينهما. أحلفهما: أي جعلهما يحلفان كما تقدم، وأنه يحلف هذا ويشهد أربع شهادات ثم يلعن نفسه، ثم بعد ذلك المرأة. قال: «باب ما يبدأ به الرجل من التلاعن». قال: حدثني محمد بن بشار، قال: حدثنا ابن أبي عدي، يعني ابن أبي عدي البصري، عن هشام بن حسان، وهو الكردوسي صاحب ابن سيرين، قال: حدثنا عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن هلال بن أمية قذف امرأته، فجاء فشهد، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟» ثم قامت فشهدت. هنا أراد الإمام البخاري بهذا الباب: من الذي يبدأ من عنده اللعان؟ هل الرجل أو المرأة؟ وقد اتفق العلماء، بل حكى ابن بطال وغيره الإجماع على أن البداءة تكون بالرجل قبل المرأة؛ لأنه هو الذي اتهمها وهو المدعي، فلذا يبدأ من عنده. وقد جاءت الآيات كذلك. فإن بدأت قبله لا يجزئها، إذا قالت: هذا قذفني وأنا أشهد بالله أربع شهادات أنه من الكاذبين، فهذا ليس صحيحًا ولا يكون هكذا اللعان، بل إذا فعلت ذلك فإنها تعيده بعد شهادته، تعيد شهادتها بعد شهادته. أيضًا كذلك في هذا الحديث أنه قال: «ثم قامت فشهدت»، يدل على أن الشاهد يحتاج إلى القيام عند القاضي، يقوم ويشهد. وقال الطبري رحمه الله: وهو دليل على الاستحلاف قائمًا لكل حاكم في الأمر العظيم. هذا مثل السنة أن الشاهد يقوم، وهذه السنة إلى الآن يتعامل بها في المحاكم، فالشاهد يقوم حتى يراه القاضي ويراه الناس. وقوله هنا في الحديث: «والله يعلم أن أحدكما كاذب»، ظاهره يقتضي أنه قاله بعد الملاعنة، أنه بعدما لاعنهما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟» فهل منكما، ما أي من الرجل والمرأة، أن يتوب ويرجع، ولا يفكر في أمر الدنيا وإنما يفكر في أمر الآخرة؛ لأن لو نجا من أمر الدنيا ما سينجو من أمر الآخرة. ولهذا جاء في بعض الروايات أن المرأة لكأت ثم قالت: والله لا أفضح قومي، وشهدت. وهذا لا يجوز، لا يجوز أن تفعل ذلك من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، لا يفكر في أمر الدنيا حتى ولو أقيم عليه الحد، فإنه يكون كفارة له كما كفر النبي صلى الله عليه وسلم. أيضًا كذلك استدل بهذا بعض العلماء بهذا الحديث أن المتخاصمين إذا كان كل واحد عنده حجة وعنده دليل، فلا يؤاخذ أحدهما ولا يعاقب أحدهما، ويترك الحد بالتحالف، يترك الحد بالتحالف: هذا يحلف وهذا يحلف، أو هذا يدعي ويأتي ما عنده، بينة المدعي، ويحلف المدعي، والمدعى عليه يحلف كذلك، فلا يقضى على أحدهما بالحق إلا إذا كان هناك حق لا بد أن يكون لأحدهما، فيكون المدعي إذا جاء ببينة فهو حق به ويعطى، وإذا كان لم يأتِ ببينة فحلف المنكر، فيعطى بيمينه، فيعطى بيمينه. فهذا ما يذكر بهذه الأبواب، والله أعلم.