جواهر البلاغة 33

جواهر البلاغة 33

الدرس في جواهر البلاغة 33، الدرس الثالث والثلاثون:من( المبحث الأول في الأمر ... 18ـ والتعجب:كقوله تعالى:انظر كيف ضربوا لك الأمثال ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تعريف الأمر في اللغة والشرع

ناقش الشيخ تعريف الأمر في اللغة والشرع، موضحًا صيغه المختلفة واستخداماته في السياقات المختلفة. وأوضح أن المعنى المقصود من الأمر يتحدد حسب السياق.

معاني صيغ الأمر واستخداماتها في اللغة العربية

تتناول هذه الفقرة معاني صيغ الأمر في اللغة العربية واستخداماتها المختلفة في السياقات القرآنية، حيث تخرج عن معناها الأصلي إلى معاني أخرى مثل الدعاء والالتماس والإرشاد. يتم تحديد هذه المعاني بناءً على سياق الكلام وقرائن الأحوال.

التحذير من الخلط بين المسائل اللغوية وعقائد أهل الكلام

ينبه على أهمية الانتباه للإشارات الخفية في بعض المسائل التي قد تظهر على أنها لغوية بحتة ولكنها تحتوي على عقائد فاسدة. بعض هذه المسائل قد يكون لها ظاهر لغوي ولكن باطنها يحمل أفكار منحرفة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: المبحث الأول بالأمر، قال: الأمر هو طلب حصول الفعل من المخاطب على وجه الاستعلاء مع الإلزام. طلب حصول الفعل من المخاطب على وجه الاستعلاء مع الإلزام، يعني يكون فيه معنى من معاني الإلزام. وهذا التعريف ربما يصح في نوع من أنواع الأمر، وهو ما كان كذلك أمر يكون من الأعلى ويكون على وجه الإلزام. وإلا معاني الأمر في اللغة أوسع من ذلك، وفي الشرع أوسع من ذلك. قال رحمه الله تعالى: وله أربع صيغ، يعني في هذا العلم، في علم البلاغة، صيغ الأمر أربعة. وأما في علم النحو فهو أقل من ذلك، الأمر في علم النحو أقل من ذلك. وأما في الشرع فهو أوسع من الأربعة، له صيغ كثيرة تدل عليه، ليس فقط بصيغة الفعل أو اسم الفعل أو المصدر، ولكنه ربما يكون بالوصف، مثل وصف الفرض والواجب والطاعة والندب، وما وقع فيه مدح أو ذم، فكل ذلك فيه معنى الأمر، إما أمر بحصول شيء أو أمر بالكف عن شيء، فهو بالشرع أوسع. قال رحمه الله تعالى: أولًا: فعل الأمر، كقوله تعالى: ﴿يا يحيى خذ الكتاب بقوة﴾، يعني من صيغ الأمر فعل الأمر، وهو الأصل في هذا الباب. فقوله جل وعلا: ﴿خذ الكتاب بقوة﴾ هذا أمر. قال ثانيًا: والمضارع المجزوم بلام الأمر، كقوله سبحانه: ﴿لينفق ذو سعة من سعته﴾، وهذا كذلك هو أمر من وجهين، أولًا: لأن فيه معنى الأمر، وثانيًا كذلك لأن الأمر الذي أراده رحمه الله هو ما كان من الأعلى لمن هو دونه، وسياق الآية يدل على هذا المعنى. وإلا ممكن أن يكون مثل هذه الصيغة التماس أو يكون مثل هذه الصيغة كذلك إرشاد إذا كان من المساوي أو كان كذلك من الواعظ والناصح. فالمراد من هذه للإشارة أن الصيغة بعينها لا تكفي في الدلالة على الأمر الذي أراده المؤلف رحمه الله، أي هذا النوع الخاص من الأمر ما كان من الأعلى لمن هو دونه على وجه الإلزام، ولكن سياق الكلام وسباقه كما يقال يبينان المعنى المقصود. قال ثالثًا: وإسم فعل الأمر، نحو: «عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم»، وهذا كذلك معنى الأمر فيه من جهة المعنى لا من جهة اللفظ. ومثله: «حي على الصلاة». ونلاحظ أن هذا كذلك بحسب السياق يكون أمرًا على المعنى الذي أراده المؤلف من الأعلى على وجه الإلزام. وإلا قد يؤت به في سياق آخر فلا يكون فيه معنى الأمر الذي أراده، بل قد يخرج عن ذلك إلى معنى آخر كالإرشاد ونحوه. قال رابعًا: والمصدر النائب عن فعل الأمر، نحو: «سعيًا في سبيل الخير». ومنه قول الله جل وعلا: ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب﴾، وضرب الرقاب مصدر نائب عن فعل الأمر، وهذا من المعنى، ففيه معنى الأمر. قال: وقد تخرج صيغ الأمر عن معناها الأصلي وهو الإيجاب والإلزام إلى معاني أخرى تستفاد من سياق الكلام وقرائن الأحوال. ولو تأملت هذه السياقات تجدها في الغالب هي من نفس الصياغ التي ذكرت، الصياغ الأربع التي ذكرت، لكن سياق الكلام صرف ذات الأمر من معناها الذي سبق إلى غيره. قال الأول: كالدعاء في قوله تعالى: ﴿ربي أوزعني أن أشكر نعمتك﴾، فالقرينة هنا التي تدل على الدعاء كونه من الله سبحانه وتعالى، وذكر الرب: «ربي أوزعني أن أشكر نعمتك»، فهو دعاء. قال الثاني: الالتماس، كقولك لمن يساويك: «أعطني القلم أيها الأخ»، «فاعطني القلم» التماس؛ لأنه ليس بأمر، فهو طلب من المساوي، وسمي التماسًا لأنك تستأذنه استئذانًا. قال ثالثًا: والإرشاد، كقوله تعالى: ﴿إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل﴾، وجمهور أهل العلم على أن الأمر في هذا الموضع للإرشاد وليس هو للوجوب. وضابط باب الإرشاد كما قال العلماء: أن يرجع في مصالح الدنيا؛ لأن الوجوب معارض بأصل دلت عليه أدلة كثيرة من الكتاب والسنة، وهو الإباحة والحل وعدم الإلزام، يعني في باب المعاملات، يعني في باب المعاملات، فما كان من أمر في هذا الباب فهو من باب الإرشاد، يعني الدلالة على الأفضل والأكمل. قال رابعًا: والتهديد، كقوله تعالى: ﴿اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير﴾، فإن السياق يدل على أن معناه تهديد، وليس المقصود أنه مخير، ولكن مهدد؛ لأن أحد طرفي التخيير هو المأمور به والآخر هو المحذر منه. قال خامسًا: والتعجيز، كقوله تعالى: ﴿فأتوا بسورة من مثله﴾، والسياق يدل عليه كذلك، وفيه كذلك عدم إمكان ذلك. قال سادسًا: والإباحة، كقوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾؛ لأن الأمر بعد الحضر يرجع المأمور إلى ما كان عليه قبل الحضر. فلما كان قبل الحضر الأكل والشرب للإباحة، عاد الأمر بعد حضره إلى ما كان عليه وهو الإباحة، كان مباحًا ثم منع منه لأجل الصيام، ثم أبيح عند انتهاء الصيام، فعاد إلى ما كان قبل النهي وهو الإباحة. قال: «ونحو: اجلس كما تشاء»، فقوله: «كما تشاء» قرينة أنه للإباحة، وليس هو للأمر، مع أنه قد يكون للأمر، لكن هذه القرينة تدل أنه للإباحة. قال: والتسوية نحو قوله تعالى: ﴿فاصبروا أو لا تصبروا﴾، والقرينة تدل على هذا، خصوصًا قوله بعده بمعنى التسوية. قال: والإكرام، كقوله تعالى: ﴿ادخلوها بسلام آمنين﴾، والقرينة قوله: «بسلام آمنين»، فإنه يدل على أن الدخول للإكرام؛ لأنه لو قال: «ادخلوها» بدون قوله: «بسلام آمنين» صار معناه الأمر فقط، لكن مع قوله: «بسلام آمنين» دل أنه إكرام. قال: والإمتنان، كقوله تعالى: ﴿فكلوا مما رزقكم الله﴾، وربما يسمى كذلك بالإنعام. وضابطه أنه يقترن بحاجة الخلق إلى ذلك، فيكون فيه معنى الإنعام والإمتنان. قال: عاشرًا: والإهانة، كقوله تعالى: ﴿كونوا حجارة أو حديدًا﴾، والسياق يدل على ذلك. قال: الحادي عشر: والدوام، كقوله تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾، المقصود هو دوام حصول هذه الهداية، ولهذا فنحن أمرنا بتكرير هذه السورة في كل صلاة، بل في كل ركعة من كل صلاة، طلبًا للدوام في هذه الهداية. قال: ثاني عشر: والتمني، كقول امرئ القيس: «ألا أيها الليل الطويل ألا جلي بصبح وما الإصباح منك بأمثل»، والقرينة تدل على ذلك، خصوصًا دخول أداة التمني «ألا». قال: ثالث عشر: والاعتبار، كقول تعال: ﴿انظروا إلى ثمره إذا أثمر﴾، لو قال: «انظروا» كان أمر، لكن «إذا أثمر» دل أن المراد به الاعتبار. قال: رابع عشر: كقوله لمن طرق الباب: «أدخل»، أي الإذن. قال: والإذن، كقولك لمن طرق الباب: «أدخل»، فقولك: «أدخل» مع قرينة طرق الباب دل أن المراد من «أدخل» ليس أمرًا وإنما هو إذن؛ لأنه استأذن قبل ذلك. ومثله لو أنه سأل: «أدخل؟» قلت له: «أدخل». قال: خامس عشر: والتكوين، كقوله تعالى: ﴿كن فيكون﴾، وآكد قوله كذلك: ﴿كونوا قردة خاسئين﴾، فإن هذا الأمر أمر تكوين؛ لأنه ليس هناك مأمور موجه إليه الخطاب، إنما هناك مأمور مطلوب منه حصول التكوين. قال: سادس عشر: والتخيير، نحو: «تزوج أو تزوج هندًا أو أختها»؛ لأنه لا يجمع بينهما، إنما يخير، هذه قرينة تدل على التخيير، عدم إمكان الجمع. قال: سابع عشر: والتأديب، نحو: «كل مما يليك». قد يقول قائل: هذا أمر. الجواب: نعم أمر، لكن فيه معنى التأديب. ولهذا قال بعضهم: أنه ليس للوجوب بل للندب بهذه القرينة. والصحيح التفصيل: إن كان يضر بالآخرين فالوجوب، وإن كان لا يضر فالندب، يعني من كمال الأدب أن تأكل مما يليك. قال: ثامن عشر: والتعجب، كقوله تعالى: ﴿انظر كيف ضربوا لك الأمثال﴾، لو قال: «انظر» فقط كان أمر، لكن «كيف ضربوا لك الأمثال» علم أنه للتعجب. والخلاصة: ليس هذا الذي ذكره هو حصرًا للصيغ الأخرى للأمر، بل صيغ الأمر كثيرة، ويكثر من ذكرها أرباب علم الأصول، خصوصًا في الكتب المطولة مثل «شرح الكوكب المنير» ونحوه من الكتب المطولة، فإنهم يذكرون مثل هذه الأقسام وأكثر منها مما فيها معنى الأمر وليس هو بأمر على وجه الإلزام، إنما فيه معاني أخرى. وفائدة هذا الباب هو ما سبق الكلام عليه، أنه من مباحث الإنشاء، فإذا كان من مباحث الإنشاء وعلمنا الفوارق بين الجملة الخبرية والجملة الإنشائية، لازم أن يكون عند طالب هذا العلم استقراء، يعني إحاطة بألفاظ ومعاني الجملة الإنشائية حتى يفرق بينها وبين الجملة الخبرية، فإن المعنى سيختلف. وهنا تنبيه لما أشار إليه من الكلام على معنى الاستعلاء، وما نقله أنه قول الأكثر من الماتريدية والرازي والآمدي ونحو ذلك في التعليق، هذا في الحقيقة إحالة إلى ما لا ينبغي الإحالة إليه. والسبب في ذلك أن أكثر دقائق مسائل الأمر خاض فيها المتكلمون، خصوصًا في كتب علم الأصول، وبعض كتب النحو التي تخرج عن مقصود النحو؛ لأن مباحث الأمر من المباحث التي خاض فيها علم الكلام، أهل علم الكلام لما فيها من مسائل الصفات وغيرها التي هي على خلاف مذهبهم في تحريف الصفات. والخلاصة: ينبغي الانتباه لمثل هذه الإحالات؛ فبعض هذه الإحالات في الحقيقة ترجع إلى مسائل كلامية، كالقول بالكلام النفسي وهو قول الكلابية والأشاعرة والماتريدية، ومن باب أولى أن يكون فيه مدخل للمعتزلة والجهمية الذين يمثلون الكلام أصلًا. ولما كان الكلام فيه أمر وفيه النهي، كان خوضهم في هذا الباب خصوصًا فيما هو لفظ القرآن. فالمهم ينبغي الانتباه لمثل هذه الإحالات؛ فبعضها ربما يظنها المرء أنها من المسائل اللغوية المحضة التي هي من خلاف اللغة الواسع، ولكن بعضها كما قال بعض أهل العلم: «الرماد من تحتها النار»، يعني ظاهره رماد وباطنه نار. وهكذا بعض هذه المسائل ظاهرها مباحث لغوية وباطنها مسائل وعقائد فاسدة من مسائل أهل علم الكلام، فينتبه لهذا. إلى هنا والله تعالى أعلم.