الدرس في جواهر البلاغة 81، الدرس الحادي والثمانيون:من( المبحث الثامن:في التقييد بالشرط ... أي انتفت هدايته إياكم بسبب انتفاء مشيئته لها ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول شرح مفهوم التقييد بالشرط وأدواته مثل 'إن' و'إذا' و'لو'. يبين الفروق بينها في الدلالة على وقوع الشرط في المستقبل.
يشرح استخدام 'إن' و'إذا' في اللغة العربية، حيث تُستخدم 'إن' للأمور غير المقطوع بها وتتبع بالفعل المضارع، بينما تُستخدم 'إذا' للأمور المقطوع بوقوعها وتتبع بالفعل الماضي.
يناقش دلالة 'إذا' و'إن' و'لو' في القرآن الكريم وتفسير آية 'ولو شاء الله لهداكم أجمعين'. يبين أن 'إذا' للتحقيق والكثرة، و'إن' للشك، و'لو' للشرط في الماضي مع الجزم بانتفائه.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال المليح، رحمه الله تعالى: المبحث الثامن: بالتقييد بالشرط. قال رحمه الله: التقييد به يكون للأغراض التي تؤديها معاني أدوات الشرط، كالزمان في «متى» و«أيان»، والمكان في «أين» و«أنى» و«حيثما»، والحال في «كيفما». واستيفاء ذلك وتحقيق الفرق بين تلك الأدوات يذكر في علم النحو؛ يعني الذي تذكر فيه هذه الأدوات التي تعمل معنى الشرط. فكل ما كان فيه معنى الشرط فإنه يحصل به تقييد. فأحيانا التقييد يكون كما قال المؤلف في الزمان، وأحيانا في المكان، وأحيانا في الحال، وأحيانا في غير ذلك، بحسب معاني هذه الأدوات. ولكن كما مر معنا، هذا العلم إنما يخوض في المعاني لا في المباني. فكل معنى حصل فيه نوع من التقييد فهو مبحث بلاغي ينبغي الانتباه له. قال رحمه الله: وإنما يفرق هنا بين «إن» و«إذا» و«لو» لاختصاصها بمزايا تعد من وجوه البلاغة؛ يعني أن العلماء ذكروا ثلاث أدوات من أدوات الشرط، وهذه الأدوات الثلاث التي ذكرت لأنها متضمنة لمعاني أكثر، فلذلك ذكرت؛ لأن فيها مباحث بلاغية بهذه المعاني الأكثر المذكورة، ولأن بينها فروقا يتغير به معنى الكلام. قال: الأصل عدم جزم وقطع المتكلم بوقوع الشرط في المستقبل مع «إن». ومن ثم كثر أن تستعمل «إن» في الأحوال التي يندر وقوعها. وقبل ذلك ينبغي أن نعلم أن هناك اشتراكا وافتراقا في هذه الأدوات الثلاث. فقد يحصل اشتراك في الدلالة على تعليق حصول الجزاء على تعلق حصول الشرط في المستقبل. فهذا نوع من الاشتراك في هذه الأدوات؛ يعني أن الشيء المشروط يتعلق ثبوت ذاك الحكم المخبر به بتحقق الشرط إثباتا ونفيا. فهذا بالجملة أمر مشترك، وهذا حال الجمل الشرطية. ويوجد هناك افتراق. من هذا الافتراق ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى هاهنا. قال: ومن ثم كثر أن تستعمل «إن» في الأحوال التي يندر وقوعها. ومعناه: إذا رأيت التعبير ب«إن» فإن ذلك يدل على قلة الوقوع أو للأمر الذي لم يقع وينتظر وقوعه. فمثلا لو قلت: «إن نجحت أكافئك»، فمعناه أن المكافأة تكون متى حين النجاح. ومثله: «إن جاء محمد فأكرمه»، فمعناه أن الإكرام يكون وقت مجيء محمد، ونحو ذلك. قال رحمه الله: ووجب أن يتلوها لفظ المضارع لاحتمال الشك في وقوعه؛ لأنك ما تدري هل يقع أو لا يقع. قال في التعليق: ولذا لا يقال: «إن طلعت الشمس أزورك»؛ لأن طلوع الشمس مقطوع بوقوعه، وإنما يقال: «إذا طلعت الشمس أزورك». فإذا نستفيد من هذا أمران: الأمر الأول أن صياغة الشرط ب«إن» تفيد هذين المعنيين: المعنى الأول أنه يكون في الأمر غير المقطوع به؛ يعني غير المجزوم، إنما هو في الأمر الذي يشك في وقوعه. والثاني أنه يكون كذلك في أمر قد لا يقع؛ في أمر قد لا يقع. فإذا كان كذلك فإنه يؤتى ب«إن». ومع هذا فإن هذا المعنى له صيغة؛ هذه الصيغة ينبغي أن توافق كيفية الإتيان بها موافقة معنى «إن». فكما ذكر رحمه الله: الأفعال التي تقع، ولابد لا يعبر لها ب«إن» وإنما يعبر لها ب«إذا». فإذا عبر ب«إن» صار هذا لحنا، صار هذا لحنا، وكلاما خرج عن المعنى الفصيح. فليس التعبير بأي أداة من أدوات الشرط يجزئ، ولكن كل أداة لها كيفية في التعبير بها؛ هذا المعنى هذا أمر. والأمر الثاني كذلك أن يكون بالفعل المضارع. لماذا الفعل المضارع؟ لأنه هو الفعل الذي يحقق معنى الشك في وقوع هذا الفعل. كما مر: «أكافئك» و«أكذب»، كذلك «فأكرمه». قال: بخلاف «إذا» فتستعمل بحسب أصلها؛ قال: بخلاف «إذا» فتستعمل بحسب أصلها في كل ما يقطع المتكلم بوقوعه؛ يعني يجزم أو يجزم المتكلم في المستقبل. ومن أجل هذا لا تستعمل «إذا» إلا في الأحوال الكثيرة؛ كثيرة الوقوع، ويتلوها الماضي لدلالته على الوقوع والحصول قطعا. مثل قول الله عز وجل: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾. انظر هو في الأمر المقطوع به، مع أنه في أمر مستقبل لكن مقطوع به. وكذلك عبر به بالفعل الماضي. فإن قيل: «إن زلزلت الأرض زلزالها»، صار هذا خلاف الفصاحة من أمرين. ما هذان الأمران؟ هذان الأمران: الأول أنه استعمل مع الأمر المشكوك فيه. والثاني أنه يأتي بعده فعل مضارع. قال: كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾. قال: فلكون مجيء الحسنة عنده محققا ذكر هو والماضي مع «إذا». قال: وإنما كان ما ذكر محققا لأن المراد بها مطلق الحسنة. قوله: «فلكون مجيء الحسنة عنده محققا» ليس الأمر كذلك؛ لأن الآية في الحقيقة هي في قوم فرعون؛ فإنهم إذا جاءتهم حسنة قالوا: «هذه منا». وإذا جاءتهم السيئة قالوا: «هذه بسبب موسى ومن معه». فلكونهم يزعمون أن الحسنات كثيرة ومجيئها منهم محقق كما زعموا، عبر بها في «إذا» الذي يدل على التحقيق وكذلك الكثرة. ولما كان الشر كما زعموا يأتي من موسى، وهذا من تطيرهم عبروا له ب«إن». والله عز وجل أخبرنا بذلك عما قاله قوم فرعون عن موسى عليه الصلاة والسلام. قال: ذكر هو والماضي مع «إذا». وإنما كان ما ذكر محققا لأن المراد بها مطلق الحسنة الشامل لأنواع كثيرة من خصب ورخاء وكثرة أولاد، كما يفهم من التعريف بأل الجنسية في لفظ «الحسنة»؛ يعني تشمل كل ما يدخل تحت جنس الحسنة. قال: ولكون مجيء السيئة نادرا ذكر هو والمضارع مع «إن». وهذا واضح. فالمهم هو أراد يمثل رحمه الله بأن «إذا» و«إن» يعبر لكل واحد منهما بحسب ما سبقت الإشارة إليه من دلالة معناها. قال: وإنما كان ما ذكر نادرا لأن المراد بها نوع قليل، وهو جدب وبلاء، كما يفهم من التنكير في «سيئة» على التقليل. فهذا ما يفهم من صيغة التنكير. قال: «ولو» للشرط في الماضي مع الجزم والقطع بانتفائه. قال: فيلزم انتفاء الجزاء؛ يعني ومعناه أن «لو» لها فرق آخر عن هذين الفرقين بين «إن» و«إذا». وذلك أن «لو» للشرط في الماضي مع الجزم والقطع بانتفائه، فهو فيه جزم وقطع، لكن لما مضى. بخلاف «إذا» لما سيأتي. قال: فيلزم انتفاء الجزاء. ولهذا يعبر عنه بأنه حرف امتناع لامتناع؛ قال: على أن الجزاء كان يمكن أن يقع لو وجد الشرط. طيب هذا بالمعنى لا بالفعل. قال: ويجب كون جملتيها فعليتين ماضيتين، نحو: «لو أتقنت عملك لبلغت أملك». وتسمى «لو» حرف امتناع لامتناع؛ يعني امتنع الجزاء لامتناع الشرط. قال: كقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾؛ فهي لم تفسد لأن ما فيها إلا إله واحد وهو الله سبحانه وتعالى. قال: ونحو: «ولو شاء الله لهداكم أجمعين»، أي انتفت هدايته إياكم بسبب امتناع مشيئته لها. طيب لهنا، إن شاء الله. شكرا.