توجيهات تربوية  1

توجيهات تربوية 1

الدرس في توجيهات تربوية 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في أهمية الأخلاق

يُبرز أهمية الأخلاق والآداب في الإسلام مستشهدًا بالقرآن وسنة النبي، ويُظهر كيف كان الصحابة يهتمون بالأخلاق الحميدة. يُشدد على الصلة بين الأخلاق والإيمان.

عناية النبي بالأخلاق وتطبيقها

يبرز عناية النبي محمد بالأخلاق والآداب وتطبيقها عمليًا، ودعاؤه لتحسين أخلاقه والتعوذ من السيئ منها. يشير إلى أهمية الأخلاق في نيل العزة عند الله.

التخلق بأخلاق النبي وآثاره

يؤكد على وجوب التخلق بأخلاق النبي، مثل الرحمة والفضل والصدق، ويبين الفوائد التي يحصل عليها من يتحلى بالأخلاق الحميدة، مثل رفع درجات الإيمان ونيل الكرامات.

  • 23 جمادى الأولى 1430هـ - 17/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ تَكُونَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ مِنْ هَذَا الْوَقْتِ، كَمَا هُوَ مُعْلَنٌ، سَتَكُونُ دِرَاسَةٌ حَوْلَ بَعْضِ التَّوَجُّهَاتِ وَالنَّصَائِحِ التَّرْبَوِيَّةِ، وَالَّتِي نَحْنُ بِأَمْسِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا، سَوَاءٌ كَانَ الْمُتَكَلِّمُ أَوْ الْمُسْتَمِعُ. وَإِنَّ هَذَا الْبَابَ، عِبَادَ اللَّهِ، بَابُ الْآدَابِ وَالْأَخْلَاقِ، مِنْ أَعْظَمِ أَبْوَابِ الدِّينِ. وَإِنَّهُ مَنْ تَأَمَّلَ فِي هَذَا الْبَابِ، أَيْ بَابِ الْآدَابِ وَالْأَخْلَاقِ، عَلِمَ كَمْ هِيَ الْأَشْيَاءُ الَّتِي تُفْرِقُ رَأْيَهَا لِكَيْ تُبَيِّنَ بِعَظَمَةِ هَذَا الْبَابِ. فَبَابُ الْأَخْلَاقِ، عِبَادَ اللَّهِ، هَذَا الْبَابُ الَّذِي ذَكَرَهُ رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا، وَأَمَرَ بِهِ، وَذَلِكَ فِي الْفَتْرَةِ الْمَكِّيَّةِ، هَذِهِ الْفَتْرَةُ الَّتِي كَانَتْ مَعْرُوفَةً فِي تَأْسِيسِ الْعَقِيدَةِ وَالتَّوْحِيدِ، وَبِزَرْعِ مَبَادِئِ الْإِسْلَامِ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ. وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا كَانَ أَيْضًا يَزْرَعُ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ أَمْرَ الْأَخْلَاقِ وَالْآدَابِ. وَمَنْ تَأَمَّلَ فِي السُّوَرِ الْمَكِّيَّةِ، يَرَى أَنَّ رَبَّنَا جَلّ وَعَلَا، مَعَ ذِكْرِهِ لِمَبَادِئِ الِاعْتِقَادِ وَالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ، يَذْكُرُ أَيْضًا الْمَثَلَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْأَخْلَاقِ وَالْآدَابِ. وَمَنْ تَأَمَّلَ فِي كِتَابِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، يَرَى ذَلِكَ بَيَانًا وَاضِحًا. فَهَذِهِ سُورَةُ الْمُطَفِّفِينَ، الَّتِي يَقُولُ رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا فِيهَا: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ﴾، فَرَبَطَ رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا بَيْنَ هَذَا الْخُلُقِ الزَّمِيمِ، وَبَيْنَ الْإِيمَانِ بِالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ. وَهَكَذَا فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ، كَمَا الْأَخْلَاقِ الَّتِي أَمَرَ رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا بِهَا أَنْ نَتَخَلَّقَ بِهَا جَمِيعًا. وَهَكَذَا فِي سُنَّةِ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. فَنَبِيُّنَا، فِي خِلَالِ دَعْوَتِهِ فِي الْفَتْرَةِ الْمَكِّيَّةِ، كَانَ يَرْكِّزُ عَلَى أَمْرِ الِاعْتِقَادِ، وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ يُنَبِّهُ أَيْضًا عَلَى مَبَادِئِ الْأَخْلَاقِ وَالْآدَابِ وَالسُّلُوكِ. فَقَدْ جَاءَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ، عِنْدَمَا اسْتَدْعَاهُ هِرَقْلُ عَظِيمُ الرُّومِ، سَأَلَهُ عَنْ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَأْمُرُ بِعِبَادَةِ اللَّهِ، وَبِالصِّدْقِ، وَالصِّلَةِ، وَالْعَفَافِ. انْظُرُوا إخْوَانِي فِي اللَّهِ، يَأْمُرُ بِالْعَقِيدَةِ، وَكَذَلِكَ يَأْمُرُ بِالْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ، يَأْمُرُ بِعِبَادَةِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، وَهُوَ الْمُعْتَقَدُ، وَكَذَلِكَ يَأْمُرُ بِالصِّدْقِ وَالصِّلَةِ وَالْعَفَافِ. وَلِهَذَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ أَيْضًا، مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، أَنَّ أَبَا ذَرٍّ، حِينَمَا كَانَ مُشْرِكًا، قَالَ لِأَخِيهِ: يَا أَخِي، ارْكَبْ إلَى هَذَا الْوَادِي، وَاسْمَعْ مِنْ ذَاكَ الرَّجُلِ، يَعْنِي بِهِ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. فَرَجَعَ أَخُوهُ، وَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، لَقَدْ سَمِعْتُهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ. وَمَتَى كَانَ هَذَا؟ فِي الْفَتْرَةِ الْمَكِّيَّةِ، حِينَمَا كَانَ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يُغَرِّدُ فِي قُلُوبِ الصَّحَابَةِ الِاعْتِقَادَ، وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ الْأَخْلَاقَ وَالْآدَابَ. فَمَا أَحْوَجَنَا، عِبَادَ اللَّهِ، أَنْ نَهْتَمَّ بِهَذَا الْبَابِ، وَالَّذِي حِينَمَا اهْتَمَّ بِهِ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ، فَرَبُّوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى الْأَخْلَاقِ وَالْآدَابِ وَالسُّلُوكِيَّاتِ، حَتَّى أَنَّ أَحَدَهُمْ لَرُبَّمَا كَانَ يَفْعَلُ الْفِعْلَةَ فِي جَنْحِ الظَّلَامِ، لَا يَرَاهُ أَحَدٌ إلَّا اللَّهُ جَلّ وَعَلَا، فَيَخْرُجُ فِي النَّهَارِ، وَيَذْهَبُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ زَنَيْتُ، فَطَهِّرْنِي مِنْ الزِّنَا. وَهَكَذَا الْمَرْأَةُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِمَّنْ رَبَّتْ نَفْسَهَا عَلَى الْأَخْلَاقِ وَالْآدَابِ، تَقَعُ فِي الذَّنْبِ، ثُمَّ تَأْتِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، طَهِّرْنِي مِنْ الزِّنَا. مَا الَّذِي جَعَلَهُمْ يَأْتُونَ، وَيَكْشِفُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ؟ مَا ذَاكَ إلَّا لِمَا رَبُّوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى الْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ، وَعَلَى الْآدَابِ السَّدِيدَةِ، وَمِنْ ذَلِكَ الْأَدَبُ مَعَ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، حِينَمَا اسْتَشْعَرُوا بِمُرَاقَبَةِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا. أَدَّاهُمْ ذَلِكَ إلَى أَنْ يَعْتَرِفُوا بِذُنُوبِهِمْ، وَيَكْشِفُوا مَا فَعَلُوهُ مِنْ مَعَاصٍ. وَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَثَرِ الْأَخْلَاقِ، إذَا تَمَسَّكَ بِهَا صَاحِبُهَا. وَلِهَذَا، حِينَمَا كَانَ هَذَا حَالُهُمْ، ظَهَرَتْ مِنْهُمْ السِّيَادَةُ، وَظَهَرَتْ مِنْهُمْ الرِّيَادَةُ، وَكَذَلِكَ سَادَتْ الْأُمَمُ، وَسَادَتْ الشُّعُوبُ وَالْقَبَائِلُ، حِينَمَا طَبَّقُوا الْأَخْلَاقَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ. وَالْعَكْسُ بِالْعَكْسِ، حِينَمَا ظَهَرَتْ فِيَنَا الْأَخْلَاقُ الزَّمِيمَةُ، وَالْآدَابُ الْقَبِيحَةُ، اِكْثُرَ فِيَنَا الْوَهْنُ وَالذُّلُّ، وَالْبُعْدُ عَنْ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا. فَهَذَا، عِبَادَ اللَّهِ، يَدُلُّكُمْ عَلَى عِظَمِ هَذَا الْمَقَامِ. وَمِمَّا يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى عِظَمِ اعْتِنَاءِ الشَّرْعِ بِهَذَا الْبَابِ، أَنَّ نَبِيَّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، كَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ اعْتِنَاءً بِالتَّحَلِّي بِالْأَخْلَاقِ وَالْآدَابِ، حَتَّى أَنَّ رَبَّهُ جَلّ فِي عُلَا، زَكَّاهُ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. فَكَفَى بِشَهَادَةِ اللَّهِ شَهَادَةً عَلَى حُسْنِ خُلُقِ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. فَقَدْ ضَرَبَ لَنَا نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَرْوَعَ الْأَمْثِلَةِ فِي التَّحَلِّي بِالْأَخْلَاقِ وَالْآدَابِ، مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ، وَمِنَ الصِّدْقِ، وَكَذَلِكَ مِنْ الْكَرَمِ وَالشَّجَاعَةِ وَالنُّبْلِ وَالْوَفَاءِ بِالْعُقُودِ وَالْعُهُودِ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَخْلَاقِ. حَتَّى أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، حِينَمَا سُئِلَتْ عَنْ خُلُقِ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، قَالَتْ: «كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ». مَا مِنْ خُلُقٍ، مَا مِنْ أَدَبٍ، وُجِدَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، إلَّا قَامَ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَاعْتَنَى بِهِ، وَطَبَّقَهُ عَلَى نَفْسِهِ، حَتَّى أَصْبَحَ كَالْقُرْآنِ يَمْشِي بَيْنَ النَّاسِ. وَقَدْ جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، قَالَ أَنَسٌ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ». هَذَا حَالُهُ، هَذَا دَيْدَنُهُ، التَّحَلِّي بِالْأَخْلَاقِ، وَالتَّحَلِّي بِالْآدَابِ. هَذَا حَالُ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. فَكَيْفَ، عِبَادَ اللَّهِ، بِأَحْوَالِنَا نَحْنُ؟ لَوْ سُئِلْنَا عَنْ أَخْلَاقِنَا، عَنْ آدَابِنَا، بِمَاذَا نُجِيبُ؟ وَقَدْ كَثُرَ فِينَا مَا كَثُرَ مِنْ الْأَخْلَاقِ الْفَاسِدَةِ، مِنْ الْكَذِبِ وَالْبُخْلِ وَالشُّحِّ وَالْبَغْضَاءِ وَالْحِقْدِ وَالشَّحْنَاءِ وَالْحَسَدِ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَهَكَذَا، عِبَادَ اللَّهِ، بَلْ إنَّ نَبِيَّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، بَلَغَ بِاعْتِنَائِهِ بِأَمْرَادَابِ وَالْأَخْلَاقِ، أَنَّهُ يَلْتَجِئُ إلَى رَبِّهِ جَلّ فِي عُلَا، فَكَانَ يَقْرَأُ ﴿أَصْوَابَ السَّمَاءِ﴾، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَى رَبِّهِ، يَدْعُو رَبَّهُ جَلّ فِي عُلَا، لَا بِشَيْءٍ، يَدْعُو رَبَّهُ فِي أَنْ يَثَبِّتَهُ عَلَى هَذَا الْبَابِ، وَعَلَى هَذَا الْخُلُقِ. فَقَدْ ثَبَتَ فِي مُسْلِمٍ، مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، أَنَّ نَبِيَّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، كَانَ مِنْ دُعَائِهِ: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا، لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إلَّا أَنْتَ». هَذَا نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، يَدْعُو رَبَّهُ فِي أَنْ يَدُلَّهُ، وَيَهْدِيَهُ لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ، وَيَثَبِّتَهُ عَلَيْهَا، وَأَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ جَلّ فِي عُلَا بَعِيدًا، وَيَصْرِفَ عَنْهُ الْأَخْلَاقَ السَّيِّئَةَ. وَهَكَذَا ثَبَتَ فِي مُسْلِمٍ، وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا وَأَرْضَاهَا، أَنَّ نَبِيَّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، كَانَ مِنْ دُعَائِهِ: «اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْت خَلْقِي، فَحَسِّنْ خُلُقِي». «اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْت خَلْقِي، فَحَسِّنْ خُلُقِي». دُعَاءٌ، وَتَضَرُّعٌ مِنْ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، إلَى رَبِّهِ، إلَى خَالِقِهِ، فِي بَابٍ، لَا طَالَ مَا تَغَافَلَ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، فِي سُجُودِهِ، أَوْ فِي صَلَاتِهِ، أَوْ فِي قِيَامِهِ، أَوْ فِي خَلَوَاتِهِ مَعَ رَبِّهِ، يَدْعُو رَبَّهُ جَلّ فِي عُلَا، فِي أَنْ يَهْدِيَهُ، وَأَنْ يَدُلَّهُ، وَأَنْ يَثَبِّتَهُ عَلَى الْأَخْلَاقِ، وَأَنْ يُحَسِّنَ أَخْلَاقَهُ. الْقَلِيلُ مِنْهُ، يَا عِبَادَ اللَّهِ، مَنْ فَعَلَ هَذِهِ الْفِعْلَةَ. وَمَا ذَاكَ لِعَدَمِ اسْتِشْعَارِنَا بِعِظَمِ هَذَا الْبَابِ، وَبِعِظَمِ هَذَا الْمَقَامِ. وَثَبَتَ أَيْضًا فِي السُّنَنِ، وَفِي الصَّحِيحِ الْمُسْنَدِ لِشَيْخِنَا مُقْبِلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، أَنَّ نَبِيَّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، كَانَ مِنْ دُعَائِهِ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ وَالْأَهْوَاءِ». «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الْأَخْلَاقِ». يَتَعَوَّذُ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ، وَهُوَ مَاذَا؟ أَنْ يَكُونَ فِيهِ خُلُقٌ ذَمِيمٌ. فَكَانَ يَتَعَوَّذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ. «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الْأَخْلَاقِ». مَعْنَى ذَلِكَ، عِبَادَ اللَّهِ، الْأَخْلَاقُ وَالْآدَابُ، أَثَرُهَا عَظِيمٌ، وَفَضْلُهَا كَبِيرٌ عِنْدَ اللَّهِ جَلّ فِي عُلَا. السِّيَادَةُ، وَالرِّفْعَةُ، وَالْغَلَبَةُ، وَالْعُلُوُّ، مَا تَكُونُ إلَّا لِمَنْ صَبَرَ نَفْسَهُ عَلَى الْأَخْلَاقِ وَالْآدَابِ. فَقَدْ غَبَطَ فِي مُسْلِمٍ، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَا نَقَصَ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ، وَمَا تَوَاضَعَ تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إلَّا عِزًّا». الْعُلُوُّ وَالْعِزُّ لِمَنْ؟ يَا إخْوَانُ، تَكُونُ لِمَنْ رَبَّى نَفْسَهُ عَلَى الْأَخْلَاقِ وَالْآدَابِ. وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ. مَنْ صَبَرَ نَفْسَهُ عَلَى أَنَّهُ يُسَايِرُ الْخَلْقَ بِالتَّوَاضُعِ، وَخَضَعَ الْجَنَاحَ، مَا عِنْدَهُ كِبْرٌ، مَا عِنْدَهُ عُجْبٌ، مَا عِنْدَهُ غُرُورٌ، هَذَا الَّذِي يُبْتَلَى بِهَذِهِ الْأَمْرَاضِ، فَإِنَّ لَهُ الرِّفْعَةَ. إنَّ رِفْعَةَ اللَّهِ جَلّ فِي عُلَا، إنَّ الرِّفْعَةَ، يُعْطِيهَا رَبُّنَا جَلّ فِي عُلَا، لِمَنْ كَانَ مِنْ حَقِّهِ التَّوَاضُعُ. وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ. وَهَكَذَا الْعَفْوُ. «وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إلَّا عِزًّا». كُلَّمَا زَادَ الْعَبْدُ عَفْوًا، بِالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ وَالْإِحْسَانِ، عَنْ مَنْ ظَلَمَهُ، وَعَنْ مَنْ أَسَاءَ إلَيْهِ، فَإِنَّ اللَّهَ جَلّ فِي عُلَا، يُعْطِيهِ الْعِزَّةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَمَا كَذَلِكَ، عِبَادَ اللَّهِ، يَدُلُّكَ هَذَا الْأَمْرُ عَلَى أَنَّ مَنْ رَبَّى نَفْسَهُ عَلَى أَخْلَاقٍ وَآدَابٍ، فَإِنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ لَهُ الْغَلَبَةَ. أَمَّا مَنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ الْحِقْدُ وَالْحَسَدُ وَالشَّحْنَاءُ وَالْبَغْضَاءُ، وَحُبُّ الْعُلُوِّ فِي الْأَرْضِ، فَإِنَّ لَهُ هَذِهِ الرِّفْعَةَ، فَإِنَّ اللَّهَ جَلّ فِي عُلَا لَا يُعْطِيهِ مَا أَرَادَهُ، هَذَا الْمَخْذُولُ. وَكَذَلِكَ، عِبَادَ اللَّهِ، مِمَّا يَدُلُّهُ عَلَى عِظَمِ بَابِ الْأَخْلَاقِ، تِلْكَ الْفَضَائِلُ الَّتِي أَعَدَّهَا اللَّهُ جَلّ فِي عُلَا، فِي حَقِّ هَذَا، سَنَاءٌ وَكَرَامَاتٌ وَمَقَامَاتٌ، مَا أَعْطَاهَا اللَّهُ إلَّا مَنْ كَانَ عَلَى هَذَا الْمَنْوَالِ، صَبَرَ نَفْسَهُ عَلَى أَنْ يُمَاشِيَ الْخَلْقَ بِالْأَخْلَاقِ وَالْآدَابِ. فَمِنْ ذَلِكَ، أَنَّ مَنْ رَبَّى نَفْسَهُ عَلَى الْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ عُنْوَانٌ عَلَى كَمَالِ إيمَانِهِ. كُلَّمَا ازْدَادَ الْعَبْدُ فِي التَّحَلِّي بِالْأَخْلَاقِ، كُلَّمَا كَانَ ذَلِكَ عَلَامَةً عَلَى كَمَالِ إيمَانِهِ. وَإِنَّ الْعَبْدَ، كُلَّمَا ظَهَرَتْ فِيهِ، وَفَشَتْ فِيهِ الْأَخْلَاقُ الزَّمِيمَةُ، كَانَ ذَلِكَ عَلَى خَلَلٍ فِي إيمَانِهِ. فَقَدْ جَاءَ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إيمَانًا، أَحْسَنُهُمْ أَخْلَاقًا». «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إيمَانًا، أَحْسَنُهُمْ أَخْلَاقًا». فَإِذَا أَرَدْت يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَنْ تَعْرِفَ مِنْ نَفْسِكَ كَمَالَ الْإِيمَانِ، وَعُلُوَّ الْإِيمَانِ، فَانْظُرْ إلَى أَخْلَاقِكَ. فَإِنْ رَأَيْت مِنْ أَخْلَاقِكَ أَنَّ فِيهَا السَّدَادَ، وَفِيهَا مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ مِنْ تِلْكَ الْآدَابِ، فَاعْلَمْ أَنَّ ذَلِكَ عَلَامَةٌ عَلَى كَمَالِ إيمَانِكَ، وَأَنَّكَ تَرْتَقِي فِي دَرَجَاتِ الْإِيمَانِ. وَمَتَى مَا رَأَيْت أَنَّ فِي نَفْسِكَ مَاذَا؟ قَدْ تَرَبَّيْت وَنَشَأْت، أَوْ ظَهَرَتْ فِي أَخْلَاقِكَ، وَفِي فَلَتَاتِ لِسَانِكَ، مَا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ خُلُقِكَ، كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى ضَعْفِ إيمَانِكَ. قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إيمَانًا، أَحْسَنُهُمْ أَخْلَاقًا». «الْمُوطَّئُونَ أَكْنَافًا، الَّذِينَ يُؤْلِفُونَ وَيُؤْلَفُونَ، وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يُؤْلِفُ وَلَا يُؤْلَفُ». وَهَذِهِ مِنْ الْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ، أَنْك تُؤْلِفَ النَّاسَ، وَأَنْ يُؤْلِفَكَ النَّاسُ. وَبِالْمُقَابِلِ، إنَّ شَرَّ النَّاسِ، وَمِمَّنْ ضَعُفَ إيمَانُهُ، الَّذِي لَا يُؤْلِفُ، أَيْ لَا يُحِبُّ النَّاسَ، وَبِالْمُقَابِلِ فَإِنَّ النَّاسَ لَا يُحِبُّونَهُ. وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى ضَعْفِ إيمَانِهِ. وَهَكَذَا، عِبَادَ اللَّهِ، مِمَّا دَلَّكَ عَلَى أَهَمِّيَةِ الْأَخْلَاقِ، وَعَلَى مَنَاقِبِهَا، أَنَّ الْعَبْدَ لَرُبَّمَا يَتَحَصَّلُ عَلَى أَعْظَمِ مَقَامَاتِ الْجَنَّةِ، وَمَا ذَاكَ إلَّا إذَا رَبَّى نَفْسَهُ عَلَى الْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ. فَقَدْ جَاءَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أَنَا زَعِيمٌ»، وَمَعْنَى زَعِيمٌ، أَيْ ضَامِنٌ. «أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ»، أَيْ فِي أَسْفَلِ الْجَنَّةِ، «لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَأَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا، وَأَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسُنَ خُلُقُهُ». مَنْ حَسُنَ خُلُقُهُ، يَا إخْوَانُ، وَمَنْ رَبَّى نَفْسَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ جَلّ فِي عُلَا، يُجَازِيهِ بِأَعْظَمِ كَفَاءٍ، بِأَنْ يَجْعَلَهُ فِي أَعْلَى مَقَامَاتِ الْجَنَّةِ، وَأَعْظَمِ بُيُوتِ الْجَنَّةِ، مَنْزِلًا. بَلْ يَا عَبْدَ اللَّهِ، إنَّ الْعَبْدَ فِي الدُّنْيَا، لَرُبَّمَا إذَا صُدِبَ عَلَيْهِ بِالْقِيَامِ بِالْعِبَادَاتِ، مِنْ صَلَاةٍ، وَمِنْ صِيَامٍ، وَمِنْ قِيَامٍ، فَإِنَّ اللَّهَ جَلّ فِي عُلَا، بِفَضْلِ الْأَخْلَاقِ الَّتِي حَازَهَا فِي الدُّنْيَا، وَعَامَلَ النَّاسَ بِهَا، فَإِنَّ اللَّهَ جَلّ فِي عُلَا، يَجْعَلُهُ يَتَنَافَسُ مَعَ أَصْحَابِ الْمَقَامَاتِ الْعُلْيَا، وَالْعِبَادَاتِ الْعَظْمَى. فَقَدْ جَاءَ فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، مَا قَالَتْ: قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَدْرِكُ دَرَجَةَ الصَّائِمِ وَالْقَائِمِ بِحُسْنِ خُلُقِهِ». «إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَدْرِكُ دَرَجَةَ الصَّائِمِ وَالْقَائِمِ بِحُسْنِ خُلُقِهِ». الْوَاحِدُ مِنَّا، لَرُبَّمَا قَدْ يَسْتَقِلُّ عَلَيْهِ، أَوْ يَسْتَثْقِلُ عَلَيْهِ، لِأُمُورٍ تَكُونُ فِي الدُّنْيَا، مِنْ مَشَاغِلَ، أَوْ كَذَلِكَ مِنْ مَسْؤُولِيَّةٍ وَرِعَايَةٍ، فَيَسْتَقِلُّ عَلَيْهِ الصِّيَامُ أَوْ الْقِيَامُ، لَكِنْ لَا يَسْتَقِلُّ عَلَيْكَ، يَا عَبْدَ اللَّهِ، الْأَخْلَاقَ. فَإِنَّكَ بِالْخُلُقِ، تُنَافِسُ أَصْحَابَ الْمَقَامَاتِ الْعُلْيَا. «إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَدْرِكُ دَرَجَةَ الصَّائِمِ وَالْقَائِمِ بِحُسْنِ خُلُقِهِ». وَغَيْرُ ذَلِكَ، عِبَادَ اللَّهِ، وَالْفَوَائِزُ وَالْجَوَائِزُ وَالْمَنَاقِبُ وَالْكَرَامَاتُ فِي هَذَا الْبَابِ، كَثِيرَةٌ وَكَثِيرَةٌ جِدًّا. فَأَنْبَغِي، إخْوَانِي فِي اللَّهِ، أَنْ نَتَخَلَّقَ بِهَذَا الْبَابِ، أَيْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عُمُومًا، وَعَلَى طَلَبَةِ الْعِلْمِ خُصُوصًا، أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَحْرَصِ النَّاسِ عَلَى التَّتَبُّعِ لِأَخْلَاقِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فِي رَحْمَتِهِ، وَفَضْلِهِ، وَصِدْقِهِ، وَبِرِّهِ، وَصِلَتِهِ، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآدَابِ الَّتِي ثَبَتَتْ عَنْ نَبِيِّن