الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 131، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح الحديث أنواع الهداية وضرورة طلبها من الله، وتنقسم إلى هداية عامة إلى الإسلام وهداية خاصة إلى الطريق المستقيم. الهداية مطلب أساسي للعباد.
الهداية الخاصة تتمثل في الهداية إلى تفاصيل أحكام الإسلام بالعلم، والله غني عن طاعات العباد ولا تنفعه طاعاتهم ولا تضره معاصيهم. العبد ينتفع بطاعته لنفسه.
يبين المقطع عظيم فضل الله ورزقه، وأعمال العباد مرصودة عنده، ويبين جزاء الأعمال يوم القيامة حيث يجد العبد ثمرة أعماله إما خيرا أو شرا. يجب الحرص على الأعمال الصالحة.
على العبد أن يعمل أعمالا صالحة ويحذر من المعاصي ليكون من الناجين يوم القيامة، ويتحمل مسؤولية أفعاله ولا يلوم إلا نفسه كما في قول الله تعالى: «ومن وجد غير ذلك فلا يلوم إلا نفسه».
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فقد وقفنا في الدرس الماضي عند حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلت بينكم محرما فلا تظالموا، يا عبادي إنكم الذين تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب ولا أبالي، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم». وفي هذا بيان لفقر العباد إلى ربهم سبحانه وتعالى، وأن العباد يحتاجون إلى سعة رحمة الله جل وعلا وسعة عطائه ورزقه. فالذي يطعم ويسقي ويكسيه الله سبحانه وتعالى، إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين. قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله. فإذا كان الرزق بيد الله سبحانه وتعالى، وجب على العبد أن يطلب الرزق من الله عز وجل. والله عز وجل يحب ذلك من عبده، كما يحب أنه يدعوه ويطلب منه المغفرة. كذلك أيضا يحب الله جل وعلا من عبده أن يطلب منه الرزق، كما في هذا الحديث. فينبغي على العبد أن يقبل على طاعة الله سبحانه وتعالى ودعاء ربه سبحانه وتعالى، كما أنه يدعوه بالمغفرة والرحمة، فكذلك أيضا يدعوه في طلب الرزق. وأن الله جل وعلا يؤثر له رزقه، فالمعطي والمانع هو الله سبحانه وتعالى، هو الذي أعطى من أعطى من خلقه ومنع من خلقه، وفي ذلك حكم من الله سبحانه وتعالى. ومع ذلك، فلا يدل ذلك على أنك لا تدعو الله عز وجل، لا تدعوه وتطلب منه وتطرع إلى الله عز وجل أن يمن عليك من فضله. قال: «لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم» وجاء في رواية مسلم بعد قوله: «فاستكسوني أكسكم، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم». كلكم ضال إلا من هديته، أي أن جميع العباد على ضلالة إلا من هداه الله سبحانه وتعالى، ثم من أمر الله عز وجل عباده أن يطلبوا منه الهداية، فاستهدوني أهدكم، أي إذا طلبت من الله عز وجل أن يهديك، فإن الله سبحانه وتعالى يسر لك طرق الهداية. وكان النبي عليه الصلاة والسلام من دعائه في قيام الليل: «اهدني لمقتل فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم». وهل هذا ينافي ما جاء في الصحيح من حديث عياض بن حمار رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين». وهكذا أيضا مثل بهريرة: «كل مولود يولد على الفطرة». ففي هذين الحديثين بين النبي صلى الله عليه وسلم أن كل مولود يولد على الفطرة، يولد على فطرة الإسلام، وأن كل مولود يولد على الحنيفية، وهي الاستقامة على دين الإسلام والميل والبعد عن الشرك. وكيف في هذا الحديث يقول: «كلكم ضال إلا من هديته»؟ فالجواب أن الهداية هدايتان: هداية عامة وهداية خاصة. فالهداية العامة هي الهداية إلى أصل الإسلام، ومعرض والدخول في الإسلام جملة، فمن أتى بالشهادة وبأركان الإسلام فهو مسلم فهو مهتدي. وهداية خاصة وهي الهداية إلى تفاصيل أحكام الإسلام، وهي التي يتحصل عليها العبد بالعلم. كما قال الله جل وعلا مبينا أن الإنسان خلق على جهل: ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا﴾، فهذا هو الأصل في الإنسان أنه جاهل. وحملها الإنسان: ﴿إنه كان ظلوما جهولا﴾. وكما قال الله جل وعلا عن نبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿وجدك ضالا فهدى﴾، أي هداك للعلم الذي علمك من الإيمان والحكمة. كما قال سبحانه وتعالى: ﴿كذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا﴾. و﴿إنك لا تهدي إلى صراط مستقيم﴾. فليس بين الحديثين تنافي، فالإنسان يولد على الفطرة، ثم مع هدايته لما فطر عليه من الإسلام والإيمان، فإنه يحتاج أن يرفع عن نفسه الجهل، وذلك بتعلم تفاصيل الإسلام وأحكام الإسلام. قال: «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب عبد منكم لم يزد ذلك في ملكي شيئا، ولو كان على أفجر قلب رجل منكم أو رجل لم ينقص ذلك من ملكي شيئا». وهذا بيان لعظيم غنى الله سبحانه وتعالى عن عبده وعباده، فالله جل وعلا غني عن طاعاتنا وغني عن عباداتنا، لا يحتاج ربنا سبحانه وتعالى منا صلاتنا ولا زكاتنا ولا صومنا إلى آخر ذلك من الطاعات والعبادات. ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد﴾. فالله عز وجل الغني ما يحتاج، فلا تنفعه طاعات العباد، كما أنه لا تضره معاصيهم وذنوبهم. فلو اجتمع كل أهل الأرض وصاروا من الأتقياء والبررة والمطيعين لله سبحانه وتعالى، ما زاد ذلك في ملك الله جل وعلا شيئا. وهكذا العكس، لو كان جميع العباد على أفجر قلب رجل منهم، لو كانوا كلهم فجرة وكلهم فسقة وكلهم عاصين لله سبحانه وتعالى، فإن ذلك لا يضر الله عز وجل شيئا ولا ينقص من ملك الله جل وعلا شيئا. وبهذا يعلم العبد أن طاعته مما ينتفع بها لنفسه، فالطاعات والعبادات سبب لنجاة العبد من عذاب الله سبحانه وتعالى والسبب لدخول الجنة. كما قال الله جل وعلا: ﴿يا أيها الجنة أدخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾، أي بسبب ما كنتم تعملون. ولهذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن العبد يدخل الجنة برحمة الله سبحانه وتعالى لا بعمله: «اعلموا أنه لن ينجو منكم أحد بعمله»، أو «لن يدخل الجنة أحدكم بعمله». قال: «ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل». فالعبد يدخل الجنة برحمة الله سبحانه وتعالى، وأعماله لا تساوي هذه الجنة التي أعذها الله سبحانه وتعالى للمتقين، ولكنها سبب، الأعمال سبب لدخول الجنة، وإلا فالأصل أن الدخول الجنة هو برحمة الله سبحانه وتعالى. قال: «ولو اجتمعوا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان منهم ما سأل لم ينقص ذلك من ملكي شيئا إلا كما ينقص البحر أن يغمس فيه المخيط غمسة واحدة». وهذا بيان لعظيم فضل الله سبحانه وتعالى، وأن ما أعطى الله عز وجل من العباد من رزق ونعم فهو لم ينقص من ملك الله جل وعلا شيئا إلا كما يغمس المخيط في البحر، يعني إذا وضعت المخيط في البحر ثم رفعته، ماذا يأخذ من البحر؟ لا يأخذ شيئا ولا ينقص من البحر شيئا. فكذلك عطاء الله سبحانه وتعالى لعباده لا ينقص من ملك الله جل وعلا شيئا إلا كما يأخذ أو ينقص من المخيط إذا أدخل البحر. وهذا يدل على عظيم فضل الله سبحانه وتعالى ورزقه. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة: «يد الله ملآ لا يغيظها نفقة، سحاء الليل والنهار»، يعني لا ينقصها ما أنفق الله عز وجل أعطى لعباده الذين يدعونه ليلا ونهارا. «ألم تروا ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض؟ فإنه لم يغض ما في يمينه»، يعني لم ينقص مما عند الله سبحانه وتعالى شيئا. وهذا يدل كما سمعنا على عظيم ملك الله جل وعلا. قال: «يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه». وفي رواية مسلم: «يا عبادي إنما هي أعمالكم أجعلها عليكم، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلوم إلا نفسه». وفي هذا بيان أن أعمال العباد مرصودة عند الله سبحانه وتعالى، كما قال سبحانه: ﴿إن ربكم لبالمرصاد﴾. وهكذا أيضا الآيات الكثيرة التي فيها أن العبد يوم القيامة يأخذ كتابه كتاب أعماله إما بيمينه وإما بشماله: ﴿كل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا﴾. ﴿فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا ويصلى سعيرا﴾. فأعمال العباد موجودة عند الله سبحانه وتعالى، لا يخفى عليه سبحانه وتعالى شيء من أعمال عباده: ﴿إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء إن عليكم لحافظين كراماً كاتبين يعلمون ما تفعلون﴾. فهذه الأعمال التي يعملها العبد يجدها أو يجد ثمرتها يوم القيامة. ﴿إنما هي أعمالكم أجعلها لكم﴾، يعني ترصد له ثم يجدها يوم القيامة. فمن وجد خيرا فليحمد الله، إذا وجد خيرا أعمال طيبة وأعمال خيرة من طاعات وقربات وفعل لما أوجب الله سبحانه وتعالى من فرائض وواجبات وإتباع بعد ذلك بالنوافل والمستحبات، فإنه يجد ثمرة هذه الأعمال يوم القيامة فيأخذ كتابه بيمينه ويكون من الفائزين المفلحين. وهكذا بالعكس، ومن وجد غير ذلك، أي وجد أعمالا سيئة من معاصي وذنوب وارتكاب للمحرمات وترك للواجبات، فهذا يجد ثمرة هذه الأعمال يوم القيامة. ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، أي هو الذي فرط وهو الذي أوقع نفسه في هذه المهالك بسبب معصيته لله سبحانه وتعالى. فإذا علم ذلك العبد فينبغي عليه أن يحرص على أن يعمل أعمالا صالحة يجد ثمرتها يوم القيامة، وأن يحذر من المعاصي والذنوب أن تكون سببا في هلاكه وسببا كذلك في دخوله النار، وأن يكون من أهل السعير، ولا يلوم إلا نفسه، كما قاله ربنا سبحانه وتعالى: «ومن وجد غير ذلك فلا يلوم إلا نفسه».