التعليقات على كتاب الأدب المفرد 147

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 147، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

فضل الحب في الله وأثره على الأخوة

يتناول شرح حديث حول الحب في الله وأثره في دخول الجنة ورفع الدرجات، مع التركيز على أهمية نصح ونصر وستر الأخوان عند الخطأ. يشدد على قيمة هذه المحبة في تعزيز الروابط بين المسلمين.

أهمية القلب في صلاح الجوارح وعلاقته بالأخلاق

يشرح أهمية القلب في صلاح أو فساد الجوارح، حيث يعتبر مصدر العقل ومحرك الجوارح، ويبين تأثير الأخلاق الذميمة مثل الكبر على الجوارح. يشير إلى أن صلاح القلب يؤدي إلى صلاح الجوارح.

شرح معنى الكبر ومظاهره وآثاره السلبية

يفسر معنى الكبر بأنه سفه الحق وغمط الناس، ويوضح أن الكبر يؤدي إلى رفض الحق واحتقار الناس والتفاخر بالنسب والجاه. يشير إلى خطورة هذه الصفة على الفرد والمجتمع.

التوجيه النبوي بشأن الاعتزاز والتفاخر

يشرح نهج النبي عليه الصلاة والسلام في النهي عن التفاخر بالآباء والأجداد والأمر بالاعتزاز بالتقوى والإسلام. يبين أن الكرامة عند الله تكون بالتقوى لا بالانتساب أو الجاه.

  • 23 جمادى الأولى 1430هـ - 17/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: حدثنا المقرئ، قال: حدثنا عبد الرحمن، عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أحب أخا لله في الله، قال: إني أحبك لله، فدخل جميعا الجنة، كان الذي أحب في الله أرفع درجة لحبه على الذي أحبه له». وهذا الحديث ضعيف بسبب عبد الرحمن، وهو ابن زياد الإفريقي، وهو ضعيف. والقسم الأول من الحديث يشهد له ما مر من الأحاديث: «من أحب أخا لله في الله، قال: إني أحبك لله». فهذا يشهد له لحديث أنس والمقدام بن معدي كرب. وقوله: «فدخل جميعا الجنة» يشهد له قول النبي عليه الصلاة والسلام: «المتحابون في جلالي على منابر من نور، يغبطهم النبيون والشهداء». ومعنى ذلك أن كلاهما يدخل الجنة. وأيضا حديث أبي هريرة: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»، ذكر منهما: «رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وافترقا عليه»، فدل ذلك على أنهما يدخلان الجنة. وفي هذا بيان فضل الحب في الله والتحاب لأجل الله سبحانه وتعالى. وقوله: «كان الذي أحب في الله أرفع درجة لحبه على الذي أحبه له»، هذا الذي هو ضعيف يحتاج إلى ما يشهد له. ومعنى أن الذي أحب في الله وأخبر صاحبه أنه يحبه في الله، كانت منزلته أعلى وأرفع من الآخر. فينبغي على المسلم أن يحرص على إبقاء هذه المحبة التي بينه وبين أخيه على دوامها واستمرارها وبقائها. وإن من المحبة في الله عز وجل وصدق هذه المحبة أنه يكون عونا لأخيه. فإذا رأى أنه قصر في فعل خير، فإنه ينصحه ويحثه. وإذا أذنب، فإنه كذلك ينصحه ويأمره بالتوبة. وهكذا يكون عونا له. وإذا أراد أن يعمل شيئا، فيعينه. وإذا حصلت منه زلة، فإنه كذلك يقف بجانبه وينصره، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما». قال: «يا رسول الله، نصره إذا كان مظلوما، فكيف إذا كان ظالما؟ قال: تحجزه عن الظلم، فإن ذلك نصره». فمن نصرتك لأخيك أن تحجزه عن الظلم إذا أذنب أو وقع في ذنب، فإنك تمنعه من هذا الذنب وتحجزه عن الذنب والاستمرار فيه، فهذا من نصرتك لأخيك. وليس من الأخوة أنك تتركه وأنت تراه على الخطأ لا تنصحه ولا تبين له. فليس هذا مما ينبغي أن يكون بين الإخوة. وإن زل وهو على خير واستقامة -يعني معروفا بالخير والاستقامة- فينبغي أن تستره، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من ستر مسلما في الدنيا ستره الله يوم القيامة». فإنه بشر غير معصوم من الخطأ والزلل، فإذا حصل منه شيء فتستره مع النصيحة له بترك ما وقع فيه من خطأ. قال: باب العقل في القلب. قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم، قال: أخبرنا محمد بن مسلم، قال: أخبرني عمرو بن دينار، عن ابن شهاب، عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح، عن علي رضي الله عنه أنه سمعه بصفين يقول: «إن العقل في القلب، والرحمة في الكبد، والرأفة في الطحال، والنفس في الرئة». والأثر حسن. هذا الأثر بوب عليه الإمام البخاري رحمه الله بقوله: باب العقل في القلب، يعني أن موضع العقل هو في القلب، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾. وأراد بذلك رحمه الله أن يبين أن ما يصدر من الإنسان من أفعال أو أقوال من خير أو شر، فمرجعها إلى القلب. إذا صلح القلب صلحت الجوارح، وإذا فسد القلب فسدت الجوارح. ولهذا ذكر هذا الأثر الذي فيه هذا المعنى، كما قال المناوي رحمه الله في فيض القدير: «هذا مثل لبيان أن العقل هو كالملك، وبقية الجوارح هي كالجنود لهذا الملك. فإن صلح الملك صلحت الجنود، وإن فسد الملك فسدت الجنود». وهكذا الجوارح مع القلب، إذا كان الإنسان يعقل بقلبه ويحسن التصرف ويضع الأمور في مواضعها، فإن جوارحه تصلح. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». فالقلب إذا صلح صلح جميع الجوارح، لأن الجوارح لا تتصرف في شيء إلا عن طريق القلب. فإذا أراد أن ينظر إلى شيء، فإن هذا النظر يصدر بأمر من القلب. وإذا أراد أن يسمع شيئا، فإنه يصدر من القلب. وإذا أراد أن يمشي إلى مكان، فإن هذا المشي يصدر من القلب. وهكذا سائر الأفعال والأقوال كلها تصدر من القلب، فهو المحرك لهذه الجوارح. فإذا كان كذلك، فينبغي على المسلم أن يحرص على قلبه وأن يحسن التصرف بعقله، وأن يعلم أن صلاح قلبه في صلاح الجوارح، وأن فساد قلبه فيه فساد الجوارح. فلهذا ينبغي له أن يحرص على هذا القلب. ولهذا ذكر رحمه الله بعد هذا الباب باب الكبر، لأن الكبر وغيره من الأخلاق الذميمة تصدر من القلب، فتحصل آثارها في الجوارح. قال رحمه الله: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن الصقعب بن زهير، عن زيد بن أسلم، قال: لا أعلمه إلا عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمر، قال: كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رجل من أهل البادية عليه جبة سيجان -قال المعلق: جمع ساج، الطيلسان الأخضر، وهو والله أعلم نوع من أنواع الحرير- قال: حتى قام على رأس النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «إن صاحبكم قد وضع كل فارس أو قال: يريد أن يضع كل فارس ويرفع كل راع». فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بمجامع جبته، قال: «لا أرى عليك لباس من لا يعقل، ألا أرى عليك لباس من لا يعقل -ألا للتنبيه- يعني ما أرى عليك لباس من لا يعقل». ثم قال: «إن نبي الله نوحا صلى الله عليه وسلم لما حضرته الوفاة، قال لابنه: إني قاص عليك الوصية، أمرك بلا إله إلا الله، فإن السماوات السبع والأراضين السبع لو وضعن في كفة، ووضعت لا إله إلا الله في كفة، لرجحت بهن. ولو أن السماوات السبع والأراضين السبع كن حلقة مبهمة لقصمتهن لا إله إلا الله وسبحان الله وبحمده، فإنها صلاة كل شيء وبها يرزق كل شيء. وأنهاك عن الشرك والكبر». فقلت أو قيل: «يا رسول الله، هذا الشرك قد عرفناه، فما الكبر؟ قال: هو أن يكون لأحدنا حلة يلبسها، قال: لا. قال: فهو أن يكون لأحدنا نعلان حسنتان لهما شراكان حسنان، قال: لا. قال: فهو أن يكون لأحدنا دابة يركبها، قال: لا. قال: فهو أن يكون لأحدنا أصحاب يجلسون إليه، قال: لا. قال: يا رسول الله، فما الكبر؟ قال: «سفه الحق وغمط الناس». وحدثنا عبد الله بن مسلمة، قال: حدثنا عبد العزيز، عن زيد بن عبد الله بن عمر، أنه قال: «يا رسول الله، أمن الكبر نحوه» -يعني نحو مرة بالحديث-. والحديث صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله في الصحيحة. وهذا الحديث كما سمعنا أراد الإمام البخاري رحمه الله أن يستدل به على بيان معنى الكبر، وأن الكبر هو: سفه الحق وغمط الناس. ومعنى سفه الحق: يعني عدم الاهتمام به والسخرية به والاستخفاف بالحق. فإن هذا لا يصدر إلا ممن كان متكبرا. تأتيه بالحق فلا يقبله ويرده ويستهزئ به، ويرى أنه أرفع منه، هذا هو شأن المتكبر. ولهذا كان كل من رد الحق وظل عن الحق فهو من أهل الكبر. انظروا فرعون الطاغية لما جاءه موسى بالحق رده تكبرا وكبرا، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾. بسبب الكبر رد الحق، ويعلم في قرارة نفسه أن موسى على حق، وأن الله عز وجل هو الإله الحق الذي ينبغي أن يعبد. ومع ذلك من أجل الكبر أنكر وجود الله عز وجل: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾. ولما حضره الموت قال: ﴿آمَنْتُ بِالَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. وهذا دليل لأنه ما قال ذلك إلا كبرا. وكذا سائر الطغاة وسائر الكفرة والملحدين، وهكذا سائر من رد الحق، فإنه يرده بسبب الكبر. فهذا من صفات المتكبرين أنهم لا يقبلون الحق. وهكذا أيضا غمط الناس: يعني استحقارهم، وكذلك ازدراءهم، ويرى أنه أرفع منهم وأنه أعلى منهم، هذا من خلق أهل الكبر. تجد بعض الناس يتفاخر بأنه من قبيلة كذا أو من نسب كذا، وأنه أرفع من تلك القبيلة، هذا كله من فقر الجاهلية ومن كبر أهل الجاهلية. والنبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن هذا الخلق لا يزال في أهل الإسلام، وهو الفخر بالأحساب. وهكذا أيضا التفاخر بالآباء والأجداد، وهذا مما نهى عنه الإسلام. وأمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يذل من كان يفتخر ويعتز بآبائه وأجداده، كما قال عليه الصلاة والسلام: «من رأيتموه يتعزى بعزاء الجاهلية فأعظموهم بهن أبيه»، ولا تكن كما جاء في سنن الترمذي وغيره من حديث أبي كعب رضي الله تعالى عنه. وهذا لكي يعرف حقارة هذا الأمر الذي يفتخر به. وإنما يفتخر المسلم بإسلامه أو بدينه، ولا فرق بين عربي وأعجمي ولا أسود ولا أبيض إلا بالتقوى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. فغمط الناس واستحقارهم هذا من خلق أهل الكبر. نقف إن شاء الله هنا ونكمل في درس قادم. الله تعالى أعلم.