ستة مواضع من السيرة 5

الدرس في ستة مواضع من السيرة 5، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

أول ما بُعث به النبي ﷺ من النهي عن الشرك وهجر الأصنام

تناول الشارح تفسير آيات المدثر الأولى مبينًا أن الرجز تعني الأصنام وأن هجرها أول نهي في الإسلام، مما يدل على خطورة الشرك. كما أكد أن الدعوة تتطلب صبرًا عظيمًا لمواجهة المعارضات مستدلًا بآيات المزمل.

بطلان الأعمال الصالحة مع الشرك ووجوب العناية بالتوحيد

أوضح المقطع أن أعمال الجاهلية الصالحة كالحج والصدقة بطلت لاختلاطها بالشرك وفقدان التوحيد كما دلت الآيات. وحذر من الوقوع في الشرك ظانًا أنه تقرب، مؤكدًا وجوب العناية بالعقيدة لتجنب الضلال.

أهمية المواظبة على دراسة التوحيد والعقيدة مدى الحياة

أكد المقطع ضرورة استمرار المسلم وطالب العلم في دراسة التوحيد يوميًا وعدم الاكتفاء بمرة واحدة للنسيان والغفلة. وحذر من تهوين الحزبيين للعقيدة مبينًا أن شرك المشركين كان عبادة الوسائط لتقريبهم إلى الله.

ختم الدرس وتأجيل المسائل المتبقية

أشار المحاضر إلى بقاء بعض المسائل في هذا الموضع وقرر تأجيلها إلى الدرس القادم. واختتم الجلسة بقوله: إلى هنا والله تعالى أعلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، وصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الشارح الشيخ الفوزان حفظه الله تعالى في شرحه للموضع الأول من المواضع الستة التي أراد ذكرها والتنبيه عليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: قال الشارح: "والرجز الأصنام"، يعني في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ﴾. فهذه الآيات أول ما أرسل بها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأراد الشارح أن يفسر هذه الكلمات، فقال: "الرجز هي الأصنام، الرجز هي الأصنام". قال: هذا محل الشاهد؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ﴾، قال: "وهجرها تركها والابتعاد عنها". قال: ﴿ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ﴾، لا بد من الصبر؛ لأن المهمة ثقيلة جدًا وطويلة، وتحتاج إلى صبر. وهذا كقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا ﴾. فأوصاه الله سبحانه وتعالى بالصبر بعد ذكر التبليغ والدعوة، وهذا فيه أن التبليغ والدعوة تحتاج إلى صبر؛ لأن هذه المهمة ثقيلة جدًا، فيواجه صاحبها من المشاق ومن المصاعب، ويواجه كذلك الداعي لله عز وجل من يعانده ومن يعارضه ومن يؤذيه، وإلى غير ذلك، فلا بد للداعية إلى الله عز وجل من صبر. فلذلك بعدما أمر الله سبحانه وتعالى نبيه أن يهجر الأصنام، أن يتركها ويبتعد عنها، أمره بالصبر. قال: ﴿ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ﴾. قال: هذا أول ما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم بالنهي عن الشرك، وهذا هو موطن وموضع الشاهد من ذكر هذه الآيات ومن ذكر هذا الموضع. فأول ما بعث به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من النواهي أن ينهى عن الشرك، أن ينهى عن الشرك. فهذا يدل على ماذا؟ يدل على خطورة الشرك بالله سبحانه وتعالى، يدل على خطورة الشرك بالله سبحانه وتعالى؛ إذ لو لم يكن خطيرًا لنهى عن غيره في أول الأمر، فدل ذلك على أن الابتداء في أن ينهى عن الشرك دليل على خطره، دليل على خطره. قال: أول شيء أمره بأن ينهى عن الشرك، ﴿ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ﴾، وعرفنا معنى الرجز وهو الأصنام. قال: ﴿ قُمْ فَأَنذِرْ ﴾، انظر الآيات الأولى أيضًا لها تعلق بهذه الآية ﴿ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ﴾، فقوله تعالى: ﴿ قُمْ فَأَنذِرْ ﴾، قال الشارح: "أنذر عن ماذا؟" يعني: ما هو الشيء الذي تنذر منه؟ قال: "أنذر الناس عن الشرك وعبادة الأصنام، أنذرهم عنها". انظر، فهذه الآيات كلها فيها دعوة إلى التوحيد وتحذير من الشرك، دعوة إلى التوحيد وتحذير من الشرك. فقوله تعالى: ﴿ قُمْ فَأَنذِرْ ﴾، أي: أنذر الناس عن الشرك وعبادة الأصنام، وادعوهم إلى عبادة الله. قال: أول شيء أنه أمر بالإنذار وأمر بهجر الأصنام وتركها، مما يدل على خطورة الشرك. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب أيضًا في هذا الموضع: قال: "فإذا فهمت أنهم يفعلون أشياء كثيرة يعرفون أنها من الظلم والعدوان"، يعني أن مشركي العرب كانوا يعملون منكرات ويعملون كذلك مخالفات كثيرة، ليس الشرك وحده، فقال: "يعرفون أنها من الظلم والعدوان، مثل الزنا". وعرفت أيضًا أنهم يفعلون شيئًا من العبادة يتقربون بها إلى الله، مثل الحج والعمرة والصدقة على المساكين والإحسان إليهم، وغير ذلك. وهذا كله مما كان عليه أحوال الناس قبل مبعث النبي عليه الصلاة والسلام. وأول مبعثه كان القوم عندهم ظلم وعدوان، مثل الزنا، هذا ظلم وعدوان، والربا عندهم، الربا، وعندهم قتل النفس التي حرم الله، وعندهم كذلك غير ذلك من الكبائر، من كبائر الذنوب. وأيضًا عندهم بعض الأعمال الصالحة، عندهم بعض الأعمال الصالحة، فمنهم من كان يحج، والحج على ما كان عليه من قبل ليس على ما جاء في شريعة الله عز وجل، فكانوا يطوفون عُراة، وكانوا يشركون في حجهم، وإلى غير ذلك من الأمور التي كانوا عليها وهم يريدون بذلك التقرب، وكذلك العمرة والصدقة والإحسان، كان هذا من أحوالهم. قال الشارح عند قوله: "مثل الزنا": قال: "هؤلاء أهل الجاهلية كانوا يمارسون القبائح، الزنا والربا والكبائر". وقال عند قوله: "والإحسان إليهم وغير ذلك": قال: "ومع هذا عندهم بقايا من دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام، كانوا يحجون ويعتمرون، وكانوا يتصدقون على المحتاجين". هذه الأفعال طيبة، لكن ليس معها توحيد، والعمل إن كان عملًا طيبًا إذا لم يكن معه توحيد فإنه لا يفيد صاحبه، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾، وكما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾، وكما قال تعالى: ﴿ وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا ﴾؛ لأنه يفقد التوحيد، يفقد التوحيد. فهذا إحسانهم وصدقتهم ومع شركهم بالله عز وجل لا يغني عنهم شيئًا، لا يغني عنهم شيئًا. قالوا: يعملون أعمالًا سيئة إلى جانب هذه الأعمال الطيبة، يعني خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، وصالحًا، يعني ليس معنى أنه خالصًا من الشرك، يعني عمل ظاهره الخير لكن فقد التوحيد. قالوا: يعملون أعمالًا سيئة إلى جانب هذه الأعمال الطيبة، يعملون أعمالًا سيئة أعظمها الشرك، يفعلون الزنى ويأكلون الربا ويأكلون الميسر، وهذه كبائر، لكن أعظمها الشرك، من عبادة الأصنام وغيرها. قالوا: يتقربون بها إلى الله، يتقربون بهذا الشرك إلى الله من جهلهم، يقولون: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾، هذه هي حجتهم، وهذه هي شبهتهم. أقرّوا أنهم يتعبدون، وأن هذا الأمر الذي يظنون أنه عبادة يظنون أنه يقربهم إلى الله زلفى. فقال الشارح: "انظر كيف يفعل الجهل بأصحابه، يجعل الحق باطلًا والباطل حقًا، يجعلون الشرك توحيدًا وتقربًا إلى الله عز وجل". وكما تقدم أن الله سبحانه وتعالى سماه شركًا، فنزه نفسه عن ذلك، سبحانه وتعالى عما يشركون، فسماه شركًا، سبحانه وتعالى. قال: وهذا يعطيك وجوب الاهتمام بأمر العقيدة وأمر التوحيد والفقه في ذلك. وهذا قد تقدم معنا أن الإنسان قد يقع في أمر أو في ماذا؟ طريق من طرق الشرك، ويظن أنه توحيد، ويظن أنه يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بهذه العبادة، كما هو فعل بعض الجهلة من عباد القبور وغيرهم، ربما طافوا بالقبور معتقدين أن هذا مما يقربهم إلى الله، ربما ذبحوا لغير الله ظانين أن هذا مما يقربهم إلى الله، ربما استغاثوا بالنبي عليه الصلاة والسلام، وهكذا توسلوا بالنبي عليه الصلاة والسلام، ظانين أن ذلك يقربهم إلى الله، وأن ذلك من عبادتهم لله. وهذا هو واقع غالب هؤلاء الجهلة. فهذا يعطيك وجوب الاهتمام بأمر العقيدة، ولا تقول كما نسمع من بعض الناس، وللأسف ربما نسمع ذلك من بعض طلاب العلم، أنه يقول: "كم ندرس العقيدة وكم ندرس التوحيد؟ يكفي أنك تدرس مرة الكتاب، تدرسه مرة فقط أو مرتين، ويكفي". يقول: "لا، التوحيد درسه في كل يوم من أيام حياتك إلى أن تلقى الله سبحانه وتعالى، لا تقطع عمر التوحيد، لا تقطع عمر التوحيد، احرص على أن يكون لك أقل ما في الأمر في اليوم درس من دروس التوحيد والعقيدة، من دروس التوحيد والعقيدة، ودروس التوحيد والعقيدة لا يكون فيها ملل ولا يكون فيها تكرار". لماذا؟ لأن أولًا: لأمور، الأمر الأول: إذا درست ربما تنسى بعض المسائل، وربما تغفل عن بعض المسائل، فالدراسة الأخرى تذكرك ما قد نسيت، هذا أمر. الأمر الثاني: أن الفوائد التي تلقى عليك في الدرس الأول ربما تختلف، ويكون هناك نوع من الزيادة في الفوائد في الدرس الآخر، في الدرس الآخر. فليس بعيب وليس بمنقص أن تدرس كتابًا ولو عشرين مرة من كتب التوحيد ومن كتب العقيدة. وهذا ما عليه العلماء، يخبرنا الشيخ عبد الله مرعي حفظه الله تعالى شيخنا أن العلماء الذين درس عندهم ما تخلو مجالسهم من درس في التوحيد، من درس في التوحيد وفي العقيدة، وهكذا يستمرون على ذلك طيلة الزمن وطيلة الأيام، ما يقطعون دروس التوحيد ودروس العقيدة؛ لأنه مهم جدًا للمسلم ولطالب العلم على وجه الخصوص. فلا تستهن بأمر العقيدة والتوحيد، استمر. وإذا فتح درس لا تقول: "أنا قد درست هذا الدرس، وأنا قد هضمت هذا الكتاب"، المسألة ليست مسألة هضم متن، أو كذلك حفظ متن، أو كذلك فهم بعض العبارات، وإنما المسألة ما يكون في قلب المؤمن من أمر العقيدة، وما كذلك يكون فيه تثبيت للمعلومات التي تتعلق بأمر التوحيد وأمر العقيدة. فهذا أمر مهم جدًا، والحمد لله في هذه الدار من فضل الله مستمرة دروس التوحيد ودروس العقيدة، ستجد ذلك في الدروس العامة وفي الدروس الخاصة، وهذا هو من أصل دعوة أهل السنة والجماعة الاهتمام بأمر التوحيد. لا نقول مثل ما يقول الحزبيون: "يكفي أن تدرس التوحيد في عشر دقائق أو في ساعة أو في شيء من هذه العبارات"، هذا من التهوين في أمر العقيدة، العقيدة تدرس على مدى الزمن، تدرس على مدى الزمن؛ لأنها الأصل الأصيل في هذا الدين، فينبغي أن نهتم بهذا الأمر. ولذلك يقول الشيخ: "وهذا يعطيك وجوب الاهتمام بأمر العقيدة وأمر التوحيد والفقه في ذلك"، الفقه في أمر التوحيد وأمر العقيدة. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "وأجلها عندهم الشرك، فهو أجل ما يتقربون به إلى الله عندهم"، يعني عند القوم، عند المشركين، كان من أجل العبادات عندهم هذا الأمر، ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾، هم يظنون أنه قرب وعبادة، وهو في الحقيقة شرك بنص كتاب الله، فإن الله عز وجل سماه شركًا، فقال في آخر الآية: ﴿ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾، فنزه نفسه وسماه شركًا. قال: كما ذكر الله عنهم أنهم قالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾، ويقولون: ﴿ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ ﴾. قال الشارح: اعترفوا أنهم يعبدونهم حيث قالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ ﴾، لكن يقولون: "ما قصدنا بهذه العبادة إلا أنهم يقربوننا إلى الله"، ويظنون أن هذا عمل طيب، أن هذا عمل طيب؛ لأنه تعظيم لله وإجلال لله، حيث إنهم يقربوننا إليه لأننا نصل إليه إلا بعبادتهم، فهم يقربوننا إلى الله لأنهم صالحون، وهم يعنون الملائكة، ويعنون الأنبياء، مثل عيسى عليه الصلاة والسلام، يتخذونهم وسائط بينهم وبين الله ليقربوهم إلى الله زلفى. وهذا قلنا شبهة القوم، وهو من الشرك بالله سبحانه وتعالى، وظنوه توحيدًا. وبقيت مسائل في هذا الموضع، إن شاء الله نتركها إلى الدرس القادم. إلى هنا والله تعالى أعلم.