ستة مواضع من السيرة 4

الدرس في ستة مواضع من السيرة 4، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

قصة نزول الوحي في غار حراء وبداية النبوة

كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعبد في غار حراء على ملة إبراهيم، فأتاه الملك وأمره بالقراءة ثلاث مرات مع تضمه حتى نزل عليه أول الوحي بخمس آيات من سورة العلق، فصار بذلك نبياً مرسلاً. ويُعد هذا الموضع الأول من رسالة "ستة مواضع من السيرة" الذي يشرح بداية البعثة النبوية الشريفة.

طمأنة خديجة للنبي وتصديق ورقة بن نوفل

عاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى خديجة رضي الله عنها مرتعداً من هول ما رأى، فطمأنته واستدلت بأخلاقه الكريمة وصلته للرحم على أن الله لا يخزيه، فكانت أول من آمن به ونصره. ثم انطلق بها إلى ورقة بن نوفل الذي صدقه وأخبره أنه الناموس الذي نزل على موسى.

فترة الوحي ونزول سورة المدثر والفرق بين النبي والرسول

بعد فترة انقطاع الوحي، نزل على النبي صلى الله عليه وسلم سورة المدثر آمراً إياه بالإنذار والتبليغ فصار بذلك رسولاً. ويناقش الدرس قول الجمهور في الفرق بين النبي والرسول، ويرد قول شيخ الإسلام ابن تيمية المخالف في ذلك، مع الإشارة إلى تأجيل تفسير آيات المدثر للدرس القادم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وبعد: قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في رسالته "ستة مواضع من السيرة": وبعد المقدمة قال: الموضع الأول: قصة نزول الوحي. وفيها أن أول آية أرسله الله بها: ﴿ يا أيها المدثر قم فأنذر ﴾ إلى قوله: ﴿ وربك فاصبر ﴾. وهذا الحديث -حديث قصة نزول الوحي- في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها. قال الشارح الشيخ الفوزان حفظه الله تعالى: قال: الموضع الأول: قصة نزول الوحي، أي: بدء الوحي على الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: كان صلى الله عليه وسلم قبل البعثة مخالفًا لما عليه المشركون، لم يعبد الأصنام، وكان مخالفًا لما عليه قومه، وهذا من عصمة الله سبحانه وتعالى له قبل البعثة. فلم يسجد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لصنم، ولم يذبح لغير الله، ولم يشرك بالله سبحانه وتعالى شيئًا قبل البعثة ولا بعدها، وهذا من عصمة الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: فكان يذهب إلى غار جبل حراء، وهو غار في أعلى الجبل مواجه للكعبة، فكان يجلس فيه الأيام والأشهر. وهذا كله في حديث عائشة، ما سيذكره الشيخ هو ما ورد في حديث عائشة. قال: فكان يجلس فيه الأيام والأشهر يعبد الله سبحانه وتعالى، ويعتزل عن الناس، يعبد الله عز وجل على دين إبراهيم، على الحنيفية، دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام، لأن كانت الشريعة الحق قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم هي ملة إبراهيم الحنيفية السمحة. قال: جاءه ملك وهو في الغار، فقال له: «اقرأ». قال: «ما أنا بقارئ»، لأنه ما كان يقرأ عليه الصلاة والسلام، كما قال تعالى: ﴿ وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك ﴾. كان أميًا عليه الصلاة والسلام لا يقرأ ولا يكتب، والملك يقول له: «اقرأ»، وهو يقول: «لست بقارئ»، يعني: لا أحسن القراءة. يعني: ليس معنى قوله عليه الصلاة والسلام: «لست بقارئ» المعاندة والإباء، وإنما المراد: «لست بقارئ» يعني: ما أحسن القراءة، ولا أعرف القراءة، أنا لست من القراء حتى أقرأ. فقال: «لست بقارئ». قال: ثم يضمه ضمة شديدة، ثم يرسله، ويقول له: «اقرأ». وهذا لا شك أنه موقف رهيب ما قد حدث للنبي صلى الله عليه وعلى وسلم قبل ذلك. تصور النبي صلى الله عليه وعلى وسلم معتزلًا لذلكم الغار، ليس عنده أحد، فيأتيه ذلكم الملك، وفي هذه العزلة، وفي هذا الانفراد، لا شك أنه منظر صعب ورهيب. ومع هذا، لما يقول الملك للنبي صلى الله عليه وسلم: «اقرأ»، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لست بقارئ»، يضمه ضمة شديدة، لا شك أن هذا أعظم، ثم يرسله، يعني: يفكه، يضمه ويفكه، قال: ويقول له: «اقرأ»، فيقول: «ما أنا بقارئ»، ثم يضمه ضمة شديدة، ثم يرسله، ويقول له: «اقرأ»، فيقول: «ما أنا بقارئ»، يعني: ثلاث مرات، ورد في حديث عائشة: ثلاث مرات، أي: ما أحسن القراءة. ثم في النهاية قال له: ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم ﴾. خمس آيات من أول هذه السورة. قال: فحفظها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا أول ما نزل عليه من الوحي، وصار بذلك نبيًا. نبأه الله بـ «اقرأ». فأول ما نزل من القرآن هي هذه الخمس الآيات، هذه الخمس الآيات من هذه السورة، فحفظها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهي سورة العلق، فحفظها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هذه الخمس الآيات. ولذلك يقال: نبئ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بـ «اقرأ»، يعني: أول ما صار نبيًا، أول ما أنزل عليه، ولم يكن في هذه الآيات أمر بالتبليغ، لم يكن فيها أمر بالتبليغ، فلذلك يقولون: نبئ بـ «اقرأ»، وأرسل بـ «المدثر»، لأن المدثر فيها أمر بالتبليغ. قال: ثم ذهب إلى خديجة رضي الله عنها أم المؤمنين، وذكر لها ما حصل له، وكان خائفًا ترعد فرائصه مما رأى من هول الموقف ومجيء الملك إليه في هذا المكان، وقال لها: «لقد خشيت على نفسي». ولا شك ما ذكرنا أن هذا موقف ليس بالسهل، فصار خائفًا عليه الصلاة والسلام، وخاف على نفسه، وأتى إلى خديجة، وهي أول زوجاته رضي الله تعالى عنها. قالت: «كلا والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتقرأ الضيف، وتحمل الكل، وتكسب المعدم أو المعدوم». استدلت بصفاته صلى الله عليه وعلى آله وسلم الطيبة على أن الله... على أن الله لا يقع به ما يخشاه، لا يخزيك الله أبدًا. وهذا فيه كذلك أن صنائع المعروف تقي مصارع السوء، فالعمل الصالح والإحسان إلى الخلق، وكذلك الأعمال والأخلاق الفاضلة من أسباب رفعة الإنسان، ومن أسباب كذلك عدم أخزيه وذله. فقالت له: «لا يخزيك الله أبدًا»، لأنك تقوم بهذه الأعمال الكريمة والأعمال العظيمة: تصل الرحم، تقرأ الضيف، هذه أخلاق فاضلة وإحسان عظيم إلى الخلق، تحمل الكل، يعني: تعين وتساعد من يحتاج إلى مساعدة، وتكسب المعدوم، وقيل في: «تكسب المعدوم» أو «تكسب المعدوم»، قيل: هكذا وهكذا، والمعدوم هو الفقير، يعني: تعطي الفقير، تعطي الفقير لأنه معدوم، ما عنده شيء. فهذه كلها صفات حميدة، فثبتته خديجة رضي الله تعالى عنها. قال: لأن صفاته صفات حميدة، وهذا من فقهها رضي الله تعالى عنها، فهي أول من طمأن الرسول صلى الله عليه وسلم، وناصره، وآنسه من هذه الوحشة، وهذا موقف عظيم منها. فلذلك كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يحبها حبًا كثيرًا، ولما توفيت حزن حزنًا شديدًا عليه الصلاة والسلام، وكان يذكرها بعد وفاتها عند زوجاته، وعند عائشة، حتى أن عائشة رضي الله تعالى عنها كانت تغار من ذلك، فكان يذكرها دائمًا عليه الصلاة والسلام، بشدة حبه إياها، فهي التي ناصرته في هذه المواقف الصعبة الحرجة، وآنسته رضي الله تعالى عنها، فالنساء من أمثالها قليل. قال: ثم قال: «دثروني»، أي: غطوني، وغطته، وبينما هو كذلك جاءه الملك. هذا على قول بعض أهل العلم: أن هذه الآيات ﴿ يا أيها المدثر ﴾ نزلت مباشرة بعد ما... بعد ما جاءه الملك في غار حراء، حراء، وبعد ما أنزلت عليه آيات أول سورة العلق: «اقرأ». وإلا فقد جاء في البخاري عن ابن شهاب أنه قال: وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: وهو يحدث عن فترة الوحي. يعني: أن هذه الرواية فيها... والشيخ اختصر، وإلا ففي حديث عائشة أيضًا أن عائشة لما قالت للنبي عليه الصلاة والسلام: «كلا لا يخزيك الله»، ثم ذكرت ما ذكرت له، ذهبت به إلى ورقة بن نوفل، وكان رجلًا قد تنصر في الجاهلية، وعنده شيء من العلم، علم أهل الكتاب، فذهبت بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى ورقة، وأخبرته خبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع ذلك الملك. فقال ورقة بن نوفل: قال ورقة بن نوفل: «ليتني كنت فيها جذعًا». وقبل هذا قال له: «هذا الناموس الذي كان ينزل على عيسى وعلى موسى». ثم قال: «ليتني كنت جذعًا»، يعني: شابًا، إذ يخرجك قومك. فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أو مخرجي هم؟» قال: «نعم، إنه لم يأتِ أحد بمثل ما جئت به إلا كودي»، جاء في الحديث. ثم فتر الوحي، ثم فتر الوحي. ثم جاءت هذه الرواية في صحيح البخاري أن جابر بن عبد الله حدث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: «بين أنا... أي أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: بين أنا أمشي، إذ سمعت صوتًا من السماء»، يعني: بعدما فتر الوحي، مكث فترة. وذكر الحافظ أنه قيل: فتر الوحي ثلاث سنوات، وقيل: ستة أشهر. المهم أن هناك فترة لم ينزل فيها وحي على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فجاء في هذا الحديث -هو في البخاري- والصحيح أنه موصول ليس بمعلق، لأنه جاء فيه: «وقال ابن شهاب»، فقال الحافظ: الواو تشعر أن هذا السند تابع للسند الذي قبله، فهو من مسموعات الإمام البخاري، فالحديث متصل. ففيه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «بين أنا أمشي، إذ سمعت صوتًا من السماء، فرفعت بصري، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرعبت منه، فرجعت»، يعني: خاف منه فرجع، «فقلت: زملوني، زملوني»، فأنزل الله تعالى: ﴿ يا أيها المدثر ﴾، ﴿ يا أيها المدثر ﴾. هذه هي رواية البخاري. فعلى هذا، وعلى صحة سند هذه الرواية، وحملها على الاتصال، فيكون هذه الآيات: ﴿ يا أيها المدثر ﴾ نزلت بعد فترة الوحي، بعد فترة الوحي، يعني: بعد ما كانت هناك فترة زمنية بين حادثة غار حراء ونزول أول آيات «اقرأ»، وبين نزول سورة «يا أيها المدثر». قال الشيخ: ثم قال: «دثروني»، أي: غطوني، وغطته، وبينما هو كذلك جاءه الملك، فقال له: ﴿ يا أيها المدثر قم فأنذر ﴾، فصار بذلك رسولًا، لأنه بهذا أمر بالتبليغ، وفي الأول لم يؤمر بالتبليغ. وهذا القول: قول من قال: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نبئ بـ «اقرأ»، وأرسل بـ «المدثر»، على قول الجمهور في أن النبي: من أوحي إليه ولم يؤمر بتبليغه، وأن الرسول: من أوحي إليه وأمر بتبليغه، وهو قول جمهور العلم. وشيخ الإسلام بن تيمية يخالف في هذا، ويقول: أن النبي هو الذي يوحى إليه، لكن أرسل إلى قوم مؤمنين قد أرسل إليهم نبي قبله، وإنما أتى بتكميل شريعة ذلك النبي المتقدم، فلم يرسل إلى قوم كفار. وأما الرسول: فهو الذي يرسل إلى قوم كفار، ولم يبعث ويرسل إليهم أحد قبله، فيدعوهم إلى الله سبحانه وتعالى ابتداء. قال: فصار بذلك رسولًا، لأنه بهذا أمر بالتبليغ، وفي الأول لم يؤمر بالتبليغ. قيل له: ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق ﴾، لم يؤمر بالتبليغ، صار نبيًا بذلك، ثم جاءته الرسالة، وهي أنه أمر بالتبليغ: ﴿ يا أيها المدثر قم فأنذر ﴾، ﴿ وربك فكبر ﴾، ﴿ وثيابك فطهر ﴾، ﴿ والرجز فهجر ﴾. إن شاء الله الكلام على تفسير هذه الآيات يكون في الدرس القادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر