الدرس في ستة مواضع من السيرة 14، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع سبب نزول آية الهجرة في سورة النساء، مبينًا أن المسلمين الذين أقاموا بمكة ولم يهاجروا قُتلوا في بدر مع المشركين فوبخهم الملائكة عند الموت، مما يدل على وجوب الهجرة على المستطيع. ويستدل الشارح بحديث جرير بن عبد الله: «أنا بريء من مسلم يعيش بين ظهراني المشركين»، مؤكدًا أن السكنى مع المشركين من غير عذر كبيرة من الكبائر.
يشرح المقطع آية التربص في سورة التوبة التي توعد من آثر أهله وماله ووطنه على الجهاد والطاعة، ويستعرض قصة المسلمين الذين أقاموا بمكة وخرجوا مع المشركين كرهاً فقتلوا. ويبين أن ذنبهم الوحيد كان ترك الهجرة مع سلامة عقيدتهم، وأن الملائكة لم تسألهم عن إيمانهم بل عن موطنهم، دليلاً على أن الإقامة بين المشركين مع القدرة على الهجرة كبيرة من الكبائر.
يشرح المقطع أن الملائكة لم تكذب من ادعوا الاستضعاف في الأرض، بل وجهتهم إلى سعة أرض الله للهجرة، مبيناً أن العذر الحقيقي مقصور على العاجزين عن الحيلة والسبيل. بينما من آثر المال والأهل على الهجرة فلا عذر له، ويؤكد أن من يهاجر في سبيل الله يجده الله مراغماً وسعة ورزقاً.
يختتم المقطع الجلسة بعبارة «إلى هنا، والله تعالى أعلم»، ويذكر اسم المترجمة نانسي قنقر بشكل متكرر. وتكون هذه الفقرة ختاماً رسمياً للدرس.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد، فما زلنا في الموضع الخامس من المواضع التي اختارها المؤلف من مواضع السيرة. وقد قرأنا كلام الشارح، وفيه بيان لسبب نزول آية الهجرة: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ﴾. وأن سبب هذه الآية أن بعض من أسلم لم يهاجر وبقي في مكة، ففي غزوة بدر لما خرج المشركون لمحاربة المسلمين، أخرج المشركون المسلمين معهم، فجاءتهم سهام أهل الإيمان فقتلوا. فلما عرف المؤمنون بذلك قالوا: قتلنا إخواننا، فنزلت هذه الآية. والحديث في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما. قال الشارح بعدما ذكر هذه القصة وسبب النزول فيها: هذا في شأن هؤلاء، وهذه قصة عجيبة عظيمة، أو عجيبة وعظيمة، أن هؤلاء مع إسلامهم وصدقهم في الإسلام، لما تركوا الهجرة من غير عذر، حصل عليهم هذا الوعيد وهذا التوبيخ من الملائكة لما جاءت تقبض أرواحهم؛ لأن الآية فيها ذلك: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ ﴾، وصفهم بالظلم، ﴿ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ﴾، الملائكة تسألهم، وهذا سؤال توبيخ، ﴿ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ﴾، ﴿ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾. فهؤلاء هم مسلمون، فلم تسألهم الملائكة عن إيمانهم ولا عن تصديقهم، وإنما سألتهم عن الموطن والبلد التي يعيشون فيها؛ لأنها بلد كفر وشرك، ولم يهاجروا رغبة في أرضهم وأموالهم وأولادهم، فوبخهم الله عز وجل وتوعدهم بهذا الوعيد الشديد. قال الشارح: فدل على أنه لا يجوز للموحد المسلم أن يتساهل بهذا الأمر، وأن يكون مع المشركين ولو من غير محبة لهم. هذا هو وجه الشاهد، ومراد المؤلف من إيراد هذا الموضع من السيرة: أن الموحد لا يكفي أن يكون موحدًا، وأن يكون مسلمًا، وأن يكون مبغضًا للمشركين، بل من لازم ذلك أن يترك بلاد المشركين، وأن لا يساكنهم، وأن لا يعيش معهم. هذا أيضًا من لازم التوحيد، وإلا فهؤلاء ما ذنبهم؟ لماذا وبخهم الله؟ لماذا أوعدهم بهذا الوعيد الشديد؟ لا لشيء إلا لأنهم ما هاجروا من أرض المشركين، وما تركوا أرض المشركين. ففي هذا هذه الفائدة: أن الموحد لا يساكن أهل الشرك. وكما جاء في حديث جرير بن عبد الله عند أبي داود والترمذي: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «أنا بريء من مسلم يعيش مع المشركين» أو كما قال عليه الصلاة والسلام. ثم قال: «المسلم والمشرك لا تتراءى ناراهما»، يعني لا يقرب المؤمن من المشرك حتى أنه يرى نار المشرك، لا يبتعد عنه، يبتعد عنه، فلا يساكنه، لا يساكنه. «أنا بريء من مسلم يعيش بين ظهراني المشركين»، هكذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام. ففي هذا وجوب الهجرة، وجوب الهجرة من أرض الكفر إلى أرض الإسلام. وقد تقدم الكلام على ذلك، والعلماء خصوصًا في هذه الأزمان التي كثرت فيها الفتن في دول الكفر والشرك، ينصحون بالهجرة، بل يجبون ذلك للمستطيع الذي يعرف الطريق؛ لأن الله عز وجل أعذر من لا يعرف الطريق، والمستضعف من الرجال والولدان والنساء، الضعيف الذي لا يستطيع الهجرة. أما الذي يستطيع، وما منعه إلا حب المال والرغد في العيش وحب الدنيا، فهذا لا يعذر. ويخبرني أحد الإخوة أنه اتصل مجموعة من إخواننا في تلك الدول بأحد مشايخ أهل السنة، وقالوا له: يا شيخ، نحن من بلد كذا وكذا، نريد منكم درسًا في التوحيد. فقال لهم: وأنتم تسكنون في تلك البلاد؟ قالوا: نعم. قال: ماذا درستم من قبل؟ قالوا: درسنا الأصول الثلاثة وغيرها من كتب العقيدة، وذكروا له بعض كتب العقيدة التي هي من أسس وبدائيات العقيدة. فقال لهم: أنتم ما فهمتم تلك الكتب. قالوا له: كيف يا شيخ، نحن درسناها؟ قال: لا، لا ما فهمتموها. لماذا يا شيخ؟ قال: لأن هذه الكتب فيها الأمر بالهجرة من بلاد المشركين، وأنتم لا تزالون تسكنون مع المشركين. فأنا أنصحكم أنكم تعيدون النظر في تلك الكتب، وتدرسونها دراسة متعمقة ودراسة متينة قوية حتى تستفيدوا من تلكم الدراسة. فدل ذلك على أن المسلم ينبغي عليه أن يترك بلاد الكفر وبلاد المشركين إذا استطاع إلى ذلك سبيلًا. فهذا الذي يستفاد من هذه القصة. قال: فدل على أنه لا يجوز للموحد المسلم أن يتساهل بهذا الأمر، وأن يكون مع المشركين ولو من غير محبة لهم، لكن محبة لماله أو ولده أو بيته أو غير ذلك. ﴿ قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا ﴾، يعني انتظروا. وهذا فيه تهديد لهؤلاء حتى يأتي الله بأمره. وهذا وعيد شديد، توعد الله عز وجل من قدم هذه المحبوبات على طاعة الله وعلى أمر الله. ﴿ فَتَرَبَّصُوا ﴾ أي انتظروا حتى يأتي الله بأمره، وما هو أمر الله؟ عذابه ونقمته ممن هذا حاله. ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾. فلا يجوز تقديم محبة الأموال والأولاد على طاعة الله سبحانه وتعالى، وعلى الهجرة والجهاد في سبيل الله عز وجل. والكثير من الناس يقرؤون هذه ولا يتدبرونها، يعني يقرؤون هذا الموضع من مواضع السيرة، وهذه الآيات التي أنزلت في هذا الموضع، ولا يتدبرونها. والغرض من هذه المواضع هو أخذ الفائدة والتدبر والتمعن، ليس مجرد القصة أو مجرد التسلي بهذه القصة، إنما المراد الانتفاع والتدبر. وأعجب من ذلك أن تسمع من أبناء المسلمين، ومن يسكن في بلاد المسلمين، يهاجر إلى بلاد الكفر. هذا أمر عجيب: إنسان يمني، سواء كان من هذه البلاد أو من بلاد الجنوب أو من بلاد الشمال أو من غيرها من البلاد، ويذهب يهاجر إلى أمريكا أو إلى بريطانيا، لماذا؟ لأن هناك يجد راتبًا ضخمًا ويجد حالة معيشية طيبة. سبحان الله، تبيع دينك بعرض من الدنيا؟ دينك هو أغلى ما تملك، وأنفس ما تملك، ثم من أجل هذه الدنيا الفانية ومن أجل حطامها تذهب إلى تلك البلاد، وترتكب ما ترتكب من المخالفات الشرعية من أجل الدنيا. هذا لا يجوز بحال من الأحوال. قال المؤلف الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في هذا الموضع: فلما سمع الصحابة أن من القتل فلان وفلان، شق عليهم، وقالوا: قتلنا إخواننا، فأنزل الله تعالى... أو قبل هذا قال: ولكن مرادنا الآن مسألة من مسائلها. يعني ذكر أن الموضع السادس... الموضع الخامس من مواضع السيرة هو موضع الهجرة، موضع الهجرة من مكة إلى المدينة، وما يريد جميع تفاصيل الهجرة، إنما يريد مسألة واحدة، ولذلك قال: ولكن مرادنا الآن مسألة من مسائلها، ليس كل مسائل الهجرة، ولكن هذه المسألة وحدها فقط. قال: وهي أن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من لم يهاجر، من غير شك في الدين وتزيين دين المشركين، ولكن محبة للأهل والمال والوطن. فلما خرجوا إلى بدر، خرجوا مع المشركين كارهين، فقتل بعضهم، فقتل بعضهم بالرمي، والرامي لا يعرفه. وهذا قلنا سبب نزول الآية التي ستأتي. فلما سمع الصحابة أن من القتل فلانًا وفلانًا، شق عليهم، وقالوا: قتلنا إخواننا، فأنزل الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾. وقلنا هذا السبب في صحيح البخاري من حديث ابن عباس. بمعنى قال: فمن تأمل قصتهم، وتأمل قول الصحابة: قتلنا إخواننا، علم أنه لو بلغهم عنهم كلام في الدين، أو كلام في تزيين دين المشركين، لم يقولوا: قتلنا إخواننا. يعني يريد بهذا أن الذين لم يهاجروا وخرجوا مع المشركين، ليس عندهم من المخالفة، ومما يستحق الزجر ويستحق كذلك التوبيخ، إلا أنهم لم يهاجروا. ما عندهم خلل في العقيدة أو في الإيمان، أو أنهم زينوا دين المشركين، لا؛ لأن لو كان عندهم ذلك، لما قال الصحابة الذين قتلوهم لما قالوا إنهم إخواننا، إنهم إخواننا. فإذا لا ذنب لهم إلا لأنهم ماذا؟ لم يهاجروا. هذا معنى قوله. ولذلك قال الشارح: فالصحابة... فالصحابة ما قالوا إخواننا لأنهم مستقيمون على الدين، ما ذكر عنهم أنهم مالوا مع المشركين أو مدحوا المشركين، بل يبغضون دين المشركين، وكانوا على التوحيد، وكانوا مخلصين لله، وليس فيهم نفاق، لكن تركوا شيئًا واحدًا وهو ماذا؟ الهجرة من غير عذر، فلامهم الله على ذلك. هذا هو مراد المؤلف بهذا. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: فإن الله تعالى قد بين لهم وهم بمكة قبل الهجرة أن ذلك كفر بعد الإيمان، بقوله: ﴿ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ﴾، يعني أنهم فعلوا ذلك من باب هذه الآية: ﴿ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ﴾، فقلوبهم مطمئنة بالإيمان، لا غبش فيها ولا خلل عندهم في أمر الإيمان. قال: وأبلغ من هذا ما تقدم من كلام الله تعالى فيهم، فإن الملائكة تقول: ﴿ فِيمَ كُنتُمْ ﴾، ولم يقولوا: كيف تصديقكم؟ ما سألتهم الملائكة عند توبيخهم عن إيمانهم؛ لأنه لا إشكال في ذلك، وإنما سألتهم عن ماذا؟ سألتهم عن الموطن الذي يعيشون فيه. فدل ذلك على أنه لا شيء يستدعي السؤال عن الإيمان، عن إيمانهم وعن تصديقهم؛ لأن ذلك لا غبار عليه. قال: ولم يقولوا: كيف تصديقكم؟ ﴿ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ﴾، ولم يقولوا: كذبتم، مثل ما يقول الله والملائكة للمجاهد، يعني هم صادقون في قولهم: إننا مستضعفون، لكن هذا ليس بصحيح؛ لأن عدم هجرتهم هو من أجل حب المال والأهل والولد، من أجل ذلك. فلم تقل لهم الملائكة: كذبتم، وإنما قالت لهم: ﴿ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ﴾، لم يجعلكم الله بدار مذل ولا هوان، فأرض الله واسعة، فما الذي منعكم من أن تهاجروا إلى أرض الله الواسعة التي تستطيعون أن تعبدوا الله عز وجل فيها؟ قال: ولم يقولوا: كذبتم، مثل ما يقول الله والملائكة للمجاهد الذي يقول: جاهدت في سبيلك حتى قتلت، وهو حديث أول من تسعر بهم النار: مجاهد، وعالم، وقارئ للقرآن، وجواد. فهؤلاء لما سئلوا وأجابوا بغير الصدق، كذبتهم الملائكة، وقبل ذلك كذبهم الله، فقالوا لهم: كذبتم، وإنما فعلتم ذلك ليقال كذا وكذا. قال: ولم يقولوا: كذبتم، مثل ما يقول الله والملائكة للمجاهد الذي يقول: جاهدت في سبيلك حتى قتلت، فيقول الله: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، بل قاتلت ليقال: جرئ. وكذلك يقولون للعالم والمتصدق: كذبت، بل تعلمت ليقال: عالم، وتصدقت ليقال: جواد. وهو في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة، حديث الثلاثة الذين تسعر بهم النار. قال الشارح عند قوله: كيف تصديقكم؟ قالوا: كنا مستضعفين في الأرض. قال: فالملائكة ما سألوهم عن إيمانهم وعقيدتهم؛ لأنهم يعرفون أنهم على عقيدة صحيحة، وعلى إيمان صادق، لكن سألوهم عن المكان الذي هم فيه، حيث لا يجوز لهم أن يبقوا فيه وهم يقدرون على الهجرة منه. وهكذا عند حديث بهريرة... قال الشارح: الملائكة لم تقل: كذبتم، لستم مسلمين ولستم مؤمنين، بل قالوا: ﴿ فِيمَ كُنتُمْ ﴾، سألوهم عن المكان الذي هم موجودون فيه، موجودون حيث خرجوا مع المشركين، ولو كانوا مكرهين؛ لأنهم هم السبب في تسلط الكفار عليهم. يعني البعض ربما إذا جلس في بلاد الكفار، بلد كافرة، ما تراعي حدود الله، وما تراعي مشاعر المسلمين، فربما يلزمون المسلم بأمور مخالفة للشرع كترك الصلاة، وهكذا التبرج والسفور في مدارسهم وفي جامعاتهم، وهكذا أمور كثيرة. فما الذي ألزمك بهذا؟ ما الذي جعلك في هذه الحال التي لا تستطيع أن تظهر شعائر دينك؟ فما عليك إلا أن تهاجر، ولا تجعل الكفار يتسلطون عليك، ويتحكمون فيك، ويسيرونك بما يريدون وبما يشاءون. فهذا ليس من صفات أهل الإيمان. قال: ولا يجوز مرافقتهم والخروج معهم حبًا للمال وللأهل، ومداهنة لكي يبقوا على أموالهم. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: قال: وأما هؤلاء فلم يكذبوهم، بل أجابوهم بقولهم: ﴿ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ﴾. ويزيد ذلك إيضاحًا الآية التي بعدها، وهي قوله تعالى: ﴿ إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ﴾. قال: فهذا أوضح جدًا أن هؤلاء خرجوا من الوعيد، يعني المستضعف الذي لا يستطيع حيلة، وفسرت حيلة: أي لا يستطيعون يعني الخروج بسبب قلة اليد، وبسبب عدم ما يوصلهم إلى بلاد المسلمين. لا ما عندهم ما يصلون به إلى بلاد أهل الإسلام، ﴿ وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ﴾، أي لا يهتدون إلى الطريق، لا يعرفون الطريق، ولا أحد يدلهم على الطريق. فإذا انتفت هاتان العلتان، فيجب على المسلم أن يهاجر من بلاد أهل الكفر، استطاعته على الهجرة. وليس معنى الاستطاعة أنك تريد أمانًا وضمانًا أنك إذا جئت في بلاد المسلمين يكون معك من المال ما يكفيك إلى أن تموت. توكل على الله، ومن يتوكل على الله فهو حسبه. ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم بعد هذه الآيات: ﴿ وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ﴾. فسرت مراغمًا كثيرًا، قال الحافظ ابن كثير: مراغمًا أي التمنع الذي يتحصن به ويراغم به الأعداء، يعني يجد في الأرض ما يتحصن به، وما كذلك يكون هذا التحصن سببًا في عدم إيصال المشركين إليه، وبهذا يراغم المشركين، يعني يرغم الأعداء، يرغم الأعداء ويكبت الأعداء. ﴿ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا ﴾، يجد من البلاد من تحميه، ومن كذلك تجعله يقوم بشعائر دينه. وأما قوله: ﴿ وَسَعَةً ﴾، فسرت السعة بالرزق، يعني يجد في أرض الله من الأرزاق ما يهيئه الله سبحانه وتعالى له. والواقع يشهد على ذلك: كم من إخوة توكلوا على الله وهاجروا من بلاد الكفر، فوسع الله عز وجل عليهم في بلاد أهل الإسلام، وعاشوا عيشة هنيئة طيبة، يقيمون شعائر دينهم، بل ويتعلمون ويتفقهون في دينهم، بل واستفادوا وصاروا طلاب علم، ينفع الله سبحانه وتعالى بهم. فهذا كله من أثر الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد أهل الإسلام. طيب، نكتفي بهذا، ونكمل ما بقي في درس قادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر