الدرس في ستة مواضع من السيرة 15، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يوضح المقطع أن الوعيد في آية الهجرة موجه للقادرين الذين تخلفوا، بينما استثنت الآية المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً، فهم معذورون وعسى الله أن يعفو عنهم. ويؤكد الشيخ الفوزان على وجوب التفريق بين المستطيع وغير المستطيع، ووجوب سؤال أهل العلم لمن التبس عليه الأمر، مع تحريم اختلاط المسلمين بالكفار من غير عذر.
يشدد المقطع على وجوب ابتعاد المسلم عن المشركين والهجرة إن استطاع، مستدلاً بحديث «لا تتراء ناراهما». وينقل أثر الحسن البصري بأن الإيمان ليس بالتمني ولا التحلي بل ما وقر في القلب وصدقه العمل، رداً على المرجئة القائلين بكفاية الإيمان القلبي فقط.
يبين المقطع فساد قول المرجئة بأن الإيمان يكفي فيه تصديق القلب دون عمل، مؤكداً أن الإيمان عند أهل السنة قول واعتقاد وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. ويستدل بقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾، موضحاً أن الكلام الطيب لا يصعد إلى الله إلا مقترناً بالعمل الصالح.
يختتم المتحدث الدرس الحالي معلناً الانتقال إلى الموضع السادس في الدرس القادم. ويختم بقوله "والله تعالى أعلم" كخاتمة شرعية للعلم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد: قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في رسالته "ستة مواضع من السيرة"، وفي الموضع الخامس ما يتعلق بالهجرة: قال: "وأما هؤلاء فلم يكذبوهم، بل أجابوهم بقولهم: قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها". ويزيد ذلك إيضاحًا للعارف والجاهل الآية التي بعدها، وهي قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾. قال الشارح الشيخ الفوزان حفظه الله تعالى: قال يعني لا يُعذر إلا من ترك الهجرة عاجزًا عنها، فإنه معذور. قال تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾، أي للخروج، ليس بأيديهم حيلة لأن يخرجوا من أرض الكفار، ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ يعني إليه، ما يستطيعون الاهتداء إلى طريق الهجرة. فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم. قال: هذا وعد من الله بالعفو عنهم. فإذا لا يُعذر إلا العاجز، إلا العاجز. وأما غير العاجز فإنه مخاطب بقوله تعالى في الآية المتقدمة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ الآية. فإذا كان الوعد أو كان الوعيد لمن تخلف عن الهجرة وهو مستطيع، ولذلك أتى الاستثناء لمن تخلف عن الهجرة بعد الآية المتقدمة: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾. فالمعنى: الملائكة لم يكذبوهم بما أجابوهم، وإنما قالوا لهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾. قال: فهذا، قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: فهذا أوضح جدًا، أو أوضح جدًا، فهذا أوضح جدًا أن هؤلاء خرجوا من الوعيد، فلم يبق شبهة. لكن لمن طلب العلم، بخلاف من لم يطلبه، بل قال الله فيهم: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾. ويريد بهذا الرد على من جهل مثل هذه المسائل، ولم يفرق بين المستطيع وغير المستطيع. فأنت علمت وفقهت في هذه المسألة أن الوعيد إنما هو للمستطيع عن الهجرة فلم يهاجر، أما من لم يستطع وعجز عن الهجرة فهو معذور للآية الأخرى. فمن أراد أن يفهم ذلك فهم، ومن كان في قلبه مرض، وفي قلبه حب الدنيا وحب زينتها، فهو كالصم البكم الذين لا يعقلون، ما يريد أن يفهم وما يريد أن يفقه هذه المسألة، فيخلط بين المستطيع وغير المستطيع، ويفسر الاستطاعة بما يملي عليه هواه، وهذا من الخطأ. فيرجع في ذلك إلى أهل العلم. من كان عازمًا على الهجرة وشك في أمره: هل هو من المستطيعين أو من غير المستطيعين؟ فليسأل أهل العلم، فليسأل أهل العلم. وهذه أمور ميسرة بفضل الله سبحانه وتعالى في هذه الأزمان. قال الشارح: نعم، اختلاط المسلمين مع الكفار من غير عذر أمر لا يجوز، بل لا بد أن تتميز بلاد المسلمين عن بلاد الكفار، ولا يخالط المسلم المشرك. بل قال صلى الله عليه وسلم: «لا تتراء ناراهما»، وهو حديث جابر بن عبد الله البجلي، رواه أبو داود والترمذي، وهو حديث صحيح، صححه العلامة الألباني وغيره، عليهم رحمة الله: «أنا بريء ممن عاش بين ظهراني المشركين، إن المسلم والمشرك لا تتراء ناراهما». هكذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام: أي يبعد عنه مهما أمكنه ذلك، يبعد عن المشرك ما استطاع إلى ذلك سبيلًا. هكذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام. فينبغي للمسلم أن يعلم هذه المسألة، وأن يقررها في ذهنه: أنه لا يجوز له أن يختلط بالكفار وبالمشركين. إذا من الله عز وجل عليه بالإيمان وبالإسلام، فينبغي عليه أن يهاجر ما استطاع إلى ذلك سبيلًا. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: ومن فهم هذا الموضع والذي قبله فهم كلام الحسن البصري، قال: «ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب وصدقه العمل». الحسن البصري تابعي جليل رحمه الله تعالى، وكلامه يشبه كلام النبوة، ففيه من الحكم، وفيه كذلك من العلم، وفيه كذلك من الجوامع. فهذا أثر عنه، ولم يصح مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فمن الغلط ما نسمعه من بعض الناس أنه يرفع ذلك إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل». فهذا من الخطأ؛ لأنه لم يأت مرفوعًا عن النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما صح موقوفًا على الحسن البصري عليه رحمة الله، وإن شئت قلت: مقطوعًا؛ لأنه عن التابعي. فهذا الأثر أثر عظيم: «ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني»، يعني: ليس الإيمان أن يتحلَّى به الإنسان وينسب نفسه إلى الإيمان، ويقول: أنا مؤمن، أو يتمنى ذلك ويقول: أنا مؤمن. ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، يعني: ليس بزعمكم ولا بدعواكم. الأمور ليس بالدعاوى، لا بد من أعمال تبرهن ما يقوله الشخص وما يدعيه الشخص. فنستفيد من قصة الهجرة أن الإيمان ليس بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل. أين وجه الشاهد من الهجرة، من قصة الهجرة؟ وجه الشاهد: أن أولئك الذين ادعوا الإيمان وادعوا الإسلام، وهم لا يزالون بين ظهراني المشركين ولم يهاجروا مع استطاعتهم، توعدهم الله عز وجل بما سمعتم في الآية، أولئك لهم عذاب أليم، ومأواهم جهنم، وبئس المصير في آخر الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ إلى آخر الآية. لماذا؟ لأنهم لم يعملوا بمقتضى الإيمان. فمن مقتضى الإيمان ممن يزعمه وممن يدعيه: ألا يساكن المشركين، وأن لا يعيش بينهم. فالإيمان ليس بالتمني ولا بالتحلي ولا بالادعاء، وإنما لا بد أن يصدق هذا التمني العمل، العمل بما يقتضيه الإيمان. قال الشارح حفظه الله: قال، فالإيمان هو ما صدقته الأعمال، ومنها الهجرة. قال: لأنها من الأعمال. وهذا فيه رد على المرجئة الذين يقولون: إنه يكفي الإيمان بالقلب، إنه يكفي الإيمان بالقلب أو بالقلب واللسان. فلا يكفي الاعتقاد والنطق، بل لا بد من العمل. فهذا مذهب المرجئة الذين يقولون: ما يضر مع الإيمان معصية، طالما أنك مؤمن بقلبك ومصدق بذلك، فهذا يكفي عندهم. فقصة الهجرة ترد عليهم، وغيرها من نصوص الشرع ترد عليهم. فالإيمان عند أهل السنة: قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. فهكذا الإيمان ليس بالتحلي ولا بالتمني. وغيره من الأعمال: كون الإنسان يدعي أنه على السنة وأنه من أهل السنة، هذا ليس بالتمني وليس بالتحلي، بل لا بد أن يبرهن الشخص هذه الدعوة بالأعمال. فالسني هو الذي يتبع سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو الذي يعظم السنة ويبتعد عما خالفها من البدع ومن الأهواء. فمن كان كذلك فهو السني، فهو السني. وهكذا من يدعي أنه من أهل الصلاح، ما يكفي هذا حتى يبرهن ذلك بالعمل، بأن يعمل بأعمال أهل الصلاح من التقوى ومن كذلك الاستقامة في الأقوال والأعمال والأفعال. فهذا أيضًا يحتاج إلى برهنة، يحتاج إلى عمل. وقس على ذلك في أمور كثيرة. فالمعبرة ليست بالقول فحسب، بل بالقول وكذلك بالعمل. «ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلب»، أي: ما وقع في القلب وآمن به القلب، وصدقه العمل. لأن القلب إذا وقر فيه الإيمان عمل بمقتضى ذلك الإيمان، يعني: عملت الجوارح، ووجهت الجوارح إلى الأعمال التي هي من مقتضى الإيمان. هذا معنى قول المؤلف رحمه الله تعالى. فهذا مما يستفاد من هذه القصة، قصة الهجرة. قال: وذلك أن الله تعالى... وقوله: «وذلك» أي: أيضًا مما يدل على الكلام المتقدم هذه الآية. وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾. قال الشارح: قوله ﴿إِلَيْهِ﴾ أي: إلى الله سبحانه وتعالى ﴿يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾، قال: من الذكر، وقراءة القرآن، والتسبيح، والتهليل، وكل كلام طيب، فإنه يصعد إلى الله. والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتعليم العلم النافع، كل هذا من الكلم الطيب. والكلام الطيب مع الناس، ومع الأقارب، كل هذا معنى قول الله عز وجل: ﴿الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾، فكل كلام طيب هو المراد به في هذه الآية. قال: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، أي: أن الكلام الطيب مع الناس من الحسنى. ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾، أي: الوالدان. قال: كل هذا من الكلم الطيب يصعد إلى الله. لكن هذا هو وجه الشاهد: لكن لا يصعد بنفسه، بل لا بد من العمل. ولذلك قال: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾، والعمل الصالح يرفعه. فما يكفي أن تقول الكلام الطيب بأنك مؤمن، وبأنك ذاكر، وبأنك مستقيم، وبأنك سني، ولا تعمل الأعمال الصالحة التي تبرهن هذا القول الذي تقوله. فلم يكتفِ ربنا سبحانه وتعالى في هذه الآية بقوله: ﴿يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾، بل قال: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾. فدل ذلك على أنه لا يكفي الكلام وحده، بل لا بد أن يقرن بالعمل الصالح. قال: وفي هذا رد على المرجئة أيضًا؛ لأن فيه ذكر العمل. طيب، نكتفي بهذا. وبهذا نكون قد انتهينا من الموضع الخامس. وفي الدرس القادم نبدأ في الموضع السادس. إلى هنا، والله تعالى أعلم.