ستة مواضع من السيرة 6

الدرس في ستة مواضع من السيرة 6، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

عبادة غير الله: طاعة للشياطين

يشرح الشارح أن المشركين يعبدون الصالحين كعيسى وعزير والملائكة ظانين أنهم يقربونهم إلى الله، لكن هؤلاء الصالحين لم يأمروهم بذلك بل الشياطين هي التي أمرتهم بعبادة غير الله. وتبرأ الملائكة والأنبياء يوم القيامة من عبادتهم وأقروا أنهم عبدوا الجن والشياطين.

أولوية التوحيد والنهي عن الشرك على حسن النية

يؤكد المقطع أن حسن النية مع قبح العمل كالشرك والبدع لا ينفع، والعبرة باتباع الرسل لا بمجرد النية الحسنة. كما يبين أن أول ما أمر الله نبيه به هو الإنذار عن الشرك قبل الزنا والربا وسائر الكبائر لأن التوحيد هو الأساس الذي لا تصح الأعمال بدونه.

أهمية التوحيد وأولوية الدعوة إليه والتحذير من الشرك

يؤكد المقطع أن الدعوة إلى التوحيد والتحذير من الشرك هما أول واجبات الداعية مستدلاً بحديث معاذ بن جبل، وينتقد جماعات معاصرة لإهمالها هذا الأصل. كما يبين أن شرك العرب لم يقتصر على عبادة الأصنام بل شمل عبادة الملائكة والجن والأنبياء والصالحين.

خاتمة الدرس: عبادات المشركين ليست محصورة في الأصنام

يختم المتحدث الدرس مؤكداً أن عبادات القوم المشركين لم تقتصر على عبادة الأصنام فقط، ويعلن استكمال شرح كلام المؤلف والشارح في الدرس القادم. ثم يختم بالشكر والدعاء.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد: قال الشارح حفظه الله تعالى عند قول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: وقال تعالى: ﴿ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ﴾. قال: اعترفوا أنهم يعبدونهم حيث قالوا: ما نعبدهم. لكن يقولون: ما قصدنا بهذه العبادة إلا أنهم يقربوننا إلى الله، ويظنون هذا. عند قوله: ﴿ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ﴾. قال: كيف اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله وهم يتقربون بالصالحين بعيسى وبعزير؟ يعني العزير. نعم، بعيسى وبعزير وبالملائكة. فهؤلاء يعبدون الصالحين مثل عيسى نبي، وكذلك عزير والملائكة. هؤلاء صالحون، فكيف اتخذوا الشياطين أولياء؟ قال مجيبًا: نعم، اتخذوا الشياطين لأن هؤلاء الصالحين لا يرضون بذلك. هل عيسى عليه السلام أو عزير أو الملائكة راضون بدعائهم من دون الله، وطلب الحوائج منهم من دون الله، والاستغاثة بهم من دون الله؟ هل هم راضون عن ذلك؟ الجواب: لا، كما سيأتي في نص كتاب الله. قال: لأن هؤلاء الصالحين لا يرضون بذلك، ولم يأمروهم بذلك، وإنما الذي أمرهم بهذا الشياطين. من الذي أمرهم أن يعبدوا المسيح، أو أن يعبدوا عزير، أو أن يعبدوا الملائكة؟ هل الله سبحانه وتعالى أمرهم بهذا؟ الجواب: لا. هل هؤلاء عيسى وعزير والملائكة هم الذين أمروهم بذلك؟ الجواب: لا. إذن من الذي أمرهم بهذا؟ الجواب: الذي أمرهم بهذا هم الشياطين. الذي أمرهم بهذا هم الشياطين. قال: هي التي أمرتهم بعبادة المسيح، وعبادة الملائكة، وعزير، وغيرهم من الأنبياء والصالحين. فهم يعبدون الشياطين في الحقيقة. كل من عبد غير الله فالذي أزه إلى ذلك ودفعه إلى ذلك هو الشيطان، هو الشيطان؛ لأن هذا هو مقصد الشيطان أن يشرك بن آدم بالله سبحانه وتعالى حتى يكونوا من حزبه، وحتى يكونوا معه في نار جهنم. وقال الشيطان لما قضي الأمر: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾. فإذن كل من عبد غير الله فقد عبد الشيطان، والذي أمره بهذا هو الشيطان. فلذلك هذه الآية واضحة: ﴿ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ﴾. قال: فهم يعبدون الشياطين في الحقيقة حيث أطاعوهم في عبادة هؤلاء، ويحسبون أنهم مهتدون. يحسبون أن هذا هو الهدى، وأنه طريق خير وطريق صلاح. وهذه مصيبة: تجد الإنسان يشرك بالله ويظن أنه على هدى، يبتدع في دين الله ويظن أنه على هدى. هذه مصيبة، فينبغي أن ينتبه لهذا. قالوا: لهذا يقول جل وعلا: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾. يعني يحشر المشركين، ويحشر من عبدهم المشركون من الصالحين ومن الأنبياء. ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ يجمعهم جميعًا، فيقول - يقول الله عز وجل لمن عبدوا من دونه كالملائكة والأنبياء والصالحين -: ﴿ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادَ هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ ﴾. يعني: أأنتم الذين دعوتموهم إلى عبادتكم، أم هم الذين اتخذوا هذا الطريق وضلوا عن سواء السبيل؟ فكان الجواب من هؤلاء الذين عبدوا من دون الله، قالوا من الملائكة والصالحين والأنبياء: ﴿ سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ ﴾. نزه الله عز وجل؛ لأن هذا شرك. عبادتهم من دون الله شرك بالله سبحانه وتعالى. فقالوا: ﴿ سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ ﴾، أي يعبدوننا من دونك. ﴿ وَلَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا ﴾. فإذن هم الذين ضلوا السبيل، ولم يأمرهم هؤلاء بعبادتهم، لم يأمرهم هؤلاء بعبادتهم، وغير راضين هؤلاء بعبادتهم. وقال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ ﴾. هذه الآية خاصة بالملائكة الذين عبدوا الملائكة. ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ ﴾ يجمعهم جميعًا، ثم يقول للملائكة: ﴿ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ ﴾. أهؤلاء الذين كانوا يعبدونكم من دوني؟ فتقول الملائكة: ﴿ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ ﴾. يعني يعبدون الشياطين، يعبدون الشياطين؛ لأن هؤلاء الملائكة غير راضين عما يفعل أولئك، فهم في الحقيقة عبدوا الجن والشياطين. الجن والشياطين. قال: فالملائكة تبرأوا منهم، وأخبروا أنهم ما أمروهم بهذا، وإنما الذي أمرهم بهذا هم الشياطين من الجن والإنس. فصارت عبادتهم للشياطين الذين أمروهم، وهذا بمعنى الآية المتقدمة: ﴿ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ﴾. قال الشارح: فبرأ الله عباده الصالحين من أن يأمروهم بذلك، ومع هذا يحسبون أنهم مهتدون. فدل على أنه ليس العبرة أن يكون الإنسان حسن... أن يكون الإنسان حسن النية، أو كونه ما قصد الشر. ليس العبرة بهذا. العبرة بالاتباع للرسل ومن سار على نهجهم. وحسن النية مع قبح الفعل لا ينفع. فلم يكن هذا عذرًا لهم؛ لأن الله أرسل الرسل وأنزل الكتب لإنكار ذلك. وهذا أمر مهم جدًا: العبرة بالإخلاص والاتباع. ما يكفي أن يقول الإنسان: يا أخي، اترك هؤلاء الذين هم على نياتهم. بعض الناس هكذا يقول: يقول هؤلاء الآن كبار السن على نياتهم، اتركوهم عند القبور، اتركوهم يفعلوا المولد، اتركوهم يفعلوا البدع، هؤلاء على نياتهم. نقول: هذه النية، وإن كانت نيتهم حسنة على فرضية ذلك، فلا تغني عنهم شيئًا، ولا تنفعهم هذه النية الحسنة. وانظروا هؤلاء: قصدهم ماذا؟ قصدهم عبادة الله. الذين اتخذوا الملائكة، اتخذوا عيسى، وغير ذلك من معبودات من دون الله، اتخذوهم وسائط شفعاء، ظنوا أن هؤلاء يقربونهم إلى الله. فهم نيتهم حسنة، لكن هل هذه النية الحسنة نفعت أو نفعتهم؟ لم تنفعهم، فكانوا مشركين، وأنكر الله عز وجل عليهم. فحسن النية مع قبح الفعل لا ينفع. لا بد أن تكون حسن النية مع حسن العمل: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾، أي أخلصه وأصوبه. والإخلاص: ما كان لله سبحانه وتعالى، والصواب: ما كان على السنة، ما كان على السنة، كما قال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى. فإذا لا بد من هذا، لا يكون عذرًا. حسن النية مع قبح العمل لا يكون عذرًا أبدًا. وما فهمه البعض أن شيخ الإسلام يقول: هؤلاء نيتهم حسنة، أصحاب الموالد والبدع في بعض المواطن. فهؤلاء لم يكملوا كلام شيخ الإسلام بن تيمية، فهو يرد على هؤلاء المبتدعة، ويقول: ولو سلمنا أن هؤلاء نيتهم حسنة، فإن فعلهم هذا غير صحيح. فهم أخذوا مسألة حسن النية، فقالوا: انظروا، شيخ الإسلام يقول هؤلاء نيتهم حسنة. طيب، حتى المشركون بعض المشركين نيتهم حسنة. نيتهم ماذا؟ حسنة أنهم يريدون عبادة الله، وأنهم يريدون الخير. لكن كم من مريد للخير لم يبلغه بعدم الاتباع؟ فلابد أن يفهم هذا، لابد أن يفهم هذا. فمنهج الرسل ومن سار على نهجهم: الجمع بين حسن النية وبين الاتباع. قال الشيخ محمد عبد الوهاب رحمه الله تعالى: قال: فأول ما أمره الله به الإنذار عنه قبل الإنذار عن الزنا والسرقة وغيرهما، في قوله تعالى: ﴿ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ﴾. فأول ما أمر الله عز وجل نبيه أن ينذر عن الشرك، أن ينذر عن ماذا؟ عن الشرك. وهل كان المشركون في ذاك الزمان ما عندهم إلا الشرك فقط؟ ها؟ لا، عندهم الزنا، وعندهم الربا، وعندهم قتل النفس، وعندهم كثير من الكبائر. لكن الله سبحانه وتعالى أول ما أمر نبيه أن ينذر عن الشرك قبل الزنا، وقبل الربا، وقبل غيرهما. قال الشارح عند هذه الفقرة: قال: أول ما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالإنذار عن الشرك، حيث قال الله تعالى: ﴿ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ﴾، وذلك قبل أن يؤمر بالإنذار عن الزنا وشرب الخمر وأكل الربا. وهذه كلها موجودة، إنما نهي عنها فيما بعد. ولكن أول ما أمر به ترك الشرك. لم يقل: حذرهم من الكبائر، ومن الزنا، ومن الربا، ومن الخبائث التي كانوا يعملونها، بل أول ما أمره... وهنا في صقف لو موجود عندكم صوبوه، موجود هنا: بل أو ما أمره. والصواب: بل أول، بنغصان اللام، فأضيفوا اللام: بل أول ما أمره بالنهي عن الشرك. بل أول ما أمره بالنهي عن الشرك. قالوا: وأول ما أمر به التوحيد قبل أن يؤمروا، وأول ما أمروا به التوحيد قبل أن يؤمروا بالصلاة والزكاة والصيام والحج؛ لأن التوحيد هو الأساس، ولا فائدة في الصلاة والحج والصيام والأعمال الصالحة مع عدم وجود التوحيد. إذن هذا الموضع من السيرة، وهو كون أول ما أرسل به النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية، ماذا نستفيد منها؟ نستفيد منها أهمية التوحيد، وأن أول ما أمر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يأمر بالتوحيد، وأول ما أمر بالنهي عنه عليه الصلاة والسلام أن ينهى عن الشرك. فهذه دلالة واضحة على أهمية التوحيد وخطورة الشرك، وعلى أن الداعي إلى الله عز وجل يكرس جهوده أولاً في الدعوة إلى التوحيد والتحذير من الشرك، لا سيما إذا كان يدعو في محيط وفي مجتمع يعج بالشركيات وبه كذلك الخرافات. فأول ما يدعو إلى التوحيد ويحذر من الشرك. وهذا ما جاء في حديث إرسال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم معاذًا إلى اليمن، فقال له: «فليكن إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله»، وفي رواية: «إلى أن يوحدوا الله». انظر، ثم قال له: «فإنهم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات» إلى آخر الحديث. فهكذا تكون العناية بأمر التوحيد. وليس معنى هذا أنك لا تدعو إلى غير التوحيد، لا، ولكن المراد أن تهتم بأمر التوحيد، خلافًا لما عليه بعض المنحرفين ممن جانب منهج السلف كجماعة التبليغ، فإنهم لا يتكلمون في التوحيد، ويزعمون أنهم أهل دعوة. فهؤلاء ما دعوا بدعوة النبي عليه الصلاة والسلام، بل ربما كما أخبر بعض المشايخ كالشيخ الألباني عنهم أنهم إذا أتوا في مكان يطاف فيه بالقبر، ربما من أجل - بزعمهم - أن يدخلوا الناس في دعوتهم، وأن يخرجوا الناس معهم، طافوا مع الناس، طافوا مع الناس حتى يطمئن الناس إليهم، وحتى يخرج الناس معهم. أعوذ بالله! انظر إلى كيف الشيطان استدرجهم وأوقعهم في الشرك، والعياذ بالله، أوقعهم في الشرك من حيث لا يشعرون، من حيث لا يشعرون. فهذا فيه رد على أولئك. كذلك جماعة الإخوان المسلمين الذين ماذا؟ لا يهتمون بهذا الجانب، جانب التوحيد والعقيدة والدعوة إلى التوحيد والنهي عن الشرك، بل يزعمون أن الدعوة إلى التوحيد تفرق الأمة وتشتت الأمة. بل كرسوا جهودهم في السياسة، وفي الجرائد والمجلات، وفي الأخبار والقصاصات، وإلى غير ذلك. فهذا مما يخالف نهج السلف. وأكذا الجماعات الأخرى كجماعة السرورية وغيرهم، فإنهم كذلك ماذا؟ يزهدون من أمر التوحيد، من أمر التوحيد والدعوة إلى التوحيد. فذاك قائدهم الذي قال: أن كتب العقيدة فيها من الجفاء، فيها من الجفاء، والعياذ بالله. وهكذا ذاك سلمان يقول: يمكن أن تدرس العقيدة في عشر دقائق، يمكن أن تدرس العقيدة في عشر، أو تفهم العقيدة في عشر دقائق. انظر كيف إلى الزهد، وإلى كذلك ماذا؟ تزهيد من أمر التوحيد. فترد عليهم هذه الأدلة، ويرد عليهم هذا الموضع الأول من مواضع السيرة، وهو الاهتمام بأمر التوحيد. قال الشارح: ولا فائدة في الصلاة والحج والصيام والأعمال الصالحة مع عدم وجود التوحيد. وهذا واضح كما تقدم. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: وعرفت أن منهم من تعلق على الأصنام، ومنهم من تعلق على الملائكة وعلى الأولياء من بني آدم. يعني أن مشرك العرب لا كما يزعم بعض المتأخرين من عباد القبور: أن المشركين كانوا يعبدون الأصنام فقط، وأن الآيات التي جاءت في التحذير من الشرك في القرآن إنما هي تحذر من من يعبد الأصنام. وهذا ليس بصحيح. نعم، هناك طائفة كانت تعبد الأصنام، وهناك طائفة أخرى منهم يعبدون الملائكة، كما في الآية التي تقدمت معنا: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ ﴾. إذن الملائكة كان قوم منهم يعبدونهم. كذلك عيسى عليه السلام، وكذلك عزير، وكذلك الجن. وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن، والاستعاذة من العبادة: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾. فكان جماعة من الإنس يعوذون بعظيم الوادي من الجن، فأسلم أولئك الجن، واستمر الإنس في عبادتهم، فأخبر الله عنهم في هذه الآية، كما جاء في تفسيرها: ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ﴾. إذن الكفار عبادتهم لغير الله ليست محصورة في الأصنام، بل منهم من كان يعبد الأصنام، ومنهم من كان يعبد الجن، ومنهم من كان يعبد الملائكة، ومنهم من كان يعبد عيسى عليه السلام، ومنهم من كان يعبد عزير، وإلى غير ذلك مما جاء في كتاب الله سبحانه وتعالى. فهذا معنى قول المؤلف: وعرفت أن منهم من تعلق على الأصنام، يعني من عبد الأصنام، ومنهم من تعلق على الملائكة وعلى الأولياء من بني آدم، كما في قوله تعالى: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ ﴾، وفي قراءة: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ ﴾. قيل: أنه كان رجلًا صالحًا يلد السويق للحجاج، فلما مات جعلوا له تلك الصخرة وعبدوها من دون الله سبحانه وتعالى، عبدوها من دون الله. فإذن في الحقيقة هم عبدوا ذلك الرجل، لزعمهم أنه ولي، وأنه كان يقوم بهذا العمل العظيم. فإذن هذه عبادات القوم ليست محصورة في عبادة الأصنام. ونترك كلام المؤلف، والشارح في الدرس القادم على هذه الفقرة. إلى هنا، والله تعالى أعلم. تضع شكرا، شكرا، شكرا.