الدرس في ستة مواضع من السيرة 7، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
بدأ النبي صلى الله عليه وسلم دعوته بالإنذار عن الشرك وتقرير التوحيد في أول آية نزلت، ولم تُفرض الصلوات الخمس إلا في ليلة الإسراء بعد ثلاث عشرة سنة من البعثة. يدل هذا التأخير على أن تصحيح العقيدة هو الأساس والأعظم منزلة، ولا يُقبل عمل دون توحيد خالص.
اقتصرت الدعوة في مكة على التوحيد والنهي عن الشرك لتترسخ العقيدة في القلوب وتكون جماعة صالحة قبل فرض الصلاة في السنة العاشرة. مرّ الصحابة بأحداث حصار الشعب وموت أبي طالب وخديجة وهجرة الحبشة ثابتين على هذا الأصل العظيم.
كان أذى قريش سببه الصدع بالحق والنهي عن الشرك لا مجرد العبادة الشخصية، مما يفرض على الداعي الثبات على التوحيد وتحمل الأذى في سبيله. يحذر المقطع من دعوات التعايش التي تساوم على التوحيد وتترك النهي عن الشرك مخالفة لمنهج النبوة.
اختتم المتحدث الدرس الحالي معلناً أن الدرس القادم سيبدأ في الموضع الثاني من الكتاب. ختم كلامه بقوله "والله تعالى أعلم" مستودعاً العلم عند الله.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في هذه الرسالة القيمة: "ستة مواضع من السيرة". ولا زلنا في الموضع الأول، وهو أول الآيات التي أرسل بها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سورة المدثر. قال: "وعرفت أن منهم من تعلق على الأصنام". منهم أي من المشركين، ومنهم من تعلق على الملائكة وعلى الأولياء من بني آدم. قال الشارح الفوزان حفظه الله: كانوا في الجاهلية متشتتين في عباداتهم ومعبوداتهم، منهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد الصالحين، ومنهم من يعبد الأشجار والأحجار. والنبي صلى الله عليه وسلم لم يفرق بينهم، بل نهاهم جميعًا وقاتلهم جميعًا، لم يفرق بين من عبد الملائكة والصالحين ومن عبد الأصنام؛ لأن الكل سواء، لأنه لا فرق بين من يعبد صنمًا ومن يعبد وليًا أو عبدًا صالحًا. وهذا أمر مهم جدًا يغفل عنه كثير من الناس ممن بعد عن العلم وعن دراسة التوحيد، فتجد كثيرًا من الناس إذا خاطبته بآيات الشرك والنهي عن الشرك قال: "إنما هذه الآيات أنزلت على من يعبد الأصنام". وهذا غير صحيح؛ لأن من المشركين في زمن النبي عليه الصلاة والسلام من يعبد الأصنام، ومنهم من يعبد غير الأصنام كالمَلائكة والصالحين، وكذلك الأولياء، وكذلك الجن كما تقدم معنا. فكما قال الشارح حفظه الله: لا فرق بين من يعبد صنمًا ومن يعبد وليًا أو عبدًا صالحًا؛ لأن القصد واحد وهو التعلق بغير الله. القصد واحد سواء أكان هذا التعلق إلى صنم أو إلى حجر أو إلى ولي أو إلى جن أو إلى إنسي. فالعبرة بما في القلب من الرغبة والرهبة، ومن الخوف والخشية والعبادة. فمتى تحقق هذا المقصود وقع الشرك، وقع الشرك. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: "ويقولون ما نريد منهم إلا شفاعتهم". قال الشارح: يقولون: «ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى»، ويقولون: «هؤلاء شفعاؤنا عند الله». هذا قصدهم، تقربوا إلى الله بعبادتهم هؤلاء، ما قصدهم الشرك. وإذا كانت الأفعال شركًا وكفرًا فلا ينظر إلى المقاصد هل هي حسنة أو ليست حسنة. وهذا قد تقدم معنا: أن القصد الحسن لا يبرر خطأ صاحبه، لا يبرر خطأ صاحبه. فمن وقع في الشرك بقصد حسن فهو شرك، ولا يبرر عمله ذلك. ومن وقع في البدعة ونيته حسنة فقد ابتدع، فقد ابتدع، ولا يبرر حسن نيته هذا العمل. وهكذا من وقع في المعصية أو في الكبيرة أو إلى غير ذلك، وكل ذلك يعد ماذا؟ يعد باطلًا ومخالفًا لما في شرع الله سبحانه وتعالى. قال الشيخ محمد: "ومع هذا بدأ بالإنذار عنه في أول آية أرسله الله بها". يعني: مع ما تقدم في قوله: إن المشركين كانوا يشركون بالله، وكانوا كذلك عندهم من العبادات. ومع هذا أيضًا كانت عندهم بعض الكبائر كالربا والزنا وقتل النفس وغير ذلك. مع هذا بدأ بالإنذار عن ماذا؟ عن الشرك في أول آية أرسله الله بها. قال: "فإن أحكمت هذه المسألة فيا بشراك". يعني: أبشر إذا أحكمت، أي إذا فهمت، وكذلك إذا علمت هذه المسألة فأبشر بكل خير؛ لأنك تعد من الموحدين، تعد من الموحدين. قال الشارح: أي إذا فهمت هذه المسألة أن أول ما يؤمر به التوحيد، وأول ما ينهى عنه الشرك، فإنه لا فائدة في صلاح باقي الأمور مع فساد العقيدة. هذه مسألة عظيمة ومطلب عظيم يجهله كثير ممن ينتسبون إلى الإسلام اليوم. فإذا فهمته فيا بشراك بالعلم النافع، فيا بشراك بالعلم النافع. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: "خصوصًا إذا عرفت أن ما بعدها أعظم من الصلوات الخمس". وما في قوله "ما بعدها" نافية. يعني: المعنى خصوصًا إذا عرفت أن ليس بعدها أعظم من الصلوات الخمس. يعني: ليس بعد التوحيد أعظم من ماذا؟ من الصلوات الخمس. لأن الصلاة هي ماذا؟ هي الركن الثاني من أركان الإسلام، من أركان الإسلام. فإذا عرفت أنه ليس بعد التوحيد أعظم من الصلوات الخمس، قال: "ولم تفرض إلا في ليلة الإسراء سنة عشر بعد حصار الشعب وموت أبي طالب وبعد هجرة الحبش بسنتين". قال الشارح عند قوله: "خصوصًا إذا عرفت أن ما بعدها أعظم من الصلوات الخمس": أي ليس بعد هذه المسألة التي هي التوحيد أعظم من الصلوات الخمس؛ لأنه الركن الثاني من أركان الإسلام بعد الشهادتين. ومع هذا لم يأمر الله سبحانه وتعالى بالصلوات الخمس إلا قبيل الهجرة. فالرسول صلى الله عليه وسلم مكث في مكة ثلاث عشرة سنة لم يؤمر بالصلاة، سبحان الله! مع أنها أعظم الأعمال بعد التوحيد. ومع هذا كل هذه الفترة، وكان الاعتناء بأمر التوحيد وأمر ترسيخ العقيدة النقية الصافية في قلوب المؤمنين، في قلوب المؤمنين. فهذا يدلك على ماذا؟ يدلك على أهمية التوحيد، على أهمية التوحيد، وعلى أهمية دراسة التوحيد ومعرفة دقائقه ودراسة تفاصيله. هذه من الأمور المهمة التي ينبغي للمؤمن أن يعتني بها. قال: "وإنما أمر بالصلاة قبيل الهجرة في ليلة المعراج". فلماذا تأخر الأمر بالصلاة؟ الجواب: من أجل أن يتأسس التوحيد؛ لأنهم لو صلوا ما نفعتهم صلاتهم إلا مع التوحيد. انظر: ما ينفع أي عمل صالح بدون توحيد. الصلاة من أعظم الأعمال، ومع هذا لم تفرض إلا بعد أن ترسخ التوحيد في قلوب المؤمنين، وبعد أن نشأ جماعة طيبة مباركة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهذا يدلك على هذا الأصل العظيم: وهو أنه أي عمل لا يكون معه توحيد فهو مردود على صاحبه، وهو ليس بمقبول عند الله سبحانه وتعالى. وقال الشارح عند قول المؤلف: "ولم تفرض أي الصلاة إلا في ليلة الإسراء سنة عشر بعد حصار الشعب وموت أبي طالب وبعد هجرة الحبشة بسنتين". وهذه كلها حوادث في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام: حصار الشعب، وموت أبي طالب الذي كان يحوط ويدفع عن النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك بعد الهجرة إلى الحبشة. وهذه أيضًا من الوقائع التي وقعت في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام. قال الشارح: إنما فرضت الصلاة ليلة الإسراء والمعراج في السنة العاشرة من البعثة، وهذا أمر معلوم. وأمر المراجعة في ليلة الإسراء والمعراج في تخفيف عدد الصلوات معلوم، الحديث صحيح، الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: "وقصة الحصار أن الرسول...". الآن الشارح من باب الفائدة شرح لنا معنى حصار الشعب وأوضح لنا قصة الحصار. فقال: وقصة الحصار أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يدعو إلى التوحيد وينهى عن الشرك، وكان المشركون يضايقونه ويضايقون أصحابه، وكان عمه أبو طالب يدافع عنه ويحميه من أذى قومه، من أذى قومه. سخره الله له مع أنه مشرك، لكن الله جل وعلا سخره لنبيه يحميه ويدافع عنه، يعني حمية جاهلية؛ لأنه ابن أخيه ومن عشيرته وأقربائه. فدافع عنه، دافع عنه، وحماه، وصد عنه أذى المشركين، أذى المشركين. قال: "فلما مات أبو طالب وماتت زوجة النبي عليه الصلاة والسلام خديجة رضي الله عنها، وهما اللذان يدافعان عنه". ومعروف مواقف خديجة رضي الله تعالى عنها ومواساتها للنبي عليه الصلاة والسلام. قال: "تسلط الكفار عليه زيادة، وضيقوا عليه الخناق هو وأصحابه". وكانوا من قبل قد حاصروه في الشعب. ومن باب التنبيه: قد يفهم أن موت أبي طالب كان قبل الحصار، والأمر ليس كذلك. أولاً: الحصار، حصار الشعب، ثم بعد ذلك مات أبو طالب، ثم ماتت خديجة رضي الله تعالى عنها. ولذلك رتب المؤلف في المتن رتب هذه الحوادث، فقال: "ولم تفرض إلا في ليلة الإسراء سنة عشر بعد حصار الشعب وموت أبي طالب وبعد هجرة الحبشة بسنتين". فإذا حصار الشعب متقدم على موت أبي طالب. لكن صار الحصار، فلما مات أبو طالب بعد الحصار اشتد الأذى بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه بعد موت أبي طالب. فإذا الحصار كان قبل موت أبي طالب. قال: "وهم كانوا من قبل قد حاصروهم في الشعب، في شعب من شعاب مكة". يعني شعب ليس فيه ماذا؟ ليس فيه بيوت، وليس فيه كذلك يعني أشجار، وليست فيه كذلك يعني ماء ونبات. شعب من الشعاب، شعب من الشعاب، فضاء ليس فيه شيء. قال: "وقاطعوهم، منعوا عنهم الأرزاق والبضائع، ومنعوا التزوج منهم". حاصروهم في هذا الشعب حتى ألمهم الجوع. هذا ثابت، حديث الحصار ثابت في كتب السيرة. قال: "وكتبوا بذلك صحيفة، وقعوا عليها وعلقوها في الكعبة لمقاطعة محمد ومن معه". ولما مات الذي كان يدافع عنه فسنحت لهم الفرصة، فاشتد أذاهم له ومن معه. ومع هذا ما أمر بالصلاة من بعثته إلى هذه الفترة، كل هذه الفترة. ولم يؤمر النبي عليه الصلاة والسلام بالصلاة، إنما أمر بماذا؟ أمر بالأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك. كل هذه الفترة ثلاثة عشر سنة، ودعوته دعوة إلى التوحيد ونهي عن الشرك، ونهي عن الشرك. فهذا يدل على أهمية هذا الأمر. قال: "ومع هذا ما أمر بالصلاة من بعثته إلى هذه الفترة؛ لأن المقام مقام تصحيح، تصحيح عقيدة قبل كل شيء". قال: "ولما اشتد أذاهم على الرسول صلى الله عليه وسلم وضايقوه، أمر من معه من ضعفة الصحابة ممن ليس لهم من يدافع عنهم، أمرهم بالهجرة إلى الحبشة". فانظر هذه الواقعة، واقعة الهجرة كانت بعد الحصار، وكذلك بعد موت أبي طالب. أمرهم بالهجرة إلى الحبشة؛ لأن فيها ملكًا وهو النجاشي، لا يظلم أحد عنده، وهو نصراني إذ ذاك، لكن لا يظلم أحد في أرضه. هذه هي الهجرة الأولى، وفيهم عثمان بن عفان رضي الله عنه، وفيهم من أكابر الصحابة. وذلك لأجل الفرار بدينهم، وكان هذا سببًا لإسلام النجاشي رحمه الله حين سمع القرآن وسمع من الصحابة، وهداه الله للإسلام فأسلم. قال: "وأرسلت قريش إلى النجاشي بهدايا ومغريات، يقولون: هؤلاء مارقون، شاردون منا، طيب شاردون منا، ردهم علينا". فأبى أن يردهم عليهم، فكذب الله ظن المشركين، وعادت رسلهم خائبين، واستمر النجاشي رحمه الله في حماية المسلمين عنده إلى أن قيض الله الفرج. هذا كله من حوادث السيرة استطرادًا من المؤلف. والشاهد مما ذكره الشيخ محمد عبد الوهاب رحمه الله: أن لعظم التوحيد استمر النبي عليه الصلاة والسلام يدعو إليه هذه الفترة الطويلة، ولم يؤمر بشيء غيره، لم يؤمر بشيء غير التوحيد، غير الأمر بالتوحيد وغير النهي عن الشرك، هذه الفترة. حتى الصلاة التي هي أعظم الأعمال بعد التوحيد لم يؤمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بها في تلك الفترة. قال: "فإذا عرفت...". قال الشيخ محمد عبد الوهاب رحمه الله: "فإذا عرفت أن تلك الأمور الكثيرة والعداوة البالغة، كل ذلك عند هذه المسألة، أو كل ذلك عند هذه المسألة قبل فرض الصلاة، رجوت أن تعرف المسألة". قال الشارح: أي إذا عرفت هذه المسألة، وهي مسألة أنهم ما عادوا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وضايقوه وحاصروه هو وأصحابه إلا من أجل ماذا؟ من أجل الأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك. وإلا لو سالمهم وعبد ربه هو ومن يتبعه وتركهم، ما قالوا له شيئًا، بل كانوا سيفرحون بهذا. وهذا فيه درس للدعاة إلى الله عز وجل: أن لا يبالوا بنهيق أهل الشرك، وبكذلك أذى أهل الشرك. إنهم دعوا إلى التوحيد، فالداعي إلى التوحيد لا بد أن يناله أذى من يتعلق بغير الله من القبور وغيرها. لا بد أن يناله أذاهم: إما بسب وشتم، وإما بالمضايقة، وإما كذلك بالتشويه والافتراءات والكذب، وإما كذلك بتبليغ الجهات المسؤولة، وإما بالتحريش بين الموحد وبين بعض عامة الناس: بأن هذا الداعي إلى التوحيد يكفر المسلمين، وأنه كذلك أتى بدين جديد، وكذا وكذا من هذه التلبيسات ومن هذه الأكاذيب. فلا بد للداعي إلى التوحيد أن يستمر في دعوته، وأن يصبر، وأن يحتسب، وليكن قدوته رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فانظر النبي عليه الصلاة والسلام: لو أنه جلس في بيته وعبد الله على التوحيد الذي علمه والذي أوحي إليه، ودعا بخفية، ومن آمن معه دلّه على هذا التوحيد، ولم يسفه آلهة المشركين، ولم كذلك يحذر من عبادة المشركين، هل سيؤذيه أولئك القوم؟ ما سيؤذونه، ما سيؤذونه. إن فعل ذلك، فدل ذلك على أن الصدع بأمر التوحيد والنهي عن الشرك لا بد منه، لا بد منه؛ لأن دين الله عز وجل لا يقوم إلا بذلك. ما ينفع أن الشخص يصلي طيلة الليل وعنده شرك بالله سبحانه وتعالى، أو يصوم النهار وعنده شرك بالله عز وجل، يتعلق بالقبور ويذهب إلى الزيارات الشركية، وهكذا يدعو غير الله ويذبح لغير الله ويستغيث بغير الله. ما الفائدة من صلاته؟ وما الفائدة من ذكره وعبادته؟ ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون. فدل ذلك على أهمية التوحيد، وأنه لا بد أن يعتنى به، وأن يعطى الأولوية في الدعوة إلى الله عز وجل، وفي تكثيف الدروس فيه والخطب والمحاضرات. وهكذا الدعوة إلى التوحيد في شتى الوسائل المستطاع لها، في شتى الوسائل سواء كانت مسموعة أو كذلك مكتوبة أو كذلك غير ذلك. قال: "إذا عرفت هذه المسألة، وهي مسألة أنهم ما عادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وضايقوه وحاصروه وأصحابه إلا من أجل الأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك. وإلا لو سالمهم وعبد ربه هو ومن يتبعه وتركهم، ما قالوا له شيئًا، بل كانوا سيفرحون بهذا". وهذه دعوة أهل الكفر اليوم: يقولون: "دعونا نتعايش، ودعونا نتهاود، نتعايش معنا أننا نتسالم، نعيش جميعًا، أنت لك مذهبك ولك طريقتك، ونحن لنا مذهبنا ولنا طريقتنا، فأنت لا تنكر علينا ونحن لا ننكر عليك". هذه الآن دعوة بعض الناس، بل للأسف بعض ممن يدعي أنهم من المتثقفين وأنهم من المتعلمين، يقول: "أنتم ابقوا على ما أنتم عليه، ولا تتكلموا على أحد، ولا تحذروا من أحد، ولا كذلك تحذروا من شرك، ولا تحذروا من عمل فلان أو عمل علان، يعبدوا الله على ما أنتم ترون، أولاك يعبدون الله على ما يرون، وامشوا على هذا". لا، هذا ليس من هدي النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا فيه غش للمسلمين، وهذا فيه كذلك خديعة للتوحيد والنهي عن الشرك. قال: "ولا تقولوا شيئًا في ديننا، ونحنا نقولوا شيئًا في دينكم". وهم يكذبون؛ لأنهم يحاربون الإسلام، وهم يقولون: "أنتم لا تقولوا في ديننا شيئًا، ونحنا نقول في دينكم شيئًا". وهم يحاربون الإسلام على أقصى ما يمكن، ويقتلون المسلمين ويشردونهم. يقولون: "دعونا نتحاور ونتهاود". ويقصد العلمانيين، ويقصد كذلك أعداء الإسلام من اليهود والنصارى والمشركين. قال: "ولو أنه صلى الله عليه وسلم ما دعا إلى التوحيد ولا نهى عن الشرك، ما ثارت ثائرتهم". وبهذا نكون قد انتهينا من الموضع الأول من هذه المواضع الستة، ونكتفي بهذا. وفي الدرس القادم إن شاء الله نبدأ في الموضع الثاني. إلى هنا والله تعالى أعلم.