الدرس في ستة مواضع من السيرة 9، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن الإسلام لا يستقيم بمجرد التوحيد وترك الشرك، بل لا بد من إظهار العداوة والبغضاء للمشركين والتصريح بالبراءة منهم مستدلاً بقوله تعالى: ﴿ لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ﴾، وينتقد من يقصر العداوة على المحاربين فقط دون الكافرين بسبب دينهم معتبراً ذلك مخالفاً للقرآن والسنة.
يؤكد المتحدث أن كل كافر ومشرك محاد لله ورسوله، وتحرم موالاة اليهود والنصارى مطلقاً دون تفريق بين محارب وغير محارب مستدلاً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية، ويرفض دعوات التقارب وتوحيد الأديان بدعوى أنها سماوية مبيناً أن الإسلام نسخ ما قبله وأن العداوة ثابتة للكفار جميعاً وإن تفاوتت درجتها.
يشرح المقطع مفهوم الولاء والبراء في الإسلام، وينتقد علماء الضلال الذين يدعون إلى موالاة المشركين والكفار بزعم المودة والرحمة والمصالحة معتبرين ذلك من مدح الدين، ويؤكد أن الرحمة الحقيقية تكمن في دعوتهم إلى الإسلام لا في التنازل عن مبادئ الولاء والبراء، مبيناً أن المصالحة السياسية جائزة بشرط عدم ميل القلب إليهم ولا التنازل عن أمور الدين.
يؤكد المتحدث أن الجلوس مع المخالفين والتحاور معهم لا يُعد من الأمور السياسية كما يزعم البعض مشدداً على أن هذا التبرير غير صحيح، ويختتم الدرس على أن يكمل ما تبقى في الجلسة القادمة.
على آله وصحبه ومن وآله وبعد، قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجد رحمه الله تعالى بكلامه على الموضع الثاني من المواضع التي اختارها من السيرة. قال رحمه الله: فإذا عرفت هذا عرفت أن الإنسان لا يستقيم له إسلام، ولو وحد الله وترك الشرك، إلا بعداوة المشركين والتصريح لهم بالعداوة والبغضاء، أو بالعداوة والبغض، كما قال تعالى: ﴿ لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ﴾. ومعنى هذا أنه قد تقدم معنى أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه، لما دعا عليه الصلاة والسلام إلى التوحيد وحذر من الشرك، لم يأمر بالتوحيد وينهى عن الشرك على سبيل العموم، بل على سبيل التصريح والإنكار وإبداء العداوة والبغضاء على أهل الشرك. فأنت إذا فهمت هذا وعرفت هذا، فإن المسلم لا يكفي أن يعمل بالتوحيد وأن يبتعد عن الشرك، بل لا بد أن يضيف إلى ذلك إظهار البراءة من المشركين وإظهار العداوة للمشركين، كما في هذه الآية: ﴿ لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ﴾. لأنك إذا لم تنكر على أهل الشرك وتبدي لهم العداوة، فهذا دليل المودة ودليل الرضا عنهم وعن عملهم وعن طريقهم، فلا بد من هذا الأمر. وهذا الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى، فلا بد من التصريح لهم بالعداوة والبغض، ولا يكفي أن يقول المسلم: أنا موحد وأنا بعيد عن الشرك، ويكتفي بهذا، بل لا بد من الإنكار على من خالف التوحيد ووقع في الشرك. قال الشارح: هناك من ينتسبون للدعوة والعلم ولا يرضون بمعادات الكفار، ويقولون: إنما أمرنا أو إنما أمرنا بعداوة المحاربين فقط. يقولون: نعاديهم لأنهم حاربونا، لأنهم أخذوا أوطاننا. أما أن نعاديهم من أجل دينهم فلا نعاديهم. وانظر إلى قول الشارح: «هناك من ينتسبون للدعوة والعلم»، وللأسف أن هذا الكلام يصدر من أمثال هؤلاء المنتسبين للدعوة والعلم. فإن بعض من يدعي أنه مصلح وأنه مؤسس لجماعة مسلمة أو لجماعة الإخوان المسلمين، من يقول هذا الكلام، يقول: عداوتنا مع اليهود ليس من أجل الدين، وإنما من أجل الأرض، وإنما من أجل الأرض لأنهم أخذوا أرضنا، فنحن نعاديهم ليس من أجل ديننا، وليس من أجل أنهم مشركون وأنهم كفار. فلو أنهم في غير أرضنا لما أظهرنا عليهم العداوة. هذا معنى قوله، وهذا معنى قوله، وهو حسن البنة. وهكذا أتباعه مشوا على ذلك، فهم يصرحون بهذا إما بأقوالهم وإما بأفعالهم. فهم يظنون أن العداوة إنما تكون لمن عاد المسلمين، ولمن حارب المسلمين، كمن أخذ أرضهم وهكذا واجههم بالحرب وبالقوة، فهذا الذي يعاد عندهم. أما مشرك كافر لا يكون من وصفه ما ذكر، فهم لا يعادونه. وهذا خلاف ما في القرآن وما في السنة. أما ما في القرآن، كما قال الشارح: قال والله جل وعلا: ﴿ لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ﴾. قال: فلم يقتصر على المحاربين فقط، بل إن الله جعل سبب الكره لهم هو المحادة لله ورسوله. وأي محادة لله ورسوله أعظم من الكفر؟ فالكفر محادة عظيمة لله ولرسوله. وأي محادة كذلك أعظم من الشرك بالله عز وجل؟ فكل مشرك وكل كافر فقد حاد الله ورسوله، فقد حاد الله ورسوله، لأنه جعل لله الشركاء، وجعل لله النقائص، وهكذا نشر الكفر في البلاد. وهذا من الفساد، وهذا من الفساد نشره، إما بقوله وإما بفعله. فكل من كفر وأشرك فهو محاد لله ولرسوله. والله عز وجل لم يفصل هذا التفصيل الذي يفصله أولئك القوم من التفريق بين المحارب وغير المحارب في البغض والعداوة. ما جاء هذا التفصيل في القرآن، وإنما جاء تفصيل آخر وهو مسألة المصالحة، وهذا سيأتي الكلام عليها. قال الشارح: لا تجوز مودة الكفار كلهم. قال الله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ﴾. هل فرق هنا بين اليهود والنصارى المحاربين وغير المحاربين؟ لم يفرق: ﴿ لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ﴾، يعني محبوبين. ﴿ ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾. من يتول الكفار ويتودد إليهم. وربما بعض أولئك المنتسبين للدعوة والعلم يدعون إلى التقارب بين الأديان، وإلى كذلك ماذا؟ التوحيد بين الأديان، ويحضرون المؤتمرات والاجتماعات التي يحضر فيها اليهود والنصارى، بحجة أن كلها ماذا؟ أديان سماوية، كلها أديان سماوية، وأن هذه الأديان كلها، وأن هذه الأديان كلها من الله، فلا مانع أن تتقارب، ولا مانع أن تتحد وتتفق. فهم يدعون بهذه الدعوة، والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿ ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ﴾. ويقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ﴾. فكل، كل إنسان بعد مبعث النبي عليه الصلاة والسلام مأمور بأن يتبع النبي عليه الصلاة والسلام، وأن يكون على شريعته وعلى دينه عليه الصلاة والسلام. وهكذا يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وما أرسلناك إلا كافة للناس ﴾. فدعوة النبي عليه الصلاة والسلام عامة، ودينه وشرعته نسخت الأديان المتقدمة. ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ما يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يتبعني إلا كان من أهل النار»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. فكل هذه الأدلة ترد هذه الدعوة، دعوة توحيد الأديان، ودعوة المصافاة والمودة مع أهل الكتاب، بحجة أن هذه كلها ديان سماوية. هذا دعوة ممن يدعي وينتسب إلى العلم وإلى الصلاح والإصلاح، وهذا من جهلهم، من جهلهم بأدلة الشرع، أدلة الكتاب والسنة. فلا تقارب بين الإسلام وبين اليهودية والنصرانية، ولا اتحاد كذلك بين الإسلام وبين اليهودية والنصرانية، بل الكل مطالب بأن يدخل في دين الله عز وجل الذي بعث به نبيه محمدا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال الشيخ: لا تجوزوا. قال وقال تعالى: ﴿ لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق ﴾. عدوك أيها المسلم: الكافر مطلقا. ولكن العداوة تختلف، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ﴾. فإذا أثبت العداوة للكل، أشد الناس عداوة، معنى أقل الناس عداوة هم الذين تنصروا، النصارى هم أقل الناس عداوة للمسلمين، لكن الكل عدو للمسلم، الكل عدو للمسلم. فينبغي أن نفقها هذا: ﴿ لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق ﴾. الكل كفر بما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، فكيف بعد هذا نأتي بمثل هذا التفريق؟ فهذا من الباطل. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: فإذا فهمت هذا فهما جيدا، عرفت أن كثيرا من الذين يدعون الدين لا يعرفونها، ويريد علماء الضلال وعلماء السوء الذين يدعون أنهم من أهل الدين وأنهم من أهل العلم، وهم من أهل الضلال ومن أهل الشرك والزيغ، والعياذ بالله. قال الشارح حفظه الله: قال هذا صحيح، فإنك لو تسأل كثيرا من العلماء والمتعلمين عن هذه المسألة، وهي مسألة الولاء والبراء، تجدهم لا يعرفونها. يقولون: لا يلزم بغضهم، ديننا ما هو دين عداوة، ديننا دين مودة ودين مصالحة ودين كذا، يعتبرون هذا من مدح الدين. فمودة المشركين عندهم لا بأس بها، ويعتبرونها من المصالحة معهم. وأدى حتى في زماننا هذا، سبحان الله، الشيخ محمد عبد الوهاب رحمه الله تعالى في وقته ذاك في القرن الثاني عشر وهو يعاني من هؤلاء، وهكذا في هذا القرن الرابع عشر يعاني أهل الحق من هؤلاء علماء الضلال. فانظر إلى القرضاوي على سبيل المثال، ومنع علماء الضلال، ومن يظهر في شاشات التلفاز ويغتر به كثير من العوام، يدعو بهذه الدعوة، دعوة التقارب. بل لما مات ذلكم الذي هو يعد من زعماء النصارى، لما مات وجه رسائل العزاء، وهكذا السيرة الذاتية لهذا الزعيم من زعمائهم، والثناء العطر عليه، وما قدم لدين النصارى من جهود. سبحان الله، وكأنه مسلم، وكأنه مسلم يثني عليه، وهكذا يظهر محاسنة ويغرر الناس به. فسبحان الله، انظر إلى هؤلاء كيف لا يميزون، ولا كذلك يفقهون هذه المسألة، وهي مسألة الولاء والبراء. فيقولون: ما يلزم أن نبغل أهل الشرك وأهل الكفر، ما يلزم ذلك، ديننا دين مودة، دين رحمة. نعم، دين مودة بمن يستحقها من أهل الإسلام، ودين رحمة أن تدعوهم إلى الإسلام. إذا أنت عندك رحمة على المشركين والكفار، تدعوهم وتجتهد في دعوتهم إلى دين الله عز وجل، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام لما زار ذلك الغلام الذي مرض وكان يهوديا، فدعاه إلى الإسلام، فنظر إلى أبيه كأنه يستشيره، فقال له أبوه: أطع أبا القاسم، فأسلم، فأسلم ذلكم الغلام، ففرح النبي عليه الصلاة والسلام: «الحمد لله الذي نجاه من النار»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. فهذه الرحمة، أما المودة والرحمة وكذلك العطف عليهم بالتنازل عن الدين وعن مبادئ الولاء والبراء، فهذا ليس بصحيح. قال الشيخ في شرحه: ونقول: مصالحتهم على أمور السياسة، لا ما نعملها. لكن مصالحتهم على ترك بعض أمور الدين لا تجوز. والمصالحة في أمور السياسة، بدون ميل بالقلب إليهم، وبدون محبتهم، وبدون التنازل عن أمور الدين من الولاء والبراء، ومن كذلك أمور الشرع، مصالحة كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يصالح مع أهل مكة المشركين، وهكذا مع اليهود، لأمور سياسية، من السياسة الشرعية، من السياسة الشرعية. أما مصالحتهم في أمور السياسة ثم بعد ذلك تقديرهم واحترامهم، وهكذا ربما إعطاء الهدايا لهم، وهكذا ماذا؟ الجلوس معهم والتحاور معهم، إلى غير ذلك مما يفعله بعض الناس بحجة أن هذه من الأمور السياسية، هذا ليس بصحيح، هذا ليس بصحيح. طيب، نكتفي بهذا، ونكمل ما بقي في الدرس القادم. إلى هنا والله تعالى. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر