الدرس في بعض أشراط الساعة 3، الدرس الثالث: ( تمهيد لأشراط الساعة الكبرى + آية الدخان ) ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المقطع علامات الساعة الكبرى، حيث ذكر أن هناك عشرة علامات كبرى وردت في السنة النبوية المطهرة. كما تطرق إلى سرعة وقوع هذه العلامات وتتابعها.
تحدث النص عن آية الدخان كإحدى علامات الساعة الكبرى، واستدل على ذلك بآيات القرآن الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم. وتناول آراء العلماء حول ما إذا كانت هذه الآية قد حدثت في زمن النبي أم لا.
يتناول المقطع القول الثاني حول آية الدخان، وهو قول جمهور العلماء بأن آية الدخان لم تأت بعد، واستدلالهم على ذلك بثلاثة أمور متعلقة بالقرآن والأحاديث النبوية.
المقطع يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويُتبع بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الاعتماد على الله تعالى في كل الأمور.
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، فَمُرَاجَعَةً لِمَا مَضَى مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِأَشْرَاطِ السَّاعَةِ، كَانَ الْكَلَامُ إخْوَانِي فِي اللَّهِ فِي الدُّرُوسِ الْمَاضِيَةِ عَنْ التَّعَارِيفِ وَالْحُدُودِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَذَا الْبَابِ، وَذِكْرِ أَهَمِّ الْأُمُورِ الَّتِي تُبَيِّنُ أَهَمِيَّةَ هَذَا الْمَبْحَثِ. ثُمَّ كَانَ الْكَلَامُ حَوْلَ تَقَاسِيمِ أَوْ تَقْسِيمِ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ، وَأَنَّهَا تَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ: أَشْرَاطٍ صُغْرَى وَأَشْرَاطٍ كُبْرَى. وَأَنَّ الْأَشْرَاطَ الصُّغْرَى تَنْقَسِمُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: مِنْهَا مَا وَقَعَ، وَقِسْمٌ مِنْهَا لَا يَزَالُ يَقَعُ، وَمِنْهَا إلَى الْآنِ لَمْ يَقَعْ. وَمَثَّلْنَا بِبَعْضِ الْأَمْثِلَةِ فِي الدُّرُوسِ الْمَاضِيَةِ. وَالْآنَ سَيَكُونُ الْكَلَامُ إخْوَانِي فِي اللَّهِ حَوْلَ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ الْكُبْرَى. وَلَدَيْنَا ثَلَاثَةُ مَبَاحِثَ مُتَعَلِّقَةٍ بِهَذَا الْبَابِ. الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ: مَا هِيَ أَشْرَاطُ السَّاعَةِ الْكُبْرَى؟ أَشْرَاطُ السَّاعَةِ الْكُبْرَى إخْوَانِي فِي اللَّهِ هِيَ عَشْرَةٌ، وَجَاءَ ذِكْرُهَا فِي السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ. فَقَدْ بَيَّنَتْ السُّنَّةُ تَعْدَادَ هَذِهِ الْأَشْرَاطِ الْكُبْرَى. رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: «كُنَّا نَتَذَاكَرُ فَاطَّلَعَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَا تَذَاكَرُونَ؟ قُلْنَا: نَتَذَاكَرُ السَّاعَةَ. فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: إنَّهَا لَنْ تَكُونَ حَتَّى تَرَوْا قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ». فَذَكَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: الدُّخَانَ، وَالدَّابَّةَ، وَالدَّجَّالَ، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَنُزُولَ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ، وَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَخَسْفًا بِالْمَشْرِقِ، وَخَسْفًا بِالْمَغْرِبِ، وَخَسْفًا فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنْ الْيَمَنِ تُطَرِدُ النَّاسَ إلَى مَحْشَرِهِمْ. فَهَذِهِ عَشْرُ آيَاتٍ، وَهِيَ تَعْتَبِرُ مِنْ الْعَلَامَاتِ الْكُبْرَى الَّتِي جَعَلَهَا الْعُلَمَاءُ بِهَذَا الِاسْمِ أَشْرَاطُ السَّاعَةِ الْكُبْرَى، وَهِيَ عَشْرَةٌ كَمَا جَاءَ بَيَانُهَا فِي قَوْلِ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَإِنْ شَاءَ اللَّهُ إذَا يَسَّرَ اللَّهُ سَنَذْكُرُ كُلَّ عَلَامَةٍ وَأَمَارَةٍ عَلَى حِدَةٍ. الْمَبْحَثُ الثَّانِي: مَا يَتَعَلَّقُ بِسُرْعَةِ وُقُوعِهَا. هَذِهِ الْعَلَامَاتُ الْعَشْرُ مِنْ حِكْمَةِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا أَنَّهُ إذَا وَقَعَتْ فَإِنَّهَا تَتَتَابَعُ فِي النُّزُولِ. أَيْ لَنْ يَكُونَ هُنَاكَ فَيْصَلٌ أَوْ هُنَاكَ زَمَنٌ طَوِيلٌ يُفَصِلُ كُلَّ عَلَامَةٍ عَنْ الْأُخْرَى، بَلْ إنَّهَا تَتَقَارَبُ كُلُّ وَاحِدَةٍ تَتَعَقَّبُ بِأُخْرَى أَوْ يَتْلُوهَا آخَرُ. رَوَى الْإِمَامُ الْحَاكِمُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «الْأَمَارَاتُ خَرَزَاتٌ فِي سِلْكٍ، الْأَمَارَاتُ خَرَزَاتٌ فِي سِلْكٍ، فَإِنْ يَقْطَعْ السِّلْكَ يَتْبَعْ بَعْضُهَا بَعْضًا». وَالْحَدِيثُ ذَكَرَهُ شَيْخُ الْأَلْبَانِيِّ فِي الصَّحِيحَةِ. وَمَثَّلَ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْأَمَارَاتِ الْكُبْرَى بِأَنَّهَا كَالْخَرَزَاتِ فِي السِّلْكِ، الْخَرَزَاتِ الْمَنْظُومَةِ فِي سِلْكٍ مَعْرُوفَةِ الشَّكْلِ. مِثْلُ الْآنَ مِسْبَحَةٍ عِبَارَةٌ عَنْ خَرَزٍ يُنَظَّمُ أَوْ يُنَظَمُ فِي سِلْكٍ. تَخَيَّلْ عَشْرَ خَرَزَاتٍ فِي سِلْكٍ، فَإِنْ جَاءَ أَحَدُنَا وَقَطَعَ السِّلْكَ، مَا بَالُكَ بِالتَّتَابُعِ؟ يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا تَتَدَحْرَجُ سَرِيعًا. وَهَكَذَا عَلَامَاتُ السَّاعَةِ الْكُبْرَى، مَتَى مَا ظَهَرَتْ أَوَّلُ عَلَامَةٍ فَإِنَّ الثَّانِيَةَ خَلْفَهَا، وَالثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ وَالْخَامِسَةُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ. وَهَذِهِ يَدُلُّكَ عَلَى سُرْعَتِهَا، وَعَلَى أَنَّ النَّاسَ يَسْتَعِدُّونَ لَهَا. الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ: مَا يَتَعَلَّقُ بِتَرْتِيبِهَا. مَا هِيَ أَوَّلُ عَلَامَةٍ؟ وَمَا هِيَ آخِرُ عَلَامَةٍ؟ لَيْسَ هُنَاكَ نَصٌّ صَرِيحٌ صَحِيحٌ وَاضِحٌ فِي ذِكْرِ تَرْتِيبِ هَذِهِ الْعَلَامَاتِ. لَكِنَّ مِنْ تَأَمُّلٍ فِي النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي هَذَا الْبَابِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَأَكَّدَ أَنَّ بَعْضَهَا أَيْ بَعْضَ هَذِهِ عَلَامَاتٍ لَهَا تَرْتِيبٌ مُعَيَّنٌ. مِثْلُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالدَّجَّالِ وَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَعِيسَى، هَذِهِ الْأَشْيَاءُ مُرَتَّبَةٌ. لِأَنَّ النُّصُوصَ مِنْ تَأَمُّلِهَا فِيهَا تَرْتِيبٌ: يَأْتِي الدَّجَّالُ أَوَّلًا، وَبَعْدَ الدَّجَّالِ يَنْزِلُ عِيسَى بَعْدَهُ، وَبَعْدَ عِيسَى يَنْزِلُ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ. هَذِهِ الثَّلَاثَةُ مُرَتَّبَةٌ عَلَى هَذَا النَّسَقِ: دَجَّالٌ، عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ. وَعِنْدَنَا كَذَلِكَ أَنَّ آخِرَ عَلَامَةٍ مِنْ عَلَامَاتِ الْعَشْرِ نَارٌ تَخْرُجُ مِنْ أَرْضِ الْيَمَنِ تُطَرِدُ النَّاسَ إلَى مَحْشَرِهِمْ، وَذَلِكَ بِنَصِّ الْحَدِيثِ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنْ الْيَمَنِ تَحْشُرُ النَّاسَ أَوْ تُطَرِدُ النَّاسَ إلَى مَحْشَرِهِمْ». فَهَذِهِ عَلَامَةٌ نَسْتَيْقِنُ أَنَّهَا آخِرُ عَلَامَةٍ مِنْ الْعَلَامَاتِ الْكُبْرَى. بَقِيَ مَا يَتَعَلَّقُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالدَّابَّةِ أَيْنَ مَوْقِعُهَا؟ قَالَ الْعُلَمَاءُ: هِيَ لَا شَكَّ أَنَّهَا بَعْدَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، لِأَنَّ بِظُهُورِهَا وَبِطُلُوعِهَا يَنْقَطِعُ يَنْقَطِعُ بَابُ التَّوْبَةِ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَهَكَذَا الدَّابَّةُ تَنْقَطِعُ بَابُ التَّوْبَةِ، فَتَكُونُ مُتَأَخِّرَةً، لَكِنَ أَيْنَ مَحَلُّهَا بِالضَّبْطِ؟ اللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَكَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْخُسُوفِاتِ الثَّلَاثِ: خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ، وَفِي الْمَغْرِبِ، وَفِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، هَذَا لَا يُدْرَى أَيْنَ مَوْقِعُهُ، لَكِنَّهُ وَاقِعٌ. فَشَاهِدٌ أَنَّ تَرْتِيبَ هَذِهِ الْعَلَامَاتِ بَعْضُهَا قَدْ عَلِمَ بِالتَّأَمُّلِ فِي النُّصُوصِ، وَبَعْضُهَا لَمْ يُمْكِنْ التَّعَرُّفُ عَلَيْهِ. نَأْتِي الْآنَ إلَى الدُّخُولِ فِي هَذِهِ الْعَلَامَاتِ. أَوَّلُ مَا نَذْكُرُهُ مِنْ هَذِهِ الْعَلَامَاتِ هِيَ آيَةُ الدُّخَانِ. آيَةُ الدُّخَانِ وَآيَةُ الدُّخَانِ دَلَّ عَلَيْهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ. قَالَ رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وَالسُّنَّةُ كَذَلِكَ، كَمَا مَرَّ مَعَنَا بِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ قَالَ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنَّهَا لَنْ تَكُونَ حَتَّى تَرَوْا قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ، فَذَكَرَ الدُّخَانَ». فَآيَةُ الدُّخَانِ مِنْ الْأَشْرَاطِ السَّاعَةِ الْكُبْرَى، مَتَى مَا ظَهَرَتْ قَرُبَتْ الْقِيَامَةُ. وَهُنَا مَسْأَلَةٌ تَنَازَعَ فِيهَا الْعُلَمَاءُ، وَهِيَ: هَلْ هَذِهِ الْآيَةُ أَيْ آيَةُ الدُّخَانِ ظَهَرَتْ أَمْ لَمْ تَظْهَرْ؟ وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ. ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَى أَنَّ آيَةَ الدُّخَانِ قَدْ ظَهَرَتْ وَحَدَثَتْ، وَذَلِكَ فِي زَمَنِ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَيُنْقَلُ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَئِمَةِ مِنْ التَّابِعِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ، كَابْنِ الْعَالِيَةِ، وَهَكَذَا الضَّحَّاكِ، وَعَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ. وَهُوَ التَّرْجِيحُ لِابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَيَسْتَدِلُّونَ بِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي صَحِيحِهِ عَنْ مَسْرُوقٍ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: فَبَيْنَمَا هُوَ مُضْطَجِعٌ بَيْنَنَا إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ، إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إنَّ قَاصًّا يَقُصُّ عِنْدَ بَابِ كُنْدَةَ أَنَّ الدُّخَانَ يَجِيءُ فَيَأْخُذُ بِأَنْفَاسِ الْكَافِرِينَ، وَيَأْخُذُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ. فَقَامَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَهُوَ غَضْبَانٌ». هَذَا الْمَقْطَعُ أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ قَاصًّا يَقُصُّ رَجُلًا يُحَدِّثُ، فَكَانَ مِنْ خَبَرِهِ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ النَّاسَ بِأَنَّ آيَةَ الدُّخَانِ سَتَأْتِي، وَأَنَّ مِنْ عَلَامَتِهَا أَنَّهَا تَأْخُذُ بِأَنْفَاسِ الْكَافِرِينَ، وَأَمَّا أَهْلُ الْإِيمَانِ فَلَنْ يَتَأَثَّرُوا بِهَذِهِ الظَّاهِرَةِ. فَغَضِبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَقَامَ وَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ فَلْيُحَدِّثْ بِمَا يَعْلَمُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ فَلْيَقُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا رَأَى مِنْ النَّاسِ إدْبَارًا قَالَ: اللَّهُمَّ سَبْعٌ كَسَبْعِ يُوسُفَ. قَالَ: فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ». أَيْ أَصَابَتْهُمْ مَجَاعَةٌ شَدِيدَةٌ. ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْكَافِرِينَ ذَهَبُوا وَتَرَجَّوْا نَبِيَّنَا أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُكْشِفَ مَا بِهِمْ. هَذَا الْأَثَرُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ فِيهِ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ يُثْبِتُ أَنَّ آيَةَ الدُّخَانِ قَدْ وَقَعَتْ، وَحَقِيقَتُهَا بِمَا رَوَاهُ أَنَّ الْكَافِرِينَ أَعْرَضُوا عَنْ نَبِيِّنَا وَعَنْ دَعْوَتِهِ، فَدَعَا عَلَيْهِمْ نَبِيُّنَا، فَجَاءَهُمْ الْقَحْطُ وَالْجَدْبُ حَتَّى أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَخَيَّلُونَ الدُّخَانَ يَرَوْنَهُ فِي السَّمَاءِ. فَابْنُ مَسْعُودٍ يَرَى ذَلِكَ وَيُنْكِرُ عَلَى مَنْ قَالَ إنَّ الدُّخَانَ لَمْ يَأْتِ عِنْدَمَا سَمِعَ بِقِصَّةِ ذَاكَ الْقَاصِّ. الْقَوْلُ الثَّانِي، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ: أَنَّ آيَةَ الدُّخَانِ لَمْ تَأْتِ بَعْدُ وَلَمْ تَجِيءْ. وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَهَكَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ حُذَيْفَةَ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ جَمِيعًا، وَعَنْ جَمْعٍ مِنْ التَّابِعِينَ وَالْأَئِمَةِ. ذَهَبَ هَؤُلَاءِ إلَى أَنَّ آيَةَ الدُّخَانِ لَمْ تَخْرُجْ بَعْدُ. وَكَانَ مِنْ اسْتِدْلَالِهِمْ وَرَدِّهِمْ عَلَى مَا ذَكَرَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَتَلَخَّصُ فِي أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ. قَالُوا: بِمَعْنَى كَلَامِهِمْ أَنَّ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا لَمَّا ذَكَرَ آيَةَ الدُّخَانِ فِي كِتَابِهِ مَاذَا قَالَ؟ ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾. وَمَاذَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي أَثَرِهِ؟ قَالَ: «وَإِنَّ أَحَدَهُمْ لَيَرَى فِي السَّمَاءِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ». الْقُرْآنُ يَقُولُ: دُخَانٌ مُبِينٌ، وَابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ: كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ. هَذَا فَرْقٌ وَذَاكَ فَرْقٌ. ابْنُ مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ أَنَّ الْكَافِرِينَ نَعَمْ رَأَوْا مَا يَكُونُ شِبْهًا بِشِبْهِ الدُّخَانِ، وَلَكِنْ ذَلِكَ لِشِدَّةِ الْجُوعِ، لِشِدَّةِ الْجُوعِ وَالتَّعَبِ وَالضَّنْكِ وَالشِّدَّةِ، وَالْحَرَارَةِ أَنَّهُمْ يَرَوْنَ فِي السَّمَاءِ كَالدُّخَانِ، وَلَيْسَ فِي السَّمَاءِ دُخَانٌ فِي الْأَصْلِ. وَلَكِنْ لِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْجَهْدِ وَالتَّعَبِ وَالضَّنْكِ وَالْجَفَافِ وَالْجَدْبِ وَالْقَحْطِ وَالْحَرِّ، كَانُوا يَرَوْنَ يَتَخَيَّلُونَ دُخَانًا. بَيْنَمَا الْآيَةُ الْكُبْرَى أَخْبَرَ رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا أَنَّهَا دُخَانٌ مُبِينٌ، دُخَانٌ حَقِيقِيٌّ، دُخَانٌ فِعْلِيٌّ، لَيْسَ وَهْمًا. فَهَذَا فَرْقٌ وَذَاكَ فَرْقٌ. الْأَمْرُ الثَّانِي الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ الْعُلَمَاءُ يَرُدُّونَ بِهِ عَلَى مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ آيَةَ الدُّخَانِ ظَهَرَتْ: أَنَّ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا وَصَفَ هَذِهِ الْآيَةَ بِأَنَّهَا تَغْشَى النَّاسَ، تَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ. بَيْنَمَا الَّذِي فِي أَثَرِ ابْنِ مَسْعُودٍ تَغْشَى مَنْ؟ إنَّمَا غَشِيَتْ أَهْلَ مَكَّةَ، غَشِيَتْ أَهْلَ مَكَّةَ. مَنْ كَانَ فِي مَكَّةَ أُصِيبَ بِذَلِكَ مِنْ قَحْطٍ رَأَى هَذِهِ الظَّاهِرَةَ. وَأَمَّا مَنْ سِوَاهُمْ مَا رَأَوْهَا. وَرَبُّنَا جَلّ وَعَلَا بَيَّنَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَنْتَشِرُ حَتَّى إنَّ النَّاسَ جَمِيعًا يَرَوْنَهَا تَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرَ ابْنُ مَسْعُودٍ هُوَ حَقٌّ، لَكِنَّ هَذِهِ الظَّاهِرَةَ لَيْسَتْ هِيَ الظَّاهِرَةَ الْكُبْرَى. نَعَمْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي الْكَافِرِينَ تَخَيَّلُوا دُخَانًا، لَكِنَّ هَذَا الَّذِي تَخَيَّلُوهُ لَا يَنْطَبِقُ عَلَى الدُّخَانِ الَّذِي هُوَ الْآيَةُ الْكُبْرَى. فَهَذَا الدُّخَانُ أَمْرٌ آخَرُ، وَهَذِهِ عَلَامَةٌ أَمْرٌ آخَرُ. وَالْأَمْرُ الثَّالِثُ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ الْعُلَمَاءُ يَرُدُّونَ بِهِ عَلَى مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ آيَةَ الدُّخَانِ ظَهَرَتْ: مَا حَدَّثَ بِهِ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِأَنَّ الدُّخَانَ إلَى الْآنِ لَمْ تَظْهَرْ. مِنْ ذَلِكَ مَا مَرَّ مَعَنَا فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إنَّهَا لَنْ تَكُونَ حَتَّى تَرَوْا قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ، وَمِنْهَا الدُّخَانُ». نَبِيُّنَا يُخَاطِبُ أَصْحَابَهُ. يَعْنِي عَلَى كَلَامِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَإِنَّ ظَاهِرَةَ الدُّخَانِ ظَهَرَتْ فِي الْعَهْدِ الْمَكِّيِّ أَيَّامِ فِي بِدَايَةِ الْبِعْثَةِ، وَأَيَّامِ دَعْوَةِ نَبِيِّنَا مَعَ الْكَافِرِينَ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ ظَهَرَتْ آيَةُ الدُّخَانِ. بَيْنَمَا نَبِيُّنَا يُخْبِرُ أَنَّ دُخَانًا سَيَأْتِي. قَالَ: «اعْلَمُوا أَوْ إنَّهَا لَنْ تَكُونَ حَتَّى تَرَوْا قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ، وَذَكَرَ مِنْهَا الدُّخَانَ». أَيْ أَنَّ الدُّخَانَ إلَى الْآنِ مَا ظَهَرَ. وَالْأَمْرُ الثَّانِي كَذَلِكَ مَا جَاءَ فِي مُسْلِمٍ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، أَوْ الدَّجَّالُ، أَوْ الدُّخَانُ، أَوْ الدَّابَّةُ، أَوْ خَاصَّةُ أَحَدِكُمْ، أَوْ أَمْرُ الْعَامَةِ». فَنَبَّهَ نَبِيُّنَا عَلَى الْإِقْبَالِ عَلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَ هَذِهِ الْعَلَامَاتِ السِّتُّ. بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ السِّتِّ، وَذَكَرَ مِنْ هَذِهِ الْعَلَامَاتِ آيَةَ الدُّخَانِ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى الصَّحِيحِ وَمَذْهَبِ الْجُمْهُورِ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْأَئِمَةِ وَالصَّحَابَةِ أَنَّهَا لَمْ تَأْتِ بَعْدُ. وَأَنَّهَا إذَا جَاءَتْ فَإِنَّهَا تَكُونُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ عَظِيمٍ يَغْشَى النَّاسَ، مَا يُنْذِرُهُمْ أَنَّ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ. هَذَا مَا يُذْكَرُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَبَقِيَ مَسَائِلُ تُتْرَكُ إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي دَرَسٍ غَدٍ. فَأَسْأَلُ الْمَوْلَى جَلّ وَعَلَا أَنْ يَنْفَعَنَا بِمَا قُلْنَا، إنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.