الدرة البهية شرح القصيدة التائية 26

الدرة البهية شرح القصيدة التائية 26

الدرس في الدرة البهية شرح القصيدة التائية 26، الدرس السادس والعشرون:من( المثال الثالث:قضية الرجل الجبري ... وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

قضية الرجل الجبري وبداية إدراك الخطأ

يبدأ المقطع بقصة رجل غالى في مذهب الجبر، واعتذر بالقدر عن أفعاله السيئة. كان له صاحب ينصحه ويحاول إقناعه بالتخلي عن هذا الاعتقاد الخاطئ.

الاعتذار بقضاء الله وقدره وعدم قبوله

تروي القصة غضب شخص على ثلاثة معتذرين بسبب اعتذارهم بقضاء الله وقدره، مما يدل على عدم قبول اعتذارهم وزيادة غضبه عليهم.

التوبة من الغلو في الجبر وإدراك الحق

بعد موعظة من صاحبه، أدرك الرجل الجبري خطأه واعترف بفضل الله عليه في هدايته إلى الحق، وقرر التوبة من غلوه في مذهب الجبر.

أهمية الإيمان بالقدر بشكل صحيح

يؤكد المقطع الأخير على أهمية الإيمان بالقدر وعدم استخدامه كعذر للمعاصي، مشيرًا إلى أن الأمثلة الواضحة تغني عن التعليق في هذا السياق.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، رحمه الله تعالى. المثال الثالث: قضية الرجل الجبري. قال: كان رجل قد غلا في الجبري والقدر غلوًا عظيمًا، وكان يعتذر بالقدر عند كل جليل وحقير، حتى آلت به الحال إلى الاستهتار وانتهاك أصناف المعاصي. وكلما نُصح وُلِّمَ على أفعاله، جعل القدر حجة له في كل أحواله. وكان له صاحب يعدله وينصحه عن هذه المقالة التي ترده العقل والنقل والحس، ولا يزيده العذل إلا إغراء. ومعنى العذل: النصح مع اللوم. قال: وكان صاحبه ينتظر وينتهز الفرصة في إلزامه بأمور تختص به وتتعلق به. وكان هذا الجبري صاحب ثروة، له أموال منوعة قد وكل عليها الوكلاء والعملة -يعني من العمالة-. فصادف في وقت متقارب أن جاءه صاحب ماشيته، فقال: إن الماشية هلكت وتلفت جميعها؛ لأني رأيتها في أرض جدبة ليس فيها عود أخضر. فقال له: فعلت ذلك وأنت تعلم أن الأرض الفلانية مخصبة، فما عذرك في ذلك؟ فقال: قضاء الله وقدره. وكان ممتليًا غضبًا قبل ذلك، وزاد غضبه من هذا الكلام، واستشاط غضبًا، وكاد يتقطع من هذا الاعتذار. وجاءه صاحب البضائع، فقال: إني سلكت الطريق المخوف، فاقتطع اللصوص الطريق. فقال له: كيف تسلك هذا الطريق المخوف، مع علمك أنه مخوف، وتترك الطريق الآمن الذي لا تشك في أمنه؟ فأجابه بمثل جواب الراعي لصاحب الماشية -يعني: قدر الله ما شاء فعل-. قال: وعمل معه الجبري ما عمله مع صاحبه -يعني من الغضب-. ثم جاء وكيله على تربية أولاده وحفظهم، فقال: إني أمرتهم أن ينزلوا في البئر الفلانية ليتعلموا السباحة، فغرقوا. فقال: لِمَ فعلت ذلك وأنت تعلم أنهم لا يحسنون السباحة، والبئر المذكورة تعلم أن ماؤها غزير؟ فكيف تتركهم ينزلون فيها وحدهم وأنت لست معهم؟ فقال: هكذا قضاء الله وقدره. فغضب عليه غضبًا لا يشبه الغضب على الأولين، وكاد الغضب أن يقتله. وكل واحد من هؤلاء الذين وكلهم على ما ذكرنا يزداد غضبه عليه إذا قال له هذا: قضاء الله وقدره. فحينئذ قال له صاحبه: يا عجبًا لك يا فلان، كيف قابلت هؤلاء المذكورين بهذا الغضب البليغ، ولم تعذرهم حين اعتذروا بالقدر، بل زاد هذا الاعتذار في جرمهم عندك؟ وأنت مع ربك في أحوالك المخجلة قد سلكت مسلكهم وحدوت حدوهم. فإن كان لك عذر، فهُم من باب أولى أعذر وأقدر. وإن كانت أعذارهم تشبه التهكم والاستهزاء، فكيف ترضى أن تكون مع ربك هكذا؟ فانتبه الجبري حينئذ، وصحى بعدما كان غارقًا في غلوه. وقال: الحمد لله الذي أنقذني مما كنت فيه، وجعل لي موعظة وتذكيرًا من هذه الوقائع التي وقعت لي، ولمست فيها غلطي الفاحش. والآن أعتقد أن ما حصل لي من نعمة الهداية إلى الحق أعظم عندي من هذه المصائب الكبيرة، كما تحققت فيها قوله تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. هذا المثال كذلك مثال آخر يوضح ويبين ويقرب المعنى في قضية الإيمان بالقدر، وعدم الاستدلال بالقدر على المعاصي، وأقصة واضحة وظاهرة بما يغني عن أي تعليق. والله أعلم.