مباحث في الأخلاق  6

مباحث في الأخلاق 6

الدرس في مباحث في الأخلاق 6، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أهمية الأدب مع العلماء وتوقيرهم

يُشدد على أهمية احترام العلماء وتوقيرهم وتقديرهم، حيث يُعتبر ذلك من عقيدة أهل السنة والجماعة. يُوصى بذكرهم بالجميل والثناء عليهم وتجنب ذكر معايبهم أو انتقاصهم.

خطورة الطعن في العلماء وعواقبه

يُنبه إلى خطورة الطعن في العلماء وانتشار هذه الظاهرة بين الناس، ويحذر من عواقبها الوخيمة في الدنيا والآخرة. يُشدّد على أهمية توقير العلماء وتعظيمهم كما أمر الشرع.

احترام العلماء وتوقيرهم وآثاره

يجب على المسلمين احترام وتوقير العلماء لأنهم ورثة الأنبياء، ومن يعتدي عليهم فقد آذن الله له بالحرب. كما أن احترام العلماء سبب لنصر المسلمين وظهورهم.

ختام بالصلاة على النبي وآله

المقطع يتضمن الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويعبر عن التسليم والاعتراف بعلم الله تعالى. يُعتبر هذا الختام تعبيرًا عن الإجلال للنبي وتأكيدًا على العلم الإلهي.

التفريغ النصي الكامل

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، فِيمَا مَضَى، إخْوَانِي فِي اللَّهِ، كَانَ الْكَلَامُ عَلَى أَهَمِّيَةِ الْآدَابِ وَالْأَخْلَاقِ، وَأَنَّهَا مِنْ صَمِيمِ دِينِنَا، وَهِيَ مِنْ أُصُولِ شَرِيعَتِنَا، وَمَنْ حُرِمَهَا فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ، وَأَنَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا أَنْ يَحْرِصُوا عَلَى هَذَا الْبَابِ، فَإِنَّ هَذَا الْبَابَ مِنْ الْعِبَادَاتِ الْعَظِيمَةِ، وَمِنْ الْقُرَبِ الْجَلِيلَةِ الَّتِي يَتَقَرَّبُ بِهَا الْعَبْدُ إلَى رَبِّهِ جَلّ وَعَلَا. وَقَدْ مَرَّ مَعَنَا أَنَّ مِمَّا يُحَفِّزُ الْمُسْلِمَ إلَى التَّمَسُّكِ بِهَذَا الْبَابِ أَنَّهُ طَرِيقٌ وَوَسِيلَةٌ إلَى جِنَانِ الْخُلْدِ، وَإِلَى رِضَى الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَذَكَرْنَا أَنَّ هَذَا الْبَابَ بَابَ الْآدَابِ يَتَشَعَّبُ وَيَتَوَسَّعُ، بَلْ هُوَ يَشْمَلُ الدِّينَ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «الدِّينُ كُلُّهُ خُلُقٌ، فَمَنْ زَادَ عَلَيْكَ فِي الْخُلُقِ زَادَ عَلَيْكَ فِي الدِّينِ». فَالْخُلُقُ يَحْتَوِي وَيَشْمَلُ أَرْكَانَ الدِّينِ وَالْإِيمَانِ. وَمِمَّا يَنْبَغِي إخْوَانِي فِي اللَّهِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَهُمُ الْآدَابُ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يَتَحَلَّى بِهَا الْمُسْلِمُونَ، الْأَدَبُ مَعَ الْعُلَمَاءِ، وَمَعَ حَمَلَةِ الْعِلْمِ، وَمَعَ حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ. أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُ فِي قَلْبِهِ، وَأَنْ يُظْهِرَ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَوْقِيرِهِ وَعَلَى تَقْدِيرِهِ لِأَهْلِ الْعِلْمِ، فَيَجْعَلَهُمْ فِي الْمَنْزِلَةِ الرَّفِيعَةِ فِي نَفْسِهِ وَفِي قَلْبِهِ وَفِي صَدْرِهِ، وَكَذَلِكَ حَتَّى فِي حَيَاتِهِ. وَكَيْفَ لَا يُعِزُّ هَؤُلَاءِ وَقَدْ أَعَزَّهُمُ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا؟ ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، فَإِذَا كَانَ لِأَهْلِ الْعِلْمِ الرِّفْعَةُ عِنْدَ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، فَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مَنْزِلَتُهُمْ عِنْدَ الْخَلْقِ، تَكُونُ لَهُمْ مَنْزِلَةً رَفِيعَةً. وَلِعِظَمِ هَذَا الْبَابِ كَانَ هَذَا الْأَمْرُ هُوَ الْأَدَبُ مَعَ الْعُلَمَاءِ مِنْ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ. فَمَا تَجِدُ أَحَدًا أَلَّفَ فِي الِاعْتِقَادِ إلَّا وَكَرَّسَ وَصَفَّرَ أَسْطُرًا فِي هَذَا الْبَابِ، أَنَّ مِنْ عَقَائِدِ أَهْلِ السُّنَّةِ التَّوْقِيرَ وَالتَّقْدِيرَ لِلْعُلَمَاءِ. يَقُولُ الطَّحَاوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي عَقِيدَتِهِ: «وَعُلَمَاءُ السَّلَفِ مِنْ السَّابِقِينَ وَمِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ التَّابِعِينَ، مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالنَّظَرِ، يُذْكَرُونَ بِالْجَمِيلِ، وَمَنْ ذَكَرَهُمْ بِسُوءٍ فَإِنَّهُ عَلَى غَيْرِ السَّبِيلِ». أَيْ أَنَّ الَّذِي يَكُونُ مِنْ حَالِهِ وَمِنْ مِنْهَجِهِ الطَّعْنَ وَالْقَدْحَ فِي الْعُلَمَاءِ، فَهَذَا لَيْسَ عَلَى السَّبِيلِ، لَيْسَ عَلَى الْجَادَةِ. لِأَنَّ الْأَصْلَ وَأَنَّ مِنْ مِنْهَجِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ تَجْعَلُ فِي لِسَانِكَ الذِّكْرَ الْجَمِيلَ لِلْعُلَمَاءِ، وَالِاسْتِغْفَارَ لَهُمْ، وَالثَّنَاءَ، وَذِكْرَ مَا يَتَعَلَّقُ بِمَنَاقِبِهِمْ وَفَضَائِلِهِمْ دَائِمًا وَأَبَدًا. إِيَّاكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ أَنْ تَذْكُرَهُمْ بِسُوءٍ، كَأَنْ تَذْكُرَ مَعَايِبَهُمْ أَوْ تُنْتِقَصَ مِنْ قِيمَتِهِمْ وَمِنْ حَقِّهِمْ، فَهَذَا لَيْسَ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِينَ. وَلِهَذَا يَقُولُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «وَيَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ مُوَالَاةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، مُوَالَاةُ الْمُؤْمِنِينَ»، كَمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ، «وَيَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ مُوَالَاةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مُوَالَاةُ الْمُؤْمِنِينَ»، وَخُصُوصًا الْعُلَمَاءُ، أَيْ لَهُمْ وِلَايَةٌ خَاصَّةٌ. وَلَيْسَ الْوِلَايَةُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ فَقَطْ، بَلْ وَلِأَهْلِ الْإِيمَانِ، لَكِنْ بِالْخُصُوصِ تَكُونُ الْوِلَايَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءِ. قَالَ: «وَخُصُوصًا الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ وَرِثُوا الْأَنْبِيَاءَ، وَالَّذِينَ جَعَلَهُمُ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا مَصَابِيحَ، يَسْتَضِيءُ بِهِمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى دِرَايَتِهِمْ وَهِدَايَتِهِمْ». فَالْعَالِمُ هُوَ مَنْ أَعْلَى مِنْ النَّاسِ بِخِطَابِ الشَّرْعِ، أَعْلَى مِنْ النَّاسِ بِكَلَامِ اللَّهِ وَكَلَامِ رَسُولِهِ ﷺ. الْعُلَمَاءُ هُمْ الْقَوْمُ الَّذِينَ أَفْنَوْا أَعْمَارَهُمْ، فَذَهَبَ عِزُّ شَبَابِهِمْ وَرَقَّ عَظْمُهُمْ، وَظَهَرَ الشَّيْبُ فِي لِحَاهِمْ وَفِي شَعْرِهِمْ، وَذَلِكَ فِي سَبِيلِ طَلَبِ الْحَدِيثِ وَتَعْلِيمِ النَّاسِ. فَكَيْفَ لَا يَكُونُ لَهُمُ الْاحْتِرَامُ؟ وَلِهَذَا كَانَ مِنْ أَعْظَمِ الْآثَامِ الَّذِي يُقْتَرَفُهَا الْمُسْلِمُ أَنَّهُ يَخُوضُ فِي عِرْضِ عَالِمٍ. يَقُولُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ الْأَدْرَعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «الْوَقِيعَةُ فِي الْعُلَمَاءِ، لَا سِيَّمَا الْأَكَابِرِ مِنْهُمْ، مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ». كَبِيرَةٌ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ أَنْ تَقَعَ فِي الْعُلَمَاءِ. وَأَيْنَ النَّاسُ إخْوَانِي فِي اللَّهِ مِنْ هَذَا الْبَابِ؟ أَصْبَحَ لَا أَقُولُ عِنْدَهُمُ الْكَبَائِرُ، وَلَيْسَتْ هِيَ عِنْدَهُمُ الذُّنُوبُ، وَلَا مِنْ الْمَكْرُهَاتِ، بَلْ يَرَوْنَ أَنَّهُ مِمَّا يُبَاحُ أَنْ يَقَعُوا فِي أَعْرَاضِ الْعُلَمَاءِ. فَشَىَّ هَذَا بَيْنَ النَّاسِ، أَصْبَحَ الْعَامُّ وَشِبْهُ الْعَامِّ، إذَا تَكَلَّمَ فِي مَسْأَلَةِ الشَّرْعِ وَالدِّينِ، وَرَأَى رَأْيًا مِنْ الْعُلَمَاءِ لَمْ يُوَافِقْهُ عَلَيْهِ، سُرْعَانَ مَا يَطْعَنُ وَيَتَكَلَّمُ فِي عِرْضِ هَذَا الْعَالِمِ، وَيَتَكَلَّمُ فِي دِينِهِ وَتَدَيُّنِهِ، بَلْ رُبَّمَا طَعَنَ فِي عَقْلِهِ وَفِي عِرْضِهِ. وَهَذَا كُلُّهُ سَفَاهَةٌ. وَلَيْتَ الْأَمْرَ وَقَفَ عِنْدَ هَؤُلَاءِ، بَلْ حَتَّى تَعَدَّاهُ عِنْدَ بَعْضِ مَنْ يَنْتَسِبُ إلَى الْعِلْمِ وَالدَّعْوَةِ، وَكَذَلِكَ مَا عَلَيْهِ بَعْضُ الْجَمَاعَاتِ مِمَّنْ يَرْمُونَ بِسِهَامِهِمْ فِي نَحْرِ الْعُلَمَاءِ وَفِي صُدُورِ الْعُلَمَاءِ، يَرْمُونَهُمْ بِالْعَمَالَةِ، وَيَرْمُونَهُمْ بِالْجُبْنِ، وَيَرْمُونَهُمْ كَذَلِكَ بِالْخَوَرِ وَالضَّعْفِ وَالْمَسْكَنَةِ وَالذُّلِّ وَالْمِهَانَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَهَذَا مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ. الشَّرْعُ قَدْ أَمَرَ بِتَوْقِيرِ الْعُلَمَاءِ. ثَبَتَ فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَفِي مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ، قَالَ ﷺ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُوَقِّرْ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ». وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ الْجَامِعُ لِلْأَلْبَانِيِّ: «وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ، لَيْسَ مِنَّا، لَيْسَ مِنْ طَرِيقَتِنَا، وَلَيْسَ مِنْ هَدْيِنَا». أَيْ يَدُلُّكَ عَلَى عِظَمِ هَذَا الذَّنْبِ أَنْ يَتَبَرَّأَ مِنْكَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا وَصَلَ بِكَ الْحَالُ إلَى هَذَا الْأَمْرِ، أَنَّكَ لَا تُوَقِّرُ أَهْلَ الْعِلْمِ الَّذِينَ قَدْ أَمَرَ الرَّبُّ، وَأَمَرَ نَبِيُّنَا ﷺ بِتَوْقِيرِهِمْ وَتَعْظِيمِهِمْ. وَلِهَذَا إخْوَانِي فِي اللَّهِ، مَنْ تَأَمَّلَ فِي حَالِ مَنْ وَقَعَ فِي أَعْرَاضِ الْعُلَمَاءِ، مَا سَلِمَ لَهُ لَا دُنْيَا وَلَا آخِرَةٌ. لَا تَسْلَمُ لَهُ. وَلِهَذَا يَقُولُ إمَامُ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «مَنْ اسْتَخَفَّ بِالْعُلَمَاءِ ذَهَبَتْ آخِرَتُهُ، وَمَنْ اسْتَخَفَّ بِالْأُمَرَاءِ ذَهَبَتْ دُنْيَاهُ، وَمَنْ اسْتَخَفَّ بِالْإِخْوَانِ ذَهَبَتْ مُرُوءَتُهُ». الشَّاهِدُ: «مَنْ اسْتَخَفَّ بِالْعُلَمَاءِ ذَهَبَتْ آخِرَتُهُ». تَأْتِي يَا عَبْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَنْتَ مَاذَا؟ مُؤَمِّلٌ الْخَيْرَ الْكَثِيرَ فِي أَعْمَالِكَ، فَإِذَا بِهَا هَبَاءٌ مُنْثُورًا، عِنْدَمَا خَاضَ فِي أَعْرَاضِ الْعُلَمَاءِ. إذَا كَانَتْ أَعْرَاضُ الْمُسْلِمِينَ بِشَكْلٍ عَامٍّ مَصُونَةً، مُحَرَّمَةً، فَعِرْضُ الْعَالِمِ أَوْلَى وَأَجْدَرُ فِي التَّحْرِيمِ. وَلِهَذَا يَقُولُ ابْنُ عَسَاكِرَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ «التَّبْيِينِ»: «كَذِبَ الْمُفْتَرِي، لُحُومُ الْعُلَمَاءِ مَسْمُومَةٌ، وَعَادَةُ اللَّهِ فِي مُنْتَقَصِهِمْ مَعْلُومَةٌ، وَمَنْ تَكَلَّمَ عَلَيْهِمْ بِالثَّلْبِ ابْتَلَاهُ اللَّهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِمَوْتِ الْقَلْبِ». لُحُومُ الْعُلَمَاءِ مَسْمُومَةٌ، الَّذِي يَطْعَمُ فِي عِرْضِ عَالِمٍ فَكَأَنَّمَا يَأْكُلُ مِنْ لَحْمِهِ. لَكِنِ احْذَرْ كَيْفَ يَهْضِمُهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ؟ لَحْمُ عَالِمٍ. لُحُومُ الْعُلَمَاءِ مَسْمُومَةٌ، سُرْعَانَ مَا تُصَابُ مَقْتَلًا. لُحُومُ الْعُلَمَاءِ مَسْمُومَةٌ، وَعَادَةُ اللَّهِ فِي هَدِّكَ أَسْتَارِ مُنْتَقَصِهِمْ مَعْلُومَةٌ. وَهَذِهِ عَادَةٌ جَارِيَةٌ، سُنَّةٌ كَوْنِيَّةٌ. وَلَوْ تَذَكَّرُونَ فِي دُرُوسٍ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْخَطِّ التَّارِيخِيِّ لِلْبِدَعِ، كَيْفَ أَنَّ أَهْلَ الْبِدَعِ عِنْدَمَا تَجَرَّأُوا عَلَى الْكَلَامِ فِي الْعُلَمَاءِ، فِي عُلَمَاءِ زَمَانِهِمْ أَوْ عُلَمَاءِ مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، كَيْفَ كَانَ خَاتِمَتُهُمْ؟ كَانُوا عَلَى سُوءِ خَاتِمَةٍ، وَعَلَى حَالِ لَا تُبَشِّرُ بِخَيْرٍ، إمَّا انْحِرَافٌ فِي دُنْيَا أَوْ انْحِلَالٌ فِي دِينٍ، وَكَذَلِكَ كَانَ حَالُهُمْ. وَهَذِهِ عَادَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَعَادَةُ انْتِقَامٍ جَعَلَهَا رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا فِي حَقِّ عِبَادِهِ. فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، ﴿مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ﴾. الْعُلَمَاءُ هُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ، أُنَاسٌ أَفْنَوْا أَعْمَارَهُمْ لِدِينِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا. النَّاسُ يَنْشَغِلُونَ بِدُنْيَا بِزِينَتِهَا وَزُخْرُفِهَا، وَبِشَهَوَاتِهَا وَمَلَذَّاتِهَا، وَهَؤُلَاءِ قَدْ حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ لِدِينِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ لِدِينِ اللَّهِ، صَبَرُوا عَلَى الْجُوعِ، صَبَرُوا عَلَى الضَّمَأِ، صَبَرُوا عَلَى السَّفَرِ وَالرِّحْلَةِ، صَبَرُوا كَذَلِكَ عَلَى جَفَاءِ النَّاسِ، وَعَلَى قِلَّةِ الْمُعِيشَةِ، وَعَلَى شِدَّةِ الْمُؤُونَةِ، صَبَرُوا عَلَى هَذَا كُلِّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا. فَكَانَ حَقُّهُمْ أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْمَنْزِلُ الرَّفِيعُ فِي دِينِنَا، فَهُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ. فَمَنْ حَارَبَهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا يُدَافِعُ عَنْ أَوْلِيَائِهِ. ﴿مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ﴾. وَلِهَذَا إخْوَانِي فِي اللَّهِ، يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَدَّبَ النَّاسُ جَمِيعًا مَعَ أَهْلِ الْعِلْمِ، يَعْرِفُونَ حَقَّهُمْ وَقَدْرَهُمْ. وَلَعَلَّ هَذَا فِي مَقَامٍ آخَرَ نَنْظُرُ كَيْفَ كَانَ حَالُ السَّلَفِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مَعَ عُلَمَائِهِمْ، كَيْفَ طَبَّقُوا مَقَامَ التَّوْقِيرِ وَالتَّقْدِيرِ لِلْعُلَمَاءِ. لَا سَمِعْتَ يَا عَبْدَ اللَّهِ أَشْيَاءَ الْعَجَبِ، صُوَرٌ وَمَوَاقِفُ عَظِيمَةٌ بَرَّهَنَ فِيهَا أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى مَاذَا؟ عَلَى احْتِرَامِهِمْ وَتَقْدِيرِهِمْ لِعُلَمَائِهِمْ. رُبَّمَا الْوَاحِدُ مِنْهُمْ لَوْ رُبَّمَا مَا يَتَجَرَّأُ أَنْ يَشْرَبَ الْمَاءَ عِنْدَ شَيْخِهِ تَوْقِيرًا لَهُ. بَلْ إنَّ بَعْضَهُمْ لَرُبَّمَا حَتَّى أَنَّهُ يَتَخَوَّفُ مِنْ أَنْ يُؤْذِيَ شَيْخَهُ إذَا حَرَّكَ صَفَحَاتِ الْكِتَابِ أَوِ الْوَرَقَاتِ الَّتِي عِنْدَهُ، يَخْشَى أَنْ يُؤْذِيَ شَيْخَهُ بِتَحْرِيكِ الصَّفَحَاتِ. فَكَانَ مَاذَا؟ يَكُونُ عَلَى مَضَضٍ وَعَلَى بُطْءٍ. إذَا كَانَ هَذَا فَمَا هُوَ مَا بَعْدَ ذَلِكَ؟ أَعْظَمُ وَأَعْظَمُ. وَلَعَلَّ هَذَا فِي مَقَامٍ آخَرَ نَذْكُرُ شَيْئًا مِنْ صُوَرِ تَعْظِيمِ السَّلَفِ لِعُلَمَائِهِمْ، وَخُصُوصًا الْأَكَابِرَ مِنْهُمْ. فَإِنَّهُمْ قَدْ تَمَثَّلُوا بِذَلِكَ مَا أَمَرَ بِهِ الشَّرْعُ مِنْ احْتِرَامِ الْعُلَمَاءِ، وَاحْتِرَامِ مَنْ حَمَلَ هَذَا الْعِلْمَ. وَالْأَخْذُ إخْوَانِي فِي اللَّهِ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْآثَارِ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ. وَلِهَذَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُدَافِعَ وَيَذُبَّ وَيُنَافِحَ عَنْ عِرْضِ الْعُلَمَاءِ. وَلِهَذَا جَاءَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ كَانَ فِي مَجْلِسٍ، فَرَأَى رَجُلًا يَخُوضُ فِي عِرْضِ عَالِمٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، فَقَالَ لَهُ مُعَاتِبًا لَهُ: «اتَّقِ اللَّهَ فِي الْمَشَايِخِ، فَلَرُبَّمَا اسْتُجِيبَتْ فِيكَ دَعْوَةٌ». فَلَرُبَّمَا أَنْتَ يَا عَبْدَ اللَّهِ تَخُوضُ فِي عِرْضِ عَالِمٍ، فَيَقُومُ هَذَا الْعَالِمُ وَيَدْعُو عَلَيْكَ بِدَعْوَةٍ، دَعْوَةٍ تَذْهَبُ دِينَكَ وَدُنْيَاكَ. وَقَدْ رَأَيْنَا ذَلِكَ، كَمْ نَاسٌ مِنْ عُلَمَاءِ ظُلِمُوا وَهُضِمُوا، فَلَمَّا دَعَوْا عَلَى خُصُومِهِمُ اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُمْ. فَقَالَ: «اتَّقِ اللَّهَ فِي الْمَشَايِخِ، فَلَرُبَّمَا اسْتُجِيبَتْ فِيكَ دَعْوَةٌ، أَوْ اسْتُجِيبَتْ فِيهِمْ دَعْوَةٌ فِيَسْتَجِيبُ رَبُّهُمْ لِدَعَائِهِمْ، فَتُبْتَلَى يَا عَبْدَ اللَّهِ بِمَا لَا تَحْمَدُ عُقْبَاهُ». وَكَذَلِكَ يَقُولُ السَّخَاوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «إنَّمَا النَّاسُ بِمَشَايِخِهِمْ، أَوْ إنَّمَا النَّاسُ بِشُيُوخِهِمْ». فَإِذَا ذَهَبَ الشُّيُوخُ فَمَعَ مَنْ الْعَيْشُ؟ تَخَيَّلْ يَا عَبْدَ اللَّهِ لَوْ تُرِكَ الْمَجَالُ لِلْفَسَقَةِ وَلِأَهْلِ الْبِدَعِ وَهُمْ يَتَطَاوَلُونَ عَلَى عُلَمَائِنَا بِإِسْقَاطِهِمُ الْوَاحِدِ وَالْآخَرَ، فَيُشَوِّهُونَ بِسُمْعَتِهِ وَيَتَطَاوَلُونَ عَلَى عِرْضِهِ. فَأُسْقِطَ الْعُلَمَاءُ، فَمَنْ بَقِيَ لَنَا؟ فَيَقُولُ السَّخَاوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي «فَتْحِ الْمُغِيثِ»: «إنَّمَا النَّاسُ بِشُيُوخِهِمْ». الْعِزَّةُ وَالنَّصْرُ وَالظُّهُورُ وَالْوِلَايَةُ يَا عَبْدَ اللَّهِ، إنَّمَا تَكُونُ لِلْأَفْرَادِ وَالْمُجْتَمَعَاتِ بِوُجُودِ الْعُلَمَاءِ. «إنَّمَا النَّاسُ بِشُيُوخِهِمْ، فَإِذَا ذَهَبَ الشُّيُوخُ فَمَعَ مَنْ الْعَيْشُ؟» وَهَذَا يَدُلُّ كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي قَوْلِهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ لَا يَنْزِعُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا مِنْ صُدُورِ النَّاسِ، وَإِنَّمَا يَنْتَزِعُهُ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا». إذَا ذَهَبَ الْعُلَمَاءُ ظَهَرَ أَشْبَاهُ الْعُلَمَاءِ مِمَّنْ يَفْتُونَ بِغَيْرِ عِلْمٍ. فَإِنْ كُنْتَ تَعْبُدُ تَرْضَى أَنْ تَعِيشَ مَعَ هَؤُلَاءِ؟ فَابْشِرْ بِخَرَابِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. قَالَ: «فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا». وَإِنَّمَا يَا عَبْدَ اللَّهِ النَّصْرُ وَالظَّفَرُ وَالظُّهُورُ يَكُونُ مَعَ الْعُلَمَاءِ. «إنَّمَا النَّاسُ بِشُيُوخِهِمْ». وَسَأَتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي دُرُوسٍ قَادِمَةٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ، أَنْ يَسْأَلَ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا فِي ذِكْرِ مَا هِيَ الْآفَاتُ الَّتِي سَيَجْنِيهَا الْفَرْدُ وَالْمُجْتَمَعُ إذَا فُتِحَ هَذَا الْمَجَالُ. تَخَيَّلْ إذَا فُتِحَ الْمَجَالُ لِلنَّاسِ فِي الطَّعْنِ فِي عُلَمَائِهِمْ، مَا الَّذِي سَتَكُونُ الْعَوَاقِبُ؟ لَا شَكَّ وَلَا رَيْبَ أَنَّ عَوَاقِبَ وَخِيمَةٌ. وَسَنَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي دُرُوسٍ قَادِمَةٍ بَعْضَ هَذِهِ الْعَوَاقِبِ الَّتِي يَجْنِيهَا النَّاسُ إذَا ارْتَضَوْا لِأَنْفُسِهِمْ أَنْ يَطْعَنُوا فِي عُلَمَائِهِمْ. فَأَسْأَلُ مَوْلَى جَلّ وَعَلَا أَنْ يَنْفَعَنَا بِمَا قُلْنَا، إنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.