الدرس في من أخطاء الصائمين، وكانت بمسجد السنة بالمكلا عصر السبت 26 شعبان 1431هـ . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول الشيخ أهمية التعبد لله عز وجل في الصيام ويحذر من مخالفات الصائمين مثل تضييع الصلاة. يشدد على أهمية إقامة الصلاة قبل التفكير في صحة الصيام.
يشرح أن الصيام ليس فقط الامتناع عن الطعام والشراب، بل يتعداه إلى تحقيق التقوى والابتعاد عن الذنوب والمعاصي. يحذر من تضييع الصلاة والانشغال باللهو والمنكرات في رمضان.
يتناول أهمية إطعام المساكين وتعليم الناس أحكام الصيام، ويشرح مسائل تتعلق بالصيام مثل فرضية الصيام على البالغين وأحكام المفطرات. يشدد على أهمية تعليم الأبناء الصيام وتثقيف الناس بأحكام الصيام.
يتناول بعض الأخطاء التي يقع فيها الناس خلال رمضان مثل الإسراف في الطعام والشراب وتقصير الأهل في مراقبة أبنائهم. يشدد على أهمية الاعتدال في الطعام والشراب والاهتمام بالفرائض.
يتحدث عن بعض الممارسات الخاطئة في المساجد مثل التشويش على المصلين ووضع الموائد لإفطار الصائمين. ينتقد تحول بعض المساجد إلى ما يشبه المطابخ بسبب هذه الممارسات.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنحمد الله عز وجل على ما أنعم علينا من نعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، ونحمده سبحانه وتعالى الذي خصنا بنعمة الإيمان والإسلام والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك من عظيم فضل الله ومنته ونعمته علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. ونحمد الله سبحانه وتعالى كذلك الذي من علينا بنعم دينية كثيرة تتتابع علينا بين الحين والآخر، يتفيأ أهل الإيمان والإسلام في ظلالها، ويتنعمون من نعيمها، ويأخذون من خيراتها، ويغتنمون من فرص الاستثمار فيها ما يكون لهم ذخرا وزكاة في الدنيا والآخرة. وإننا كما تعرفون في هذه الأيام في استقبال موسم عظيم من مواسم الخيرات، وشهر مبارك من أشهر الرحمات، جعله ربنا سبحانه وتعالى فرصة عظيمة لعباده ليغتنموا فيها الخيرات ويكفروا فيها من السيئات، ما يكون لهم ذخرا في حياتهم الدنيا، فتزكو نفوسهم وتأتي معاني التقوى إلى قلوبهم، وتطهر كذلك أعمالهم، ويحصل لهم الاستقامة في حياتهم، وهذا من عظيم فضل الله في هذا الشهر الكريم الذي هو مليء بالأعمال الصالحة وأبواب الخير الكثيرة المباركة. والله سبحانه يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾. ونشكر إخواننا في هذا المسجد الطيب المبارك على حسن ظنهم بإخوانهم وحرصهم على دعوتهم وعلى التعاون في الخير، وكذلك على إعمار هذا المسجد وإفادة أهله، وكذلك من يصلي فيه ويزوره أن يستفيد من مجالس العلم ومذاكرته. وقد كان انتقاء الإخوة أن تكون كلمة هذا المساء وهذا العصر في أمر مخالفات الصائمين، تنبيها وتذكيرا، وتفقيها لمن يحضر ولمن يبلغه ذلك ممن يستمع ذلك بعد هذا المجلس. أسأل الله عز وجل أن ينفعنا جميعا. أول ذي بدء، يذكر في هذا المقام ينبغي أن نعلم أن مذاكرة العلم من الأمور المهمة في ديننا. وقد سمعتم في كلمة أخينا الفاضل حفظه الله تعالى هذا التنبيه في أهمية العلم والتفقه في دين الله، خصوصا فيما يتعلق بالعبادات والشرائع والفرائض التي فرضها الله عز وجل على عباده. ولذلك فمذاكرة العلم مما يفتقر كل مسلم إليه ويحتاجه كل مؤمن، مهما بلغ من العلم. فإن العالم حتى لو كان عنده من العلم الغزير فإنه يحتاج أن يذاكر هذا العلم ليرسخ فيه، وليتمر عليه مسائله، وكذلك ليتعبد الله عز وجل بما فيه من معاني التقوى ومعاني الخير والبر. فالمتكلم قبل السامع يستفيد من العلم الذي يذاكر، وفي هذا الخير للجميع من مذاكرة العلم والتعبد لله عز وجل به، وحصول الأجر والثواب في مجالسه. فلذلك ولغيره كان مما يندب إليه أهل الإسلام مذاكرة مسائل العلم التي يحتاجها الناس بحسب الزمان والمكان. ومن ذلك مثل هذه المباحث التي لا يستغني عنها الصائم في نفسه وفي أهله وفي من حوله ممن تمر عليهم الكثير من المسائل، فيحتاجون إلى التنبيه والتذكير، وكذلك التوجيه بما يكون به أخذ الجميع إلى ما فيه الكمال والتمام، وهو المبتغى فيما يراد به عبادة الله سبحانه وتعالى. ومما يذكر من أمر المخالفات التي يبتل بها بعض الصائمين، وهي كثيرة. وحسبنا في هذا المقام القصير وفي هذا المجلس اليسير أن يذكر منها الأهم فالمهم بحسب ما يظن أن به النفع. والله الموفق للصواب والسداد. أول هذه المسائل ينبغي أن نعلم عباد الله أن حقيقة الصيام هو التعبد لله عز وجل، هو التعبد لله عز وجل بالإمساك عن الطعام والشراب وسائر المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس. فهو تعبد لله وليس هو عادة من العادات حتى يفعله بعض الناس يريدون بذلك مسايرة المجتمع وموافقته. ولذلك نجد أن أثر هذه العبادة تكاد لا توجد عند من جهل حقيقتها وعرف كذلك أهميتها، حتى صارت عند الكثير من الناس إلا من رحم الله عادة من العادات، يخشى أن يؤثر عنه فطر وقد صام في هذا الشهر الأطفال والنساء والكثير من الضعفة. وإلا فهو في قرارة نفسه متضايق عنده من الضيق والهم، وكذلك الكرب ما الله به عليم، لأنه لم يعرف ولم يستشعر ولم يدرك حقيقة التعبد لله عز وجل. ولهذا فإن الكثير من الصائمين يحرمون أجر هذا الصيام إذ لم يكن في حسبانهم ولم يكن من احتسابهم أمر التعبد لله عز وجل بهذه الفريضة العظيمة. ولهذا يظهر ذلك على آثار صيامهم، إذ يقتلون نهار الصيام بالنوم، ويضيعون ليله باللهو والعبث. فنهارهم ينضي أكثره إن لم يكن كله بقتله بالنوم، حتى ربما دفع ذلك بعضهم أن يضيعوا فرائض أعظم منها. فإن جئت إلى الصلاة، فبعضهم يصوم ولا يصلي. مع أن الصلاة أعظم فرضية وأوجب حكما عند الله سبحانه وتعالى، فهي الركن الأول من أركان الإسلام العملية، والركن الثاني بعد الشهادتين. فهو قبل الصيام في الفرضية وفي الأهمية. ولهذا كان قول العلماء أنه «لا صيام لمن لا صلاة له»، إذ الصلاة عمود الدين، فمن أقامها أقام لنفسه دينه، ومن ضيعها ضيع لنفسه دينه. فمن لم تكن عنده صلاة لم تقبل منه سائر العبادات والطاعات. وقد قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾، مفهومه أن من لم يقم الصلاة فهو ليس بيننا وبينه أخوة في الدين. ولهذا كذلك لما غفل الناس عن هذا المعنى مع حرمانهم من الأجر والثواب أوصلهم ذلك إلى تضييع بعض الفرائض، حتى ربما بطل عليهم الصيام. ولهذا كان من نبينا عليه الصلاة والسلام التذكير بأهمية التعبد لله عز وجل بهذه الفريضة، واحتساب ثوابها، وكذلك التذكر بفرضيتها. ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه». أي من صام رمضان مقرا بفرضية هذا الشهر، وكذلك حكم الله عز وجل بالتعبد به. من صام رمضان إيمانا بفرضيته وبوجوبه، واحتسابا لثوابه وابتغاء وجه الله جل وعلا به، فلا رياء ولا سمعة ولا غير ذلك من المعاني التي تنافي الإخلاص والصدق والتعبد لله عز وجل بهذه العبادة. فهذا من أعظم ما ينبغي أن يراعيه الصائمون. فإن الصائمين إذا لم يراعوا مثل هذا المعنى ربما حرموا أنفسهم من ثواب الصيام، فضلا عما قد يجرهم ذلك إلى بطلان هذا الصيام، كحال من سمعنا. ومما ينبه عليه كما سمعتم كذلك أنه «لا صلاة، لا صيام لمن لا صلاة له». فما يفعله بعض الصائمين من ترك الصلاة مع صيامهم، هذا سبب لحبطان أعمالهم. فأعمالهم تحبط بسبب تضييع الصلاة. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أن من ضيع صلاة العصر فكأنما أُثر ماله وأهله. فكيف بمن ضيع الصلوات جميعا؟ ونجد كذلك من بعض الناس وللأسف ربما ينام نوما طويلا حتى صار من سنته وعادته في شهر رمضان أن يجمع بين الظهر والعصر، يصلي الظهر مع العصر، ثم يريد بذلك فضل وثواب الصيام. وهذا جهل بحقيقة الصيام. وهكذا مما ينبه عليه كذلك أن الله جل وعلا فرض الصيام على الصائمين ليكون سببا لحصول التقوى لهم كما سمعنا، وليكون عونا لهم في تزكية نفوسهم واستقامة أعمالهم، وحصول الطهر والقربة بما يكون من أدائهم لهذه الفريضة وغيرها من الطاعات. ولهذا فمن لم ينتفع بهذا المقصود العظيم فلا حاجة لصيامه ولتركه لطعامه وشرابه. فصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه. وثبت كذلك بالصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه معناه بأوجه أخرى. وجاء كذلك بالسنن بإسناد صحيح أنه قال عليه الصلاة والسلام، قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو يبين حقيقة هذا الصيام، وكذلك عظم أمره وأنه لا يتصر على ترك الطعام والشراب. فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم مبينا هذا المعنى: «رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه التعب والنصب». فبعو الصائمين مساكين، يدع الطعام والشراب، ولكنه لا يدع السب والشتم، ولا يترك كذلك الفحش بالقول، وهو من معاني الزور الذي حذر منه نبينا عليه الصلاة والسلام. بل ينبغي أن يوطن الصائم نفسه على الأخلاق العالية، وعلى الصبر على الأذى، حتى قال عليه الصلاة والسلام: «فإن سابه أحد قال: إني صائم، إني صائم». كررها مرتين عليه الصلاة والسلام. قال بعض أهل العلم: تكرر مرتين، الأولى ليذكر نفسه، والثاني ليذكر غيره. وقيل: يكررها مرتين لأجل أن يكون تأكيدا، وهكذا كذلك زيادة في التنبيه، حتى يكون في ذلك العظة والعبرة لنفسه ولغيره، بما لا يكون به خدش هذا الصيام بما ينافيه. وإذا كان كذلك، فما يفعله الكثير من الصائمين وللأسف في شهر رمضان من بعض الذنوب والمعاصي والمخالفات التي تنافي مقصود الصيام، هو ربما يكون سببا لحرمانهم من أجر هذا الصيام. فإن من الناس من ينشغل في ليل هذا الشهر الكريم، من ينشغل في ليله مع شاشات التلفاز والدشوش، ومجالس كذلك اللهو والعبث، بما يكون فيه من المخالفات الشرعية الكثيرة، ما هو كفيل بتصديق ما حذر منه نبينا عليه الصلاة والسلام في الأحاديث المتقدمة، وغيرها من الأحاديث الأخرى. بالله عليك أخي الصائم، كيف يجتمع طلبك للتقوى بهذا الصيام، ورجاء المغفرة والثواب من الله، ثم أنت تتبع نهارك الذي صمت فيه إن سلمت تتبعه بتلك المناظر التي تراها في أجهزة التلفاز والدشوش، مناظر مليئة بالمخالفات الشرعية، نساء كاسيات عاريات متبرجات، وهكذا كذلك آلات لهو وطرب وموسيقى، وغير ذلك من منكرات ومحرمات. بل وربما يصل ببعضهم الأمر إلى متابعة تلك الأفلام الماجنة والمناظر السيئة. بل حصر أن بعض الناس وللأسف لأجل أن يقضي النهار ويبعد الملل والسآمة، لأنه في غفلة عن ذكر الله، وفي غفلة عن أبواب طاعة الله الكثيرة في هذا الشهر، صار حتى النهار يعكفه في أشرطة الفيديو، وكذلك ربما استوانات ما يسمى بالدي في دي وغير ذلك، حتى ينقضي عليهم النهار بسرعة، يريدون بذلك إمضاء نهارهم وإنهائه بأي وسيلة حتى ولو كان ذلك بحرام. سبحان الله، هل عرفت أخي المسلم ويا أيها الصائم ويا أيتها الصائمة حقيقة الصيام؟ هل بلغك هذا الحديث وغيره من الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام؟ ألم يبلغك أنه قال عليه الصلاة والسلام: «رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش»؟ هل بلغك قوله عليه الصلاة والسلام: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»؟ فبالله عليه، هل هذا تجعله من البر الذي أنت تفعله والذي أنت تراه؟ هل هو من البر أو من الزور؟ هل هو من الحسنات أو السيئات؟ في أي ميزان تضعه وأنت غدا ستقف بين يدي الله سبحانه وتعالى؟ ومن هذه كذلك التنبيهات على بعض المخالفات، ما تقع من مخالفات عند بعض الناس من كذلك الغفلة عن بعض الطاعات وأبواب الخير والبر الكثيرة التي ينبغي أن يعمرها الصائم في نهاره وفي ليله. كما قلنا هذا الشهر شهر كريم، قد وفق الله عز وجل ويسر عباده إليه بما فيه من أعمال صالحة كثيرة متنوعة، هي سببا لاستثمار الحسنات واستكثارها، وتكفير السيئات. ولهذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه يعتق فيه في كل يوم من أيامه من النار ما لا يعتق في غيره من الشهور والأيام، حتى صح أنه أي هذا الشهر شهر العتق من النيران. وهو كذلك شهر تفتح فيه الجنان وتغلق فيه أبواب النيران وتصفد الشياطين، كل ذلك يعان لعباده على الطاعات. فهذا الشهر شهر القرآن، وهذا الشهر شهر كذلك الصلاة والقيام، وهذا الشهر شهر أنواع الصدقات والجود والبر. فنينا عليه الصلاة والسلام كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن. هل تأملت أيها الصائم أن عبادات كثيرة وطاعات عديدة غفل عنها الكثير من الصائمين؟ ربما أنت تكون من الفائزين باستثمارك في استغلال نهار هذا الشهر وليله بصنوف الطاعات والقربات، بتلاوة كتاب الله ومداومة النظر والتدبر فيه. بحضور مجالس العلم ومدارسة القرآن، فإن الله كان يرسل لنبينا عليه الصلاة والسلام جبريل فيدارسه القرآن في شهر رمضان. فما بالك نحن ونحن لا شك أحوج أفقر إلى ذلك منه عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك هل استشعرت أن هذا الشهر شهر أنواع الصدقات والجود والإحسان؟ فإنه شهر إطعام الطعام وشهر مواساة الفقراء والمساكين، وشهر كذلك الجود بالمال والجود بالقوة والجود كذلك بالشفاعة وغير ذلك من أنواع الجود والإحسان الذي كان عليه حال نبينا عليه الصلاة والسلام وصحابة الكرام. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من فطر صائما كان له مثل أجره، لا ينقص ذلك من أجره من شيء». وهذا الحديث بعض أهل العلم اعتبره غنيمة عظيمة، حتى كان بعض السلف يذكر هذا الحديث العظيم حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه يذكره فيقول للناس: يا أيها الناس، من يريد أن يصوم في يومه فينال أجرا أكثر من أجر يومه، فيصوم يوما بيومين ويوما بثلاثة ويوما بأربعة ويوما بعشرة. ثم يذكر هذا الحديث. ومعناه أنك إذا أطعمت عددا من الصائمين كتب الله عز وجل لك من الأجر بما يكون بعدد من أطعمت. وبين العلماء في شرح هذا الحديث أن المراد بإطعامهم ليس بالتمر والماء فقط، ولكن إطعاما يكون فيه إشباعهم. فهل تأملت وفكرت أن تكون من المسابقين والمجتهدين في هذا الباب؟ والكثير منا لا يعجز أن يطعم مسكينا أو أكثر. فإن الله عز وجل قد تفضل علينا وعلى الكثير منا بما يستطيع ويسعه مثل ذلك. كان الصحابة رضي الله عنهم أشد فاقة وفقرا وحاجة منا، ومع ذلك يريدون ما عند الله وجزيل عظيم عطاء الله، فيتفضلون باليسير الذي معهم على من هو أفقر منهم. على من هو أفقر منهم. وكما قيل: فقير يتصدق على أفقر منه. ربما أحدهم لا يجد ما يفطر به إلا كسرة خبز وحبات تمر وشيء من الماء، ومع ذلك إذا وجد من هو أفقر منه تصدق بهذا اليسير على غيره. واليوم نحن بفضل الله بفضل الله بفضل الله عندنا من الطعام الكثير المتنوع، والموائد التي نستطيع بها أن نوسع على واحد واثنين وأكثر إذا نحن اقتصدنا فيما يسر الله عز وجل به في أيدينا. وهذا باب من أبواب الاجتهاد في الخيرات لا نعجز عنه. وهكذا كذلك إعمار هذا الشهر بإعانة غيرنا على إحياء هذا الشهر بأنواع الطاعات. كم منا من غفل عن تعليم نفسه وتعليم أهله وتعليم من حوله بأحكام هذا الصيام والتذكير بشيء من فضائله وشهد الهمم في الاجتهاد في خيراته؟ ولهذا مما يستحب في مثل هذا المقام شراء المطويات النافعة والكتب المفيدة والأشرطة الهادفة للعلماء الراسخين الموثوقين المعروفين، فيبث في المجتمع بحسب استطاعتك، فتنال بذلك أجر من يأخذ خير هذه الكتب وهذه الأشرطة وهذه المطويات. وهذا مما يعين على الخير والاجتهاد فيه، ومما ينبع عليه من الأخطاء والمخالفات جهل بعض الناس بأحكام الصيام، مما يوقعهم بعدد من المخالفات. ولهذا كان ينبغي أن تحيا مجالس في عدد من بيوت الله يذكر فيها بالمسائل العلمية التي يحتاجها الصائمون. وهكذا كذلك يفعل الرجل مع أهل بيته ومع أسرته، يشتري لهم الأشرطة النافعة والكتب المفيدة والمطويات الهادفة التي يكون بها تعليمهم وتثقيفهم، بما يكون به التزود وكذلك التقريب إلى الصواب فيما يتعلق بالعلم الذي يحتاجه المسلم في صيامه وفي قيامه وفي سائر طاعاته لربه بهذا الشهر. فمثلا من هذه الأحكام التي قد يقع الخطأ فيها والجهل بشيء من أحكامها، جهل بعض الناس في فرضية هذا الصيام. فالجميع يعلم أن الصيام يفرض على كل مسلم بالغ عاقل مقيم صحيح خالي من الموانع، كما ذكره العلماء. ويريدون بذلك التنبيه على الكثير من الأحكام التي يجهلها الناس. فهو فرض على المسلمين. ومن ذلك أن تارك الصلاة قد خدش إسلامه، فلا صيام لمن لا صلاة له كما تقدم. ومن ذلك أنه فرض على البالغين. ومع ذلك فالكثير من المسلمين يجهلون الحد الذي يكون به البلوغ عند الذكور والإناث. فبعضهم يقصر ذلك بعلامة، بينما بين العلماء بما دلت عليه الأدلة الشرعية أن البلوغ يكون عند الذكور بثلاثة علامات، بأن يبلغ سن خمسة عشر، أو بأن يكون قد أنزل الماء الذي ينزله الرجال، أو أن يكون قد أنبت شعر العانة الشعر الخشن. فإذا وجدت أحد هذه الصفات الثلاث فهو من البالغين. هذا الحكم يجهل الكثير من الناس، ربما بلغ بعض أبنائهم فلم يفرض عليهم ولم يأمروهم بالصيام. وهكذا الأنثى بهذه الصفات الثلاث، وتزيد بأمر رابع وهو نزول الدم الذي تعرفه النساء. كم من النساء من لا تأمر بعض بناتها وترى أنها صغيرة لكونها لم تبلغ سن خمسة عشر، مع أنها ربما قد بلغت وصارت ممن يجب عليها الصيام، وهي ابنة ثلاثة عشر أو اثني عشر أو اثني عشر. بل بعض البنات ربما تبلغ وينزل منها الدم الذي ينزل من النساء وهي أقل من عشر سنوات، وإن كان هذا نادر لكنه يقع. فإذا وقع مثل ذلك وجب تعليم هذه البنت أن الصيام مما فرض عليها، ولا يجوز التقاعص عنه. ولهذا كان بعض السلف بل أكثر السلف يعلمون أبناءهم الصيام وهم في الصغر، لأجل أن لا يبلغوا إلى سن البلوغ إلا وهم قد أحبوا الصيام وحرصوا عليه. باب الإمام البخاري بصحيحه: «باب صيام الصبيان»، ثم ذكر حديث الربيع بنت معوذ، وكيف ذكرت أنهم كانوا يصومون الصبيان حتى أن الصبي ربما يبكي فيلهونه ويسكتونه باللعبة من العهن، أي من الصوف. فإذا كان كذلك، فالذي ينبغي أن نحرص على تعليم أبنائنا، فيعلم أبناءنا الصيام من سن سبع سنوات، ويشدد عليهم من سن عشر سنوات. ومن هذه المخالفات كذلك التي يجهلها بعض الناس ويحصل كذلك اللبس فيها ما يتعلق بصيام الحامل والمرضع. بعض الناس يمر عليهم هذا الحكم ويحتاجونه، وربما يتكرر عليهم بين السنة والأخرى، ومع ذلك فهم يلتبس عليهم الحكم بسبب عدم حرصهم على تعلم ما ينبغي في هذا المقام. فتارة يسمعون أنه إنما يكفي فيه الإطعام، وتارة يسمعون أنهم ينبغي أن يصوموا اليوم بيومين، وتارة يسمعون أنه إنما يكفي الصيام. بينما لو سألوا أهل العلم في هذا بالدليل والبرهان لعلموا أن الصائم والمرضع إذا خافت على نفسها أو على ولدها، فحالها كحال المريض. فإذا كانت كذلك جاز لها أن تفطر، وأن تقضي عن كل يوم يوما كما جاء معناه في حديث أنس بن مالك الكعبي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا هو الصواب وهو الحق الذي ينبغي المصير إليه في هذه المسألة. فإذا تتابع عليها الصيام ولم تستطع القضاء، فإنه رخص بعض أهل العلم قياسا على صاحب المرض المزمن، وعلى الكبير الذي لا يستطيع الصيام أن تطعم عن كل يوم مسكينا. ومن هذه الأحكام كذلك بعض المسائل التي يكثر السؤال عنها، هل هي من المفطرات أو ليس من المفطرات؟ فبسبب قلة تفقه الناس في مثل هذه الأحكام ربما يضطربون في معرفة تلك المسائل. فمثلا يحصل اللبس في الإبر التي يحتاج الناس لاستعمالها أحيانا، هل هي من المفطرات أو ليس من المفطرات؟ والصحيح في هذا التفصيل، بينما يقوم مقام الطعام والشراب فإنه يكون من المفطرات، وما لا يقوم مقام الطعام والشراب فإنه ليس من المفطرات. وهكذا كذلك من تلك الأخطاء التي يلتبس على بعض الناس أمرها، ويحتاج التنبيه إليها التباس حكم الكبير الذي بدأ يهذرم ويفوت عقله أحيانا. يسأل الكثير من الناس ما حكم هذا الشيخ الكبير، هل يطعم عنه أو لا يطعم عنه؟ والصواب في ذلك أن يفصل. فإن كان هذا الكبير ممن ذهب عقله بالمرة، فقد رفع عنه القلم، وصح عن النبي عليه الصلاة والسلام أن القلم رفع عن ثلاثة، وذكر منهم المعتوف حتى يفيق. فمن هؤلاء الكبير إذا ذهب عقله. فإذا كان يأتي أحيانا ويذهب أحيانا، فينظر إذا كان يأتي في بعض الأيام ويذهب في بعض الأيام، فالوقت الذي يأتي فيه فإنه يطعم عنه، والوقت الذي لا يأتي فيه فإنه عفو ولا يطعم عنه. وأما إذا كان في اليوم الواحد يأتي ويذهب، فهنا لكونه قد ذهب في بعض اليوم وفي ثناياه، فإنه لا حرج عليهم إن لم يطعموا، وإن أطعموا احتياطا وزيادة في الأجر والصدقة كان لهم الفضل في ذلك. وهكذا يسأل بعض الناس ويلتبس عليهم الحكم في المريض الذي يمرض مثلا في رمضان أو قبل رمضان، ثم يتوفاه الله في شوال، ولم يجد فرصة للقضاء. هل على مثل هذا القضاء على أوليائه أو الإطعام أو ماذا يصنعون؟ والصواب في مثل هذا الإنسان أنه ليس عليهم شيء، لقول الله عز وجل: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها﴾. أما من أدرك وقت القضاء وسوف ثم مرض ومات، وقد وجد وقتا للقضاء ولم يقض، فهذا يشمله قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من مات وعليه صوم صام عنه وليه». وهكذا كذلك من هذه التنبيهات تنبيهات تتعلق بأحوال الناس في هذا الشهر. فمن الناس من انشغل في هذا الشهر بالطعام والشراب والإعداد ذي له، حتى وصل بهم إلى الإسراف والتبذير، فصار شهر رمضان عند بعض الناس هو شهر تصنيف الطعام والشراب والتنافس فيه. فملئت الموائد بما كان فيه معنى الإسراف والتبذير. وقد قال الله عز وجل: ﴿ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا﴾. وقال سبحانه: ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾. فإذا كان كذلك، فالواجب في هذا المقام الاعتدال والاقتصاد، فلا إفراط ولا تفريط، لا نحرم ما أحل الله، كما أنه لا ينبغي التوسع بما يفضي بنا إلى الإسراف والتبذير، وإضاعة الأوقات والإنشغال بما لا ينبغي أن ينشغل بمثله في مثل هذا الشهر المبارك. وهنا ينبغي أن يعيد النظر الكثير منا من الآباء والأمهات وأولياء الأمور فيما يتعلق بهذا المقام. وهكذا كذلك من ذلك ما ينبغي عليه كذلك من أمر الغفلة عن الأبناء في هذا الشهر، حتى أفضى ببعضهم أن الأب ربما ينشغل بالنوم والأم تنشغل بالمطبخ، ثم يكون الأبناء مضيعة في النهار وهكذا مضيعة في الليل. حتى صار هذا الشهر ربما سببا في انتكاسة بعض أبنائنا وبناتنا، بما يكون من الغفلة عن مراقبتهم وتربيتهم ومتابعتهم بمثل هذه المعاني وغيرها. وهذا خطأ، حتى ربما نجد بعض الأطفال الصغار في أنصاف الليل في هذا الشهر وهم في الشوارع يعبثون، وربما كانوا ضحايا بعض المفسدين الذين يستغلون مثل هذه الفرص مع غفلة أولياء أمورهم. وكذلك تضيعهم للأمانة التي تجب معهم. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من امرئ يسترعيه الله رعيا يوم يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا لم يجد رائحة الجنة»، كما رواه مسلم من حديث معقل بن يسار. فينبغي أن يراعي الأب والأم وأولياء الأمور من إخوة وأخوات وجدات وغير ذلك ما ينبغي في مثل هذا المقام. ومما ينبغي عليه كذلك في هذا المقام التنبيه على بعض الأخطاء كذلك التي تقع في مسألة بعض الطاعات. فمثلا في مسألة القيام وصلاة التراويح، هي طاعة من الطاعات حثت فيها أهل الإسلام في هذا الشهر اغتناما للجور وزيادة بالدرجات وتكبيرا للسيئات وإعمارا لهذا الشهر المبارك. وبعض الناس ربما يغفل عن مثل هذه الطاعة فيتركها بالمرة، وهذا من التقصير بالنفس. ومما ينبغي أن يجتهد فيه الإنسان في مثل هذا الشهر. وبعضهم العكس ربما يعتني بها ويضيع بعض الفرائض. فمثلا تجد بعض الناس يحرص على صلاة التراويح، لكنه لا يحرص على صلاة الجماعة. مع أن صلاة الجماعة أعظم وأفرض وأوجب وأهم من صلاة التراويح. وقد قال نبينا عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري وغيره من حديث أبي هريرة فيما يرويه نبينا عليه الصلاة والسلام عن ربنا سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه». فالفرائض من أحب ما يتقرب به إلى الله. فأنت أخي المسلم ويا أيها الحريص على الخير في هذا الشهر، إن كنت تحرص على التراويح فاحرص كذلك على أداء صلاة الجماعة، وهي من الفرائض. فمثلا بعض الناس يتأخر عن صلاة العشاء في الجماعة ويقول: سأصلي إن شاء الله مع التراويح. وهذا حال الكثير من الناس، تجده إلا من رحم الله وفق ممن حرص على الخير. فتجد بعض الناس كثيرا ما يصلي العشاء مع التراويح، فيتخلف عن صلاة العشاء التي هي أوجب وأهم، ويأتي في صلاة التراويح متأخرا، ثم يصلي العشاء ويكمل ركعتين، ثم يصلي ما يتيسر مع الإيمان في التراويح. وهذا من الأخطاء، ومن كذلك عدم ترتيب الأولويات التي ينبغي أن يعتني بها المسلم. ومن هذه الأخطاء كذلك تكاسل وتململ بعض الناس عن مثل هذه الطاعات، مع أنها يسيرة على من يسرها الله عليه. فربما شوشوا على المصلين في أيام صلاة التراويح، فيجلسون في مؤخرة الصفوف بالقيل والقال، فإذا ركع الإمام هرول بعضهم ليدركوا الركوع، ويفوتهم ما يفوتهم من الصلاة. كان شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله يقول: أمثال هؤلاء لا يحق لهم أن يعتبروا الركعة بالركوع ركعة، لأنهم أدركوا وقت الفاتحة وتغافلوا وتململوا وتكاسلوا عنها. فالمتخلف الذي لم يدرك وقت الفاتحة إذا جاء والإمام راكع حسبت له ركعة في القول الصحيح من أقوال أهل العلم. لقول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي يحسنه بعض أهل العلم: «من أدرك الإمام راكعا فقد أدرك الركعة». أما إنسان داخل المسجد يسمع الإمام يقرأ ولا يدخل في الصلاة حتى إذا ركع الإمام هرول وركع مع ركوع الإمام، ويريد بذلك أنه أدرك الركعة. كان شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله يقول: هذا الإنسان لم يدرك الركعة، وليس له هذه الركعة، وعليه أن يأتي بركعة أخرى، لأنه فرط في حضورها وهو موجود. وإنما الرخصة لمن لم يحضرها. وهكذا كذلك تشويش المساجد، وكذلك أذيتها في هذا الشهر. فمن الناس من يؤذي بيوت الله التي أمرنا بتعظيمها وبإكرامها وبتنزيهها عن كل ما ينافيها، فهي من شعائر الله الذي تعظم. وقد قال سبحانه: ﴿ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾. بعض الناس يشوش على المصلين بكثرة الحديث والقيل والقال، وكذلك يجعل المسجد مكانا لإضاعة الأوقات. تارة بالنوم وتارة بالحديث واللقاء بالأصحاب، بينما المساجد في رمضان ينبغي أن تعمر بقراءة القرآن وبالصلاة وبالعلم وبغيرها من الطاعات، ليس بالقيل والقال وبأن يكون مكانا للنوم. حتى صارت بعض المساجد التي ربما فيها بعض المكيفات وبعض الفرش الطيبة من أحسن مآوي أو مأوى بعض الصائمين. فهو مأوى صار كأنه كما يقال: لوكندة، يأتي إليها بعض الناس، والمخد والفرش جاهزة. لماذا؟ هل لقراءة القرآن؟ هل للاجتهاد في الطاعة؟ هل لحضور العلم؟ لا، وإنما للمسابقة أن يجد مكانا للنوم فيكون قد أخذ أحسن مكان وأعظمه. وهكذا بعضهم في القيل والقال، فيأتي يتمشى مع أصحابه فيشغل المصلين ويشغل قارئي القرآن وغير ذلك. وهكذا آخرون كذلك يشوشون بيوت الله بتلك الموائد التي تحتوي على صنوف الأطعمة، حتى صارت بعض المساجد بسبب ما يسمى بإفطار الصائم وهو باب أبواب الخير، لكن لا ينبغي أن ينتقل إلى مفسدة. ولا ينبغي أن ينتقل إلى إضرار ببيوت الله. فصارت بعض المساجد وبيوت الله كأنها مطابخ. أول ما تدخل فيها وربما كان هذا في المغرب، لكن حتى يبقى تبقى الرائحة حتى إلى صلاة العشاء، وربما إلى ثاني يوم من صلاة الفجر، والروائح ما زالت باقية في المس