شمولية الإسلام

المحاضرة بعنوان شمولية الإسلام، وكانت بمسجد الحبش بالديس الشرقية الجمعة ٨ ذو القعدة ١٤٣٤هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم شمولية الإسلام وأدلته من القرآن

يتناول شرح شمولية الإسلام وأدلتها من القرآن الكريم، مشيراً إلى أن الإسلام دين شامل وكامل. يستدل بآيات مثل ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾.

شمولية الإسلام لجوانب الحياة المختلفة

يشرح شمولية الإسلام لجميع نواحي الحياة مستدلاً بالقرآن وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ويذكر أمثلة على حفظ الحقوق المختلفة.

حقوق وواجبات الراعي والرعية في الإسلام

يشرح حقوق وواجبات الراعي والرعية، ويبين أهمية حفظ حقوق الجيران والإحسان، ويذكر سياسة النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع الأمة والأعداء.

أدلة شمولية الشريعة الإسلامية من القرآن والسنة

يتناول شمولية الشريعة الإسلامية لجوانب الحياة مستدلاً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية، ويشير إلى أهمية فهم هذه الشمولية في مواجهة الفتن.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فكما تقدم في كلمة يا أخينا أبي عمار حفظه الله تعالى في موضوع هذه الكلمة، وهو الكلام على شمولية الإسلام. والموضوع كما أشار إليه أخونا في مقدمته ونوه بذكره، أنه موضوع عظيم وخطير. موضوع عظيم لما فيه من بيان حقيقة الإسلام، وما هي الإسلام، وكنه الإسلام. وخطيرٌ باعتبار ما وقع فيه كثير من الناس في هذا الباب من الشطط والانحراف والتضييع. لهذا الباب منهم من صدر منه ما صدر عن كيدٍ ومكرٍ بالإسلام وأهله، ومنهم الجاهل الذي هو تابع لكل ناعق. لأن شمولية الإسلام في حقيقة الأمر لو نظر الناظر إلى أدلة ذلك من كتاب الله تبارك وتعالى، ومن سنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وتصفح في سيرته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وفي سيرة خلفائه، وفي سيرة أصحابه، وفي سيرة أتباع أصحابه بإحسان وتابعيهم بإحسان، لرأى أن هذا الأمر كان مستقرًا. كان ثابتًا لأنه من ثوابت هذا الدين، شمولية الإسلام من ثوابت هذا الدين، ومن أسس هذا الدين. ومما رسخ في قلوب أولئك هذا المعنى. ولكن للأسف الشديد لما حصل ما حصل في الأزمان المتأخرة من فشو البدع والمخالفات، وظهور المنكرات، وتكلم كل ذي رأي برأيه، وظهر أصحاب الأهواء فتكلموا بأهوائهم، وظهر أو اندس بينهم الزنادقة فأدخلوا عليهم ما أدخلوا من الشر والخبث والكيد بهذا الإسلام. كما هو معلوم لمن طالع تاريخ هذه الأمة، وكيف صار أمرها بعد أن كان على أفضل ما يكون من القوة والثبات والعز والنصرة التي كان عليها أهل الإسلام في أول أمرهم، وكيف صار أمرهم في آخر الأزمان. ولكن هذه الفتنة، أي فتنة الطعن في الإسلام من جهة أو من أخرى، سواء كان هذا الطعن ظاهرًا أو كان باطنًا مغلفًا، ظهر وفشى، ولا سيما في الأزمان المتأخرة في أوساط المسلمين. وحدده بعضهم بعد الحرب العالمية الثانية، ودخل ذلك بوضوح في بداية السبعينات، أي من التاريخ الميلادي، حينما ظهرت العلمنة، وغزت بلاد الإسلام، وظهرت بصور مختلفة وأشكال متنوعة، وصار لها أنصار، وصار لها كذلك من يدعو إليها جهارًا نهارًا، ممن هم من أبناء جلدتنا، وممن يتكلم بألسنتنا، ولكن قد زاغ قلبه، فتكلم بما تكلم فيه في الإسلام طعنًا في الإسلام، شعر أم لم يشعر. لأن القول بأن الإسلام ليس بشامل، حقيقته المنابذة والمضاهاة لحكم الله تبارك وتعالى، ولقضائه سبحانه وتعالى، الشرع الذي أخبر ربنا جل وعلا في آيات كثيرة من كتابه، تبين وتدل دلالة واضحة على أن هذا الدين كامل، شامل، دائم. هذا الدين كامل، شامل، دائم. والموضوع كما سمعتم مترامي الأطراف، متعدد الفقرات، ومختلف كذلك الموارد والمشارب. ومقام مثل هذا المقام لا يسمح بأن يتكلم المتكلم فيه بجميع أن يتكلم فيه من جميع نواحيه. ولكن كما قيل: الإشارة والحليم بالإشارة يفهم. فأتكلم أولًا بما فتح الله تبارك وتعالى علي في هذا المقام ببعض النواحي، وبعض الإلماحات والإشارات حول هذا الموضوع، ثم يتكلم شيخنا أبو عبد الرحمن حفظه الله تعالى بما فتح الله تبارك وتعالى عليه في هذا الموضوع العظيم والخطير. فأولًا: شمولية الإسلام، ما معنى شمولية الإسلام؟ شمولية الإسلام إذا نظرنا إلى معنى الشمولية من حيث اللغة، لرأينا أن معنى الشمول يعني بمعنى الاحتواء والتضمُّن للشيء. فمعنى شمولية الإسلام أي احتواء الإسلام وتضمُّنه لكل شيء مما يحتاجه العباد. تضمُّنه لكل شيء مما يحتاجه العباد. وإذا نظرنا إلى هذا المعنى وقارناه بالمعنى الشرعي، لوجدنا أن المعنى الشرعي مستخلص كذلك من المعنى اللغوي، وهو أن المعنى الشرعي كذلك أن يؤمن العبد بكون هذا الدين الإسلامي شاملٌ كاملٌ دائمٌ، قد احتوى وتضمَّن كل ما يحتاجه العباد في أمر دينهم ودنياهم. تضمَّن كل ما يحتاجه العباد من أمر دينهم ودنياهم، هذا أولًا. ثانيًا: أدلة ذلك. أدلة ذلك أي الأدلة الدالة على هذا المعنى. وأدلة ذلك كثيرة. أدلة ذلك كثيرة، لكن كما سمعتم نشير إلى بعضها إشارات. فمن ذلك قول الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. فقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، قوله تبارك وتعالى: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، تضمَّن أمورًا ثلاثة. الأمر الأول: أن هذا الدين كامل باعتبار شموليته لكل ما يحتاجه العبد في أمر دينه ودنياه، وفي أمر معاشه ومعاده، فهو شاملٌ بكل ذلك. والأمر الثاني: أنه كذلك كامل، دينٌ كاملٌ لا نخص فيه بوجهٍ من الوجوه، فلا يحتاج إلى تكميل. والأمر الثالث: أنه دينٌ أبديٌ، دينٌ مستمر دائمًا إلى أن تقوم الساعة. وهذه الخصال الثلاث امتاز بها دين الإسلام عما عداه من الأديان. فالأديان السابقة كانت باعتبار الشمولية خاصة، وباعتبار كذلك الكمال لم تكن على الكمال الذي عليه دين الإسلام. وكذلك باعتبار الزمان، باعتبار الأبدية، كانت أديانٌ وشرائع مؤقتة. ما يموت نبي ويأتي رسول آخر بشريعة أخرى، فيحكم بتلك الشريعة، وهكذا إلى أن جاءت هذه الشريعة التي كانت ناسخة لجميع الشرائع، ومهيمنة على جميع الشرائع. وأمر الله تبارك وتعالى جميع الخلق بامتثالها والتزامها والإيمان بها. فقول الله تبارك وتعالى كما سمعتم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، يدل على ما تقدم ذكره. ومنها الدلالة على شمولية الإسلام لكل شيء مما يحتاجه العباد في أمر معادهم ومعاشهم، وفي أمر دنياهم وأخراهم. وكذلك من الأدلة الدالة على هذا المعنى، قوله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، لِكُلِّ شَيْءٍ، لِكُلِّ شَيْءٍ. فكلُّ من ألفاظ العموم، وربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. فدلَّت هذه الآية دلالةً واضحة كذلك على أن القرآن العظيم، جمع الله تبارك وتعالى فيه كل خير مما يحتاج إليه الناس في أمر دينهم ودنياهم، وفي أمر معاش ومعادهم. قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾، ففيه تزكيةٌ من الله تبارك وتعالى للقرآن، وأنه حق، وأنه من الحق تبارك وتعالى. تزكيةٌ من الله تبارك وتعالى للقرآن بأنه تبيانًا لكل شيء. ففيه البيان الواضح بالأسلوب الفصيح البليغ الواضح البين، أنه تبيانًا لكل شيء مما يحتاجه الناس. ففيه دلالة على شمولية هذا الإسلام لكل شيء. وأن القرآن قد جمع الله جل وعلا فيه الأسس والقواعد الكلية، والخطوط الرئيسة التي يحتاجها الناس في أمر دينهم ودنياهم. وفي أمر كذلك معاشهم ومعادهم، فهو أي كتاب ربنا تبارك وتعالى، جمع الله جل وعلا فيه كل خير. فالآية الواحدة يستدل بها العالم في زمان على حكم، وآخر على مسألة مشابهة نظيرة للمسألة السابقة، وآخر على مسألة أخرى هي كذلك نظيرة للمسألة السابقة، وهكذا. وهذا من التبيان الذي جعله تبارك وتعالى في هذا القرآن لكل شيء. ومن الأدلة كذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾. فقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، يدل دلالة واضحة صريحة على أنه ما من خير إلا وهذا القرآن يدل عليه، أقوم، بمعنى أنه إذا دار الأمر بين فاضل وأفضل، كان في القرآن ما يدل على الأفضل. فضلًا عن أن يكون الأمر دائرًا بين فاضل ومفضول، فالقرآن دلالته تدل على الأفضل والأقوم والأقوى والأنفع والأصلح للعباد في أمر دينهم، وفي أمر دنياهم، في جميع نواحي الحياة. في الجهة أو باعتبار ما يحتاجه الناس والعباد في أمر دينهم، وفي أمر كذلك مجتمعاتهم. وفي أمر كذلك ما يحتاجونه من الأمور الاقتصادية، والأمور السياسية، والأمور الأخلاقية، وأمور المعاملات. إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، أقوم ما يكون من هذه الأمور التي إذا تأمل فيها المتأملون وتدبروا فيها وتدبرها المتدبرون، لرأوا أن حكم الله تبارك وتعالى في كل شيء، أنه أعظم الأحكام وأجل الأحكام. ولو أن ذلك الحكم كان في غير هذا الموضع لاختل الأمر. فدل على أن ربنا تبارك وتعالى بحكمته وعلمه وخبرته، وضع كل شيء في موضعه الذي يناسبه، بإحكام وحكم، بإحكام وحكم. ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير تبارك وتعالى؟ لطيف بعباده، فلم يشق عليهم. خبير بما يصلح عباده، فأنزل عليهم من الشرائع ومن الأحكام ما يستطيعون أن يقوموا به، وما يكون سببًا لبلوغهم إلى ربهم تبارك وتعالى، لنيل ما يكونون به سعداء في أمر دينهم وأمر دنياهم. لذا قال ربنا تبارك وتعالى كما سمعتم في هذه الآية: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾. وماذا قال؟ ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾، من هم الذين يعملون الصالحات؟ المؤمنون الذين يعملون الصالحات بامتثال أمر الله تبارك وتعالى، وحكم الله تبارك وتعالى، بفعل الذي هو أقوم. ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾، لهم أجرًا كبيرًا، أي عظيمًا من الله تبارك وتعالى. والأدلة كذلك من سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، تدل كذلك دلالة واضحة على هذا المعنى. لذا جاء في مسند الإمام أحمد من حديث أبي ذر بإسناد حسن أنه قال: «ما مات رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إلا وعلمنا كل شيء». قال: «أو قال: وما من طائر يقلب جناحيه في السماء إلا وأعلمنا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم علما». أو كما قال رضي الله عنه وأرضاه. وهذا يدلنا كذلك على ما تقدم ذكره، من شمولية هذا الدين لكل شيء، لجميع نواحي الحياة، دينية واجتماعية وسياسية واقتصادية، إلى غير ذلك مما يحتاجه العباد. والأمر الثالث: نذكر بعض الأمثلة الدالة على شمولية الإسلام لنواحي الحياة المتعددة. نشير إلى بعضها إشارات لطيفة. وفي الإشارة كما يقال: كفاية للحليم. فبالنسبة للحقوق، لحق رب تبارك وتعالى الذي هو أعظم الحقوق وأجل الحقوق، فإن الله تبارك وتعالى بيَّن هذا الحق بيانًا واضحًا، جاريًا في كتابه الكريم في آيات كثيرة من كتابه. وكذلك بيَّنه نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في سنته المطهرة. قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾. قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. والآيات في ذلك كثيرة. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه: «قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: أتدري ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد على الله؟». قال: «الله ورسوله أعلم». قال: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله ألا يعذب من لم يشرك به شيئًا». ومن الحقوق كذلك التي حفظها هذا الدين بشموليته: حق الوالد أو حق الوالدين. حق الوالدين. قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. وقال الله تبارك وتعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. والأدلة في ذلك كثيرة تدل على هذا المعنى. جاء في صحيح مسلم حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: «أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: من أحق الناس بحسن صحبته؟ قال: أمك. ثم من؟ قال: أمك. ثم من؟ قال: أمك. ثم في الرابعة قال: أبوك. ثم أبوك». وهذا يدل على ما تقدم. وكذلك في المقابل حفظ للأبناء حقوقهم من الآباء، كما أنه حفظ للآباء حقوقهم من الأبناء. حفظ هذا الدين كذلك بشموليته للأبناء حقوقهم من الآباء. فأمر الله تبارك وتعالى الآباء بأن يقيموا حق الأبناء، وأن يقوموا به. قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾. وقال نبينا صلى الله عليه وسلم كما في سنن أبي داود وغيره بإسناد حسن عن عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول». وقال نبينا صلى الله عليه وسلم كما في سنن أبي داود أيضًا بإسناد حسن من حديث عبد الله بن عمر قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع». فهذه من الحقوق التي جعلها الله تبارك وتعالى على الآباء للأبناء. وكذلك من الحقوق التي جعلها هذا الدين بشموليته: جعل حقًا كذلك للأرحام، بصلتها وبالإحسان إليها. قال الله جل وعلا: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾. وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيحي البخاري ومسلم من حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه: «من أحب أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره، فليصل رحمه». وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيحي البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: «لا يدخل الجنة قاطع». أو جاء في حديث المغيرة: «لا يدخل الجنة قاطع»، أي قاطع رحم. وكذلك حفظ هذا الدين بشموليته حق الراعي مع رعيته، وحق الرعية مع الراعي. فهو دين يحفظ حق كل ذي حق. يحفظ حق كل ذي حق. قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته». هذه من الحقوق التي جعلها ربنا تبارك وتعالى على الولاة والأمراء مع رعيتهم. ومنها أيضًا ما جاء في الصحيحين من حديث معقل بن يسار رضي الله عنه وأرضاه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من راع يسترعيه الله رعية فيموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا لم يرح رائحة الجنة». فمن الحقوق التي يجب على الحاكم وعلى ولي الأمر تجاه رعيته: النصر لهم، والحفاظ عليهم، والقيام بأمورهم ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، بالطرق المشروعة. ومنها كذلك ما جاء في صحيح مسلم حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاه قالت: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه». هذا أيضًا من هذا الباب، من حفظ حقوق الرعية على الراعي، والعكس بالعكس. أمر كذلك الرعية بأن يحفظوا حقوق الراعي. أمر الرعية أن يحفظوا حقوق الراعي، حقوق الأمير، حقوق الإمام الأعظم. فقال نبينا صلى الله عليه وسلم كما جاء في مسند أحمد وغيره: «أسمع وأطع، ولو أخذ مالك وضرب ظهرك». وقال نبينا صلى الله عليه وسلم جاء في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه وأرضاه قال: «دعانا يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبايعناه على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وعلى أثرة علينا». وجاء كذلك حث النبي صلى الله عليه وسلم بلزوم طاعة أولي الأمر، وعدم الخروج عليهم، لا باللسان ولا بالأبدان ولا بالسيف. لأن الخروج قد يكون باللسان، وقد يكون بالأبدان، وقد يكون بالسيف. فأمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم بأن نحفظ لأمراءنا ولولاة الأمور حقهم، أن نحفظ لهم حقهم كذلك. هذا الدين إذا نظرنا في الجهة الاجتماعية، حفظ للجيران حقوقهم. حفظ للجيران حقوقهم. قال نبينا صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه». وجاء كذلك في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه». وهذا يدلنا كذلك على مكانة الجار في الإسلام، وعلى حق الجار في الإسلام. وهذا كذلك يدلنا على شمولية هذا الدين لهذه الحقوق. بل إن دين الإسلام أمر أمرًا عامًا بالإحسان لكل شيء. كما جاء في صحيح مسلم من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه وأرضاه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله كتب الإحسان على كل شيء». ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فهذه الآية تدل على كليات وعلى قواعد عامة، تدل على هذا المعنى. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ الذي به قوام الدنيا والدين. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾، ثم بعد ذلك جاءت النواهي: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾. ثلاث أوامر، وفي مقابلها ثلاثة نواهي. هذا الدين لو نظر الإنسان إلى الجهة السياسية، كما يقال: إلى الجهة السياسية، كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يسوس الأمة ويتعامل مع الأمة ويتعامل مع الأعداء؟ سياسة لو نظر الإنسان إلى حال النبي صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة، كيف كان حاله؟ كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أنه كان في ذلك الزمن، في العهد المكي، كان نبي صلى الله عليه وسلم ومن معه مستضعفين. فما هي السياسة وما هو الأمر التي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم حينها؟ قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: لما كان في العهد المكي، وكان حينها مستضعفًا ومن معه، أمره ربنا تبارك وتعالى بالصبر، بالصبر على ما يفعله به أعداؤه. لماذا؟ لأنه ليس عنده قدرة يدفع بها عن نفسه وعن مخالفيه وأعدائه. فكان من الله تبارك وتعالى أن كان يصبر نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك. ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾، والله تبارك وتعالى في آية كثيرة يصبر نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾. وآيات كثيرة تدل على هذا المعنى. هذا من السياسة. أنت مستضعف، لا تقول: سأفعل وسأخرج، سأقاتل، سأجاهد، لأنك مستضعف. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فلما أذن له ربنا تبارك وتعالى بالهجرة إلى المدينة، وأسس دولة، وكان معه رجال، وكان له المنعة والقوة. قال حينها: أمره ربنا تبارك وتعالى بالجهاد. متى أمره ربه تبارك وتعالى بالجهاد؟ في الحقبة الزمنية الثانية، في العهد المدني، في عهد الهجرة، في عهد القوة. هذا من السياسة. هذه من السياسة الشرعية. أن يضع كل شيء في موضعه المناسب. حينها بعث النبي صلى الله عليه وسلم البعوث، وأوفد الوفود، وأرسل الرسل، وبعث البعوث. فكان منه صلى الله عليه وسلم من سياسته مع الملوك والعظماء: أن كان يراسلهم. كما جاء في الصحيح من حديث ابن عباس عن نافع أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما كتب إلى هرقل عظيم الروم، واستدعى عظيم الروم أبا سفيان، وسأله عن ما سأله، قرئ عليه حينها ما كتبه له النبي صلى الله عليه وسلم. فكان مما كتبه له صلى الله عليه وسلم: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله، الرسول الأمي، إلى هرقل عظيم الروم، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن لم تسلم فعليك إثم الأريسيين». أو كما قال صلى الله عليه وسلم. فهذه من السياسة. وما يسميه اليوم الناس من أمور خارجية، السياسة الخارجية مع الدول المجاورة. كانت كيف يعامل الدول المجاورة؟ يراسل، يحثهم، ينصحهم، يذكرهم بالله جل وعلا، وهكذا. هذه من السياسة التي كان يسوس بها النبي صلى الله عليه وسلم أمته. ومن السياسة التي كان كذلك يسوس بها النبي صلى الله عليه وسلم أمته: كان من سياسته يهيئ الجيوش، ويبعث البعوث. وكانت من سياسته أيضًا إذا بعث البعوث وقيض الجيوش: كان يوصيهم بوصايا. كما جاء في صحيح مسلم الحديث بريدة رضي الله عنه وأرضاه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جهز سرية قال: أوصى أميرها بتقوى الله وبمن معه خيرًا». وقال: «أغز في سبيل الله، بسم الله، قاتل المشركين». إلى أن قال له: «لا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا». إلى غير ذلك من الوصايا التي كان يوصي بها النبي صلى الله عليه وسلم أمير الجيش في الجيش. هذه من الوصايا، من معاملة ما يسميه اليوم ماذا؟ في الجيوش، في تجهيز الجيوش. كيف يجهز الجيش؟ يجعل له راية تحت أمير، ويؤمر الأمير، ويوصي الأمير بما يفعله من الأمور. إلى غير ذلك مما هو من السياسة الشرعية. إذا نظرنا إلى الجهة التي تسمى اليوم الجهة الاقتصادية، أو جهة البيع والشراء. ديننا الإسلام كذلك له أو في كتاب الله تبارك وتعالى الشيء الكثير الذي يبين القواعد العامة لهذا الباب. منها قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، قاعدة عامة كلية. ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. لو دار الإنسان وفكر وقلب ذهنه لرأى أن هذه الآية شاملة لأمور البيع الحلال، ولأمور البيع الحرام، وما تفرع عنه. ومنها قول الله تبارك وتعالى: ﴿يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾، كذلك في هذه الآية قاعدة عامة كلية فيما يحل أكله وما لا يحل، وما حرم أكله حرم ماذا؟ ثمنه. كما جاء في حديث جابر من عبد الله رضي الله عنه: «إن الله إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه». «إن الله إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه». هذه قاعدة الحديث، قاعدة: «إن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه»، قاعدة كلية في باب ماذا؟ في باب البيع والمعاملات. ومن القواعد العامة كذلك في باب البيع والمعاملات قول النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر». وكما قال من قال من العلماء: «إن البيوع المنهية مدارها على أمرين: الغرر والربا». الغرر والربا، أي إما أن تكون محرمة لأجل الجهالة، وإما أن تكون محرمة لأجل أنها نوع من الربا. والربا كما جاء في الحديث: «سبعون بابًا». فإما أن يكون لأجل هذا المعنى، وإما أن يكون لأجل المعنى الآخر. والموضوع كما سمعتم كثير ومتشعب ومتفرق، وأبوابه كثيرة. لكن كما سمعتم: هذه إشارات بين يدي محاضرة شيخنا أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي حفظه الله تبارك وتعالى. فنسأل الله تبارك وتعالى أن يفتح علينا وعليه بما يكون فيه النفع لنا ولهم في الدنيا، ويوم أن نلقى الله تبارك وتعالى. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنحمد الله سبحانه وتعالى الذي وفقنا أن نجتمع في بيت من بيوت الله، نتذاكر ما ينفعنا من العلم النافع، ما يعيننا على العمل الصالح. كما نحمده سبحانه وتعالى الذي وفق ويسر بزيارة إخواننا وأبائنا وأبنائنا في هذه البلدة الطيبة المباركة، وأن نجتمع في هذا المسجد الطيب المبارك في مثل هذا الموضوع الهام من المواضيع التي يحتاجها الفرد والمجتمع. خصوصًا وقد اجتمع على الناس من أنواع الفتن والمحن والشبهات والشهوات ما جعل بعض الناس يتزعزع في بعض الثوابت، ويتشكك في بعض الأحكام، ويتابع ويقلد في الكثير من الأفكار الدخيلة، وكذلك المذاهب المنحرفة. فصار بعض الناس كما يقال: يتكلم بما لا يعلم، ويهرف بما لا يعرف، فيكون بوقًا من أبواق المضلين، وناعقًا خلف كذلك بعض الهالكين، شعر أو لم يشعر. وهذا الموضوع الذي سمعتم من كلمة الأخوين الفاضلين الشيء الكثير. فجزاهم الله خيرًا على ما أشارا وعلى ما أفادا. وفي كلمة أخينا أبي عبد الرحمن حفظه الله تعالى: الفوائد العديدة والتنبيهات الموفقة السديدة في جوانب كثيرة من جوانب هذا الموضوع، الذي كما سمعتم هو موضوع متشعب المباحث، كثير كذلك الأقسام. ولكن حسبنا في مثل هذا المقام أن نتذاكر بعض المهمات التي يظن بها أن يشار إلى أهمية هذا الموضوع، وحقيقته، وكذلك بعد مغزاه. وجهل الكثير من الناس بما يقصد من بعض تلك الكلمات التي تردد من هنا وهناك، وربما صار يرددها بعد ترديدهم آخرون وآخرون، ولا يدرون أنهم بهذا يحاربون دين الله سبحانه وتعالى، ويكونون حجر عثرة في أن تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا وفجروا هي السفلى. معاشر المسلمين، سمعنا آيات كثيرة وأحاديث عديدة مما يدلنا على هذا المعنى العظيم، شمولية دين الإسلام لجميع جوانب الحياة. كفى أن نعلم معاشر المسلمين قول الله جل وعلا: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾. الله سبحانه وتعالى العظيم العليم الحكيم اللطيف الخبير، الذي خلق الخلق سبحانه وتعالى، علم ما يصلحهم. وهو القائل جل وعلا: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. فالذي خلق الخلق سبحانه وتعالى لم يتركهم هملًا، ولم يدعهم سبهللا، بل أرسل إليهم كتبًا، وأنزل كذلك إليهم شريعة،