حقوق الجار

الدرس في حقوق الجار، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في حق الجار وتأكيده في الإسلام

يُبين الخطيب أهمية حق الجار في الإسلام مستشهدًا بأحاديث نبوية، ويُظهر كيف أن الإسلام جعل لكل فرد حقوقًا وواجبات تجاه الآخرين. النبي عليه الصلاة والسلام أكد على أهمية حسن الجوار ونهى عن الإساءة إلى الجار.

تفصيل حقوق الجار وحسن الجوار

بين النبي عليه الصلاة والسلام أن الإيمان الكامل يتطلب الإحسان إلى الجار وأمنه من الأذى، كما أن الجار له حقوق تختلف باختلاف قربه وعلاقته بالجار الآخر. يُؤكد الخطيب على أهمية حسن الجوار مستشهدًا بأحاديث وتجارب السلف الصالح.

ختام بالدعاء والصلاة على النبي

المقطع يبدأ بدعاء الله بإجابة الدعاء مع الاعتراف بقدرته، ثم يصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه، معبرًا عن التوكل على الله والتقدير للنبي.

التفريغ النصي الكامل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون عباد الله، ثبت عند أحمد في المسند والبخاري في الأدب المفرد من حديث المقداد بن الأسود رضي الله تعالى عنه وأرضاه وصححه العلامتان الألباني والوادعي رحمة الله تعالى عليهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لأصحابه: ما تقولون في الزنا؟ قالوا: حرام حرمه الله ورسوله إلى يوم القيامة، فهو حرام، قال: لئن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر له من أن يزني بحليلة جاره. قال: ما تقولون في السرقة؟ قالوا: حرام حرمه الله ورسوله، قال: لئن يسرق الرجل من عشر أبيات أيسر له من أن يسرق من جاره. عظم نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الحديث حق الجار، فجعل هذه الموبقات من الزنا والسرقة التي هي من عظيم الجرائم ومن كبائر الذنوب إلا أنها تعظم إذا كانت في حق الجار. ولذلك ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: سألت رسول الله عليه الصلاة والسلام أي الذنب أعظم؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أن تجعل لله ندا وهو خلقك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني بحليلة جارك. قال: وأنزل الله جل وعلا تصديقا لقول نبيه: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾. ومما يدل على عظيم هذا الجرم وهذه الجريمة وهي الإساءة إلى الجار أن الله جل وعلا أتبع هذه الآيات قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. ما أعظم هذا الدين أيها الإسلام، قد جعل لكل أحد حقا، جعل الله جل وعلا في هذا الدين حقوقا أوجبها لنفسه على عباده، وحقوقا لأنبيائه، وحقوقا لأتباع الأنبياء، وللصحابة، وللعلماء، وللوالدين، وللأبناء، وللأزواج، وللزوجات، وللأرحام، وللجيران، حتى للحيوان جعل شرعنا حقوقا أوجبها على عباده تجاه هذه البهائم. فما أعظم هذا الدين عباد الله، مهما طعن فيه الطاعنون من يهود أو نصارى أو غيرهم فإنه لا يزداد بذلك إلا رفعة، ولا يزداد بذلك إلا شموخا، ولا يزداد بذلك إلا علياء. لكن أين الذي يعتز بهذا الدين فتكون له العزة؟ وأين الذي يفتخر بهذا الدين فيكون له الفخر؟ وأين الذي يرفع بهذا الدين رأسا فتكون له الرفعة في الدنيا والآخرة؟ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا. هذا الحق عباد الله حق الجوار حق عظيم، ولذلك ربنا جل وعلا ذكره في كتابه الكريم بعد حقوق عظيمة ذكرها وأوجبها على عباده، قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾. أوجب الله جل وعلا هذا الحق على العباد لجيرانهم، ومما يدل على عظيم هذا الحق عباد الله أن ربنا جل وعلا أوصى به وصية خاصة، فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله تعالى عنها وعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه. وهكذا أوصى نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأمر بهذا الحق في أحاديث كثيرة، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في الصحيح من حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه وأرضاه قال: قال له النبي عليه الصلاة والسلام: يا أبا ذر، إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك. وأوصى النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في الصحيح نساء المسلمات، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة. وهكذا النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال عليه الصلاة والسلام: لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره. ثم قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه: ما لي أراكم عنها معرضين؟ والله لأرمين بها بين أكتافكم. فهكذا عظم نبينا صلى الله عليه وآله وسلم هذا الحق للجوار، بل جعل النبي عليه الصلاة والسلام الإحسان إلى الجوار من علامات وجود الإيمان، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه قال عليه الصلاة والسلام: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره. ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت. وفي لفظ: أو ليسكت. وهكذا ثبت في الصحيحين من حديث أبي شريح الخزاعي رضي الله تعالى عنه وأرضاه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره. وقد نفى النبي عليه الصلاة والسلام الإيمان والمراد به نفي كمال الإيمان عن من لم يتخلق بهذا الخلق وعن من لم يحسن إلى جاره، فقد ثبت في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: لا يؤمن، لا يؤمن، لا يؤمن، كرر ذلك القسم ثلاثا عليه الصلاة والسلام، قيل: من يا رسول الله؟ قال: من لا يؤمن جاره بوائقه. أي شروره وغدره ومكره والعياذ بالله. فانتبه لنفسك أيها الجار إذا كان جاره لا يؤمن ويخاف غدرك ويخاف خيانتك فاعلم أنك ضعيف الإيمان، وقد نفى النبي عليه الصلاة والسلام عنك الإيمان أي كمال الإيمان. وهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ليس بالمؤمن الذي يشبع وجاره جائع بجواره. أي ليس هذا بالمؤمن الذي قد كمل في إيمانه، فهو شبعان وجاره جائع، هو سعيد وجاره حزين، هو يفرح ويضحك ويمرح وجاره فيه من المصائب والابتلاءات ما لا يسليه ولا يبالي بخاطره، فهذا من ضعف الإيمان والعياذ بالله. بل قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث أنس قال عليه الصلاة والسلام: لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه. فالنبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن من لم يأمن جاره بوائقه فهو لا يدخل الجنة والعياذ بالله. والنبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة يبين لنا عظيم هذا الحق للجار على جاره، وإن دل هذا على شيء عباد الله إنما يدل على عظيم هذا الحق الذي أوجبه الله جل وعلا وأوجبه رسوله عليه الصلاة والسلام بأمر الله سبحانه وتعالى. والجار يا عباد الله هو من جاورك في مسكن أو جاورك في مزرعة أو جاورك في عمل أو جاورك في غير ذلك فهو جار لك. وأما حدود الجار فقد اختلف فيه العلماء، فمن أهل العلم من قال: جارك من كان بينك وبينه أربعين دارا من كان من أمامك ومن كان من خلفك ومن كان عن يمينك ومن كان عن شمالك، عد أربعين دارا من كل جهة فكل هؤلاء جيران. وهذا قول للسلف رضي الله تعالى عنهم ورحمهم الله تعالى. ومن الأقوال أن الجار هو الذي يشاركك في سماع الأذان، فمن شاركك في سماع الأذان فهو جارك. وهذا كان قبل وجود هذه المكبرات، فكانوا يعدون الجار من يشاركك في سماع الأذان. ومن أهل العلم من قال: الجار من يشاركك في سماع الإقامة أي إقامة الصلاة. ومنهم من قال غير ذلك. ومن أهل العلم من قال: الجار لم يأت به دليل صحيح ثابت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلذلك يرجع إلى العرف. ولذلك قالوا: وكل ما أتى ولم يحدد في الشرع فبالعرف حده. فالصحيح أن الجار ما عد في عرف الناس أنه من الجار، وقد قال بهذا الإمام الألوسي رحمه الله تعالى، قال: الجار ما عد في العرف أنه جار فهو جارك. والجار القريب عباد الله له من الحق أكثر من الجار البعيد، وهذا قد دلت عليه نصوص الشريعة. وإن كان قد جاء في حديث ضعيف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: الجار القريب له ثلاثة حقوق، والجار المسلم غير القريب له حقان، والجار الكافر له حق. فهذا لم يثبت الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن قد دلت الأدلة على أن من كان أقرب فهو أولى بالجوار. الآية نفسها يقول فيها ربنا جل وعلا: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾، فقدم الجار القريب على الجار البعيد. فالجار المسلم عباد الله الذي تربطك به علاقة وقرابة فله ثلاثة حقوق، حق الإسلام، وحق الجوار، وحق القرابة. والجار المسلم البعيد الذي ليس تربطك به قرابة فله حقان، حق الإسلام، وحق الجوار. وأما الجار الكافر فله حق واحد وهو حق الجوار. ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها كما جاء في الصحيح قالت: يا رسول الله، إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام: إلى أقربهما بابا. أي القريب بابه إلى القريب بابه فاهدي إليه. وهذا يدل على أن القريب له حق أعظم وأكثر من الجار الذي ليس بالقريب. أما خطورة الإساءة إلى الجوار يا عباد الله فالخطورة عظيمة والذنب عظيم والعقوبة وخيمة يا عباد الله. النبي عليه الصلاة والسلام ذكروا له امرأة كانت تكثر من الصلاة والصيام أي من صلاة النوافل وصيام النوافل، قالوا: لكنها تؤذي جيرانها، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: هي من أهل النار. هي من أهل النار مع أنها كثيرة صلاة وكثيرة صيام ومع هذا قال عليه الصلاة والسلام: هي من أهل النار. وامرأة أخرى ليس عندها كثير صلاة وكثير صيام، ولكنها لا تؤذي جيرانها، قال النبي عليه الصلاة والسلام: هي من أهل الجنة. وهكذا النبي عليه الصلاة والسلام قد أمر بالاستعاذة من جار السوء، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: استعيذوا بالله من جار السوء في دار المقام، فإن الجار البادي يتحول. فهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالاستعاذة من جار السوء مما دل على أنه قد وقع في أمر عظيم والعياذ بالله. احذر عبد الله أن تكون على خصومة مع جيرانك، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أخبر أن أول خصمين يوم القيامة جاران، أول خصمين يوم القيامة جاران لم يعرف أحدهما حق الآخر والعياذ بالله. وهذا مما يدل على عظم هذا الذنب والعياذ بالله. وهذا عباد الله كم تلحق اللعنات الجار الذي يسيء إلى جاره والعياذ بالله، فإن اللعنات تلحقه من جاره يدعو عليه أو من الناس الذين يدعون عليه لإساءته لجاره، فيلحقه ذلك والعياذ بالله فيكون في ميزان سيئاته والعياذ بالله فيتعرض لعذاب الله جل وعلا العظيم. نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من المحسنين لجيرانهم. أقول ما سمعتم واستغفروا الله العظيم لي ولكم ولسائر المؤمنين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى صحابته الغر الميامين وعلى من سار على نهجهم إلى يوم الدين. أيها المسلمون عباد الله، وأما فضائل حسن الجوار فهي كثيرة، ومن أعظم هذه الفضائل دخول جنة الله سبحانه وتعالى، فإن العبد إذا أحسن إلى جاره فله الجنة التي وعد الله جل وعلا بها عباده المتقين كما تقدم في حديث المرأة التي كانت تحسن إلى جيرانها. وهكذا كذلك عباد الله من أراد محبة الله جل وعلا فعليه أن يحسن إلى جاره، فالنبي عليه الصلاة والسلام قد أخبر أن خير الأصحاب عند الله جل وعلا خيرهم لصاحبه وخير الجيران لأصحابه خيرهم لجيرانهم. فخير الجار عند الله جل وعلا الجار الذي هو خير عند صاحبه، فهكذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. بل قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث أنس في الصحيحين قال عليه الصلاة والسلام: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه أو قال حتى يحب لجاره ما يحب لنفسه. فالمحبة يا عباد الله تكون للعبد عند الله جل وعلا بمحبته للصالحين وللجيران كما أخبر نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وهكذا عباد الله حسن الجوار من أعظم أسباب طول الأعمار ومن أعظم أسباب تعمير الديار، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: صلة الأرحام وحسن الخلق وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في الأعمار. فهذا فضل عظيم يا عباد الله لمن أحسن إلى جيرانه. والفضائل كثيرة، لكننا نريد أن نذكر شيئا أيضا مما يتعلق بهذا المقام حتى لا يفوتنا الوقت. عباد الله لقد ضرب السلف الصالح أروع الأمثلة في حسن الجوار، فهذا عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله تعالى عنهما ذبح شاة ثم قال لأهله: هل أهديتم لجارنا اليهودي؟ هل أهديتم لجارنا اليهودي؟ يكرر ذلك ثلاث مرات مع أنه يهودي ومع هذا كانوا يحسنون الجوار مع هؤلاء ما داموا غير محاربين ولا عاتين وظالمين. وهكذا كذلك عبد الله بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه ذكروا عنه أنه كان ينفق على أربعين دارا أمامه وأربعين دارا خلفه وأربعين دارا عن يمينه وأربعين دارا عن شماله، ينفق على مئة وستين دارا. وهذا من أعظم حسن الجوار الذي كان عليه السلف الصالح. وهذا عبد الله بن المبارك رحمة الله تعالى عليه كان له جار يهودي فأراد هذا اليهودي أن يبيع داره لحاجة فعرض داره بألفين، فقال له: يا فلان دارك لا تستحق إلا ألفا، دارك لا تستحق إلا ألفا، قال: صدقتم، الألف للدار والألف الأخرى لجوار عبد الله بن المبارك. الألف للدار والألف الأخرى للجار للجار وهو عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى. فلما سمع ذلك عبد الله بن المبارك قالوا: أبقي عليك بيتك وأعطاه ألفي دينار رحمه الله تعالى. وهكذا عباد الله ربما اليوم صار العكس، صار الجار يتأذى من جاره والعياذ بالله، فربما يبيع داره بثمن قليل ربما يستحق عشرة ملايين لكنه يبيعه بثلاثة ملايين أو خمسة ملايين لماذا هذا المال القليل؟ لأنه يريد أن يبتعد عن هذا الجار السيء الذي يؤذيه. ولذلك صدق القائل الذي قال: يلومونني أن بعت بالدين الرخص منزلي وما علموا أن لي جارا هناك ينقصه. فقلت: كف الملامة فإنما بجيرانها تغل الديار وترخص. نعم الجار إذا كان حسنا فكان ذلك من أسباب عظم المال الذي يدفع لذلكم البيت ولذلك ولتلكم السكنة. فهكذا عباد الله كان السلف الصالح، أبو حنيفة رحمه الله كان جارا يؤذيه فلما قبض عليه ذهب وفك أسره ثم تاب ذلك الرجل لما رأى من حسن جوار أبي حنيفة. والنماذج كثيرة يا عباد الله. إذا نظرنا في أحوال المسلمين اليوم يا عباد الله نرى أن كثيرا من المسلمين قد قصروا في هذا الحق وقد أساءوا إلى جيرانهم أعظم الإساءة والعياذ بالله. فهذا يجعل البالوعة تحت دار جاره ولا يبالي، أو يجعل القمامات تحت باب جاره ولا يبالي. وآخر يرفع المسجلة وأنت في غرفة بيتك لا تستطيع أن تمنع أذنيك عن سماع الغناء. وآخر يفتح التلفاز. وآخر يفعل ويفعل. كم من القطيعات بسبب ظل هذا يريده لسيارته وهذا يريده لدراجته وبسبب زريبة غنم هذا يريدها له وهذا يريدها لنفسه بسبب شداد مشترك. وهكذا أشياء تافهة مشاكل أولاد تحصل القطيعات بين الجيران التي تستمر السنين الطويلة لأشياء حقيرة تافهة. أين حقوق الإسلام يا عباد الله وحق الجار الذي أمر به شرعنا العظيم أعظم من ذلك يا عباد الله ما يحصل. وخاصة بكثرة في هذه الأيام في مثل هذه الأيام ألا تكثر فيها الأعراس والزواجات إلى وقت متأخر من الليل إلى الساعة الواحدة أو الساعة الثانية أو الساعة الثانية عشر. وإذا بهذه المفرقعات المفرقعات المفرقعات عباد الله التي مثل القنابل التي تهتز منها البيوت يؤذون الجيران يؤذون الجيران إلى آخر الليل. نساف الشوارع نساف الشوارع في المواصلات يرفعن أصواتهن بالغناء وبالضرب بالدفوف وغيرها. وأين الحياة عباد الله؟ أين أولياء أمور هؤلاء النسوة؟ أين المسؤولون المعنيون بهذه الأمور؟ يتركون الناس هاقد يعبثون يتركون الناس هاقد يزعجون الناس. كم من مريض في بيته؟ كم من إنسان عليه عمل سيصبح على عمل لا يستطيع أن ينام في بيته؟ هذا يفرقع وآخر يفرقع. وأعظم من ذلك يا عباد الله إقامة هذه السهرات السهرات التي يأتي بها بمن يسمى بالفنانين إلى أوقات متأخرة أصوات عالية وغناء والعياذ بالله وفحش وخناء والجيران نائمون في بيوتهم يتألمون ويتأذون ويتلوون لا يريدون أن يسمعوا شيئا لا يريدون أن يناموا يريدون أن يرتاحوا. يا عبد الله يا أيها الجار اتق الله حرام عليك تسئ إلى جارك اتق الله اتق الله. عباد الله نحن اليوم نشكو إلى الله فعل اليهود والنصارى، فعلوا بمقدسات أهل الإسلام يعيثون في الأرض فسادا، اليهود يسخرون من رسول الله عليه الصلاة والسلام، النصارى يحرقون كتاب الله جل وعلا، يستهانون بكتاب الله. اليهود فعلوا والنصارى فعلوا لا عجب يا عباد الله من أن يفعل اليهود والنصارى مثل هذه الأفعال ما دام أهل الإسلام على هذا الحال المزري وعلى هذا الحال المخزي والعياذ بالله من ضياع حقوق الله جل وعلا وحقوق نبي الله عليه الصلاة والسلام وحقوق كذلك العباد ومنهم الجيران. فلا نستغرب يا عباد الله لا نستغرب هذه الأفعال من أعداء الإسلام، لكن العجب العجب أن يصدر من أهل الإسلام هذا التضييع وهذا التفريط وهذا التقصير في الحقوق لله جل وعلا وفي دين الله سبحانه وتعالى. هنا الحال يا عباد الله وهنا المشكلة الحقيقية، ليست مشكلتنا أن اليهود قالوا وأن النصارى فعلوا، مشكلتنا أنفسنا يا عباد الله، مشكلتنا أنفسنا نحن يا عباد الله في تقصير عظيم وفي تفريط عظيم. فهل لا تنهض هذه الأمة وتنفض الغبار من على ظهرها وتفيق من سباتها العميق حتى يتحقق لها المكانة والعزة والاستخلاف والعلياء والنصر والظفر على أعداء الإسلام؟ نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من المحسنين إلى الجوار، نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من المحسنين إلى الجوار. اللهم عليك باليهود والنصارى، اللهم عليك بمن يكيد لهذا الدين، اللهم اجعلنا من المدافعين عن كتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وسلم وعن منهج السلف الصالحين، أحينا على ذلك وأمتنا على ذلك يا رب العالمين. اللهم إنك سميع مجيب الدعاء وأنت بالإجابة جدير وعلى كل شيء قدير، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.