الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 74، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
القدر هو تقدير الله للأشياء في الأزل، والإيمان به أحد أركان الإيمان الستة. يتضمن الإيمان بالقدر أربع مراتب: العلم، الكتابة، المشيئة، والخلق.
الإيمان بالقدر يتضمن أربع مراتب مدعومة بأدلة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. من لم يؤمن بالقدر فهو كافر، وقد كفر الصحابة القدرية الذين أنكروا علم الله السابق.
طوائف ضلت في فهم الإيمان بالقدر، فانقسموا إلى جبرية وقدرية. أهل السنة والجماعة يجمعون بين الإيمان بالقدر والشرع كجزء من الإيمان بربوبية الله تعالى.
كل ما يحدث في الكون يخضع لقدر الله، والإيمان بالقدر والشرع معًا ضروري لتجنب الضلال وهو جزء من الإيمان بربوبية الله تعالى.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، بعد. قال مؤلف رحمه الله تعالى: فصل الأصل الثاني في القدر والشرع. قال: القدر تقدير الله تعالى لما كان وما يكون أزلا وأبدا. والإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان الستة التي بيّنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للجبريل حين سأله عن الإيمان، فقال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره». والإيمان بالقدر هو من تمام الإيمان بربوبية الله تعالى. وللإيمان بالقدر مراتب أربع: المرتبة الأولى: الإيمان بأن الله تعالى قد علم بعلمه الأزلي الأبدي ما كان وما يكون من صغير وكبير وظاهر وباطن مما يكون من أفعاله أو أفعال مخلوقاته. المرتبة الثانية: الإيمان بأن الله تعالى كتب في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة، فما من شيء كان أو يكون إلا وهو مكتوب مقدر قبل أن يكون. ودليل هاتين المرتبتين في كتاب الله تعالى، وفي سنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. أما الكتاب، فمنه قوله تعالى: ﴿لم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير﴾، وقوله: ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾. وأما السنة، فمنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض خمسين ألف سنة»، قال: «وكان عرشه على الماء»، أخرجه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمر بن العاص، ورضي الله تعالى عنهما. ثم ذكر المرتبة الثالثة والرابعة، وهما المشيئة والخلق، وذكر أدلة هاتين المرتبتين كما سيأتي. وخص هذا الأمر بهذا الفصل مع أن القدر يدخل في الإيمان بالقدر، يدخل في التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي، وهو اعتقاد أن الله جل وعلا خالق كل شيء، وأنه كتب كل شيء، وأن مشيئته جل وعلا نافذة في كل شيء، وأنه جل وعلا يعلم كل شيء. فصار طوائف قد ضلت في هذا الأمر، ظنوا أن الإيمان بالقدر ينافي الشرع، فمنهم من نفى القدر، وعطل القدر، ومنهم من عطل الشرع، فالجبرية عطلوا الشرع، والقدرية عطلوا القدر. والقدرية ظنوا أن الإيمان بالقدر يعارض الشرع، وأن الشرع يعارض القدر، فعطلوا القدر، ونفوا القدر، ولذلك يقال لهم قدرية. ومنهم قدرية غلاة، وهم الذين ظهروا في البصرة في عهد الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وقد جاء خبرهم في حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، لما ظهر القدرية في البصرة، يقولون: «إن الأمر أنف»، أي حادث لم يسبق لله فيه علم، فعطلوا القدر ونفوا القدر. فلما بلغ عبد الله بن عمر مقالتهم، تبرأ منهم، وكفرهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم، حتى قال عبد الله بن عمر: «أخبروهم أني منهم بريء، وأنهم مني براء». وكان يحلف رضي الله تعالى عنه أنه لا يؤمن أحد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن الإيمان بالقدر والشرع من تمام الإيمان بربوبية الله تعالى، وأن من لم يجمع بين القدر والشرع، فإنه سيضل، إما سيكون جبريا، وإما سيكون قدريا. فأهل السنة والجماعة يقولون: العبد فعله مخلوق لله جل وعلا، وله إرادة ومشيئة واختيار، تابع لمشيئة الله سبحانه وتعالى. فإذا فعل العبد شيئا، ففعل العبد باختياره، ليس مكرها. وهذه المشيئة التي شاءها العبد، تابع لمشيئة الله، لأن الله جل وعلا علم من عباده ما يشاءون، وما يختارون، فخلق مشيئتهم واختيارهم. فالاختيار اختيار العبد، والخلق خلق الله جل وعلا. فأثبت أهل السنة المشيئة للعبد، خلافا للجبرية الذين عطلوا الشرع، ولم يثبتوا للعبد فعلا، وأنه يفعل باختياره. والقدرية على العكس، قالوا: العبد يفعل فعل نفسه بمشيئة مستقلة، وهو يخلق فعل نفسه، وأفعال ليست من خلق الله، ومشيئته ليست تابعة لمشيئة الله جل وعلا. وكل هذا ترده النصوص في كتاب الله جل وعلا، وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، من أن العبد له فعل يفعله باختياره، وفعله مخلوق لله جل وعلا، وأن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: القدر تقدير الله تعالى لما كان وما يكون أزلا وأبدا. وهذا تعريف شامل للقدر، بأن يقال: هو تقدير الله جل وعلا للأشياء في الأزل، وعلمه بها جل وعلا، وكتابته لها، ومشيئته النافذة لما شاء، وأن ذلك يقع وفق مشيئته وخلقه سبحانه وتعالى لها. فإذا علم أزلي، وكتابة لذلك العلم الأزلي، ومشيئة لذلك الذي كتب، ولابد أن يقع ما شاء الله، كان، وما لم يشاء لم يكن، وخلق، أي أن ما يحصل وما يحدث في ملكوت الله جل وعلا، فهو من خلق الله سبحانه وتعالى. وبهذا التعريف يتبين لنا أن القدر لا يتم الإيمان به إلا بالإيمان بمراتبه الأربع: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق. ثم قال رحمه الله تعالى: والإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان الستة، فأركان الإيمان الستة: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره. فالإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان الستة، والقدر ذكر في السنة، وذكر في كتاب الله جل وعلا، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إن كل شيء خلقناه بقدر﴾، وقال جل وعلا: ﴿وكان أمر الله قدرا مقدورا﴾. وفي السنة حديث النبي عليه الصلاة والسلام الذي أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى، وحديث عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض خمسين ألف سنة»، قال: «وكان عرشه على الماء». فنعلم أن الإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان الستة، ومن لم يؤمن بالقدر فهو كافر، كأنه لم يؤمن بالملائكة، والذي لا يؤمن بالقدر كالذي لا يؤمن بالله، والذي لا يؤمن بالقدر كالذي لا يؤمن بالرسل. ولذلك كفر الصحابة القدرية، لأنهم قالوا: إنما الأمور تقع ولا علم سابق لله جل وعلا بها، ولا تقدير سابق لها. وثبت في مسلم من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما عن طاوس، قال: أدركت أصحاب رسول الله عليه الصلاة والجملة يقولون: «كل شيء بقدر»، قال طاوس: وسمعت عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما يقول عن النبي عليه الصلاة والسلام: «كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس»، العجز يعني الضعف، والكيس الهمة والنشاط. فلا يخرج شيء يحدث في ملكوت الله جل وعلا عن قدر الله، بل هو يحدث في ملكوت الله جل وعلا بقدر الله سبحانه وتعالى. وذكر رحمه الله تعالى أن الإيمان بالقدر والشرع من تمام الإيمان بربوية الله تعالى، وأن من لم يجمع بين القدر والشرع، فإنه سيضل. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.