الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 92، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يتمحور هذا الفصل حول تعريف العبادة وأهميتها في تحقيق التوحيد، حيث يشدد على أن العبادة تشمل أفعالًا وأقوالًا تتقرب لله وتعبر عن المحبة والتعظيم له. كما يبين أن تحقيق التوحيد لا يكون إلا باتباع الرسل.
يناقش هذا الفصل الشروط الأساسية لقبول العبادة عند الله، وهي الإخلاص لله تعالى والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ويوضح أن فقدان أي من هذين الشرطين يؤدي إلى عدم قبول العبادة.
يركز هذا الفصل على أهمية متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم في العبادات لتحقيق القبول الإلهي، ويستشهد بأدلة من السنة النبوية على هذا الشرط.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال مؤلف كتاب "التوحيد" رحمه الله تعالى: وتحقيق هذا النوع أن يعبد الله وحده لا شريك له، بشرعه الذي جاءت به رسله، كما قال الله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. فمن لم يعبد الله تعالى فهو مستكبر غير موحد، ومن عبده وعبد غيره فهو مشرك غير موحد، ومن عبده بما لم يشرعه فهو مبتدع ناقص التوحيد؛ حيث جعل لله تعالى شريكا في التشريع. بيّن رحمه الله أن تحقيق التوحيد -توحيد الألوهية- لا يكون إلا باتباع الرسل. فالشرائع التي جاءت بها الرسل فيها الدعوة إلى التوحيد، وكل أحد يتبع شريعة نبيه الذي أرسل إليه، وشريعة النبي محمد عليه الصلاة والسلام عامة. فمن عبد الله جل وعلا لغير شريعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وزعم أنه يسعه الخروج عنها، لم يحقق التوحيد. وهكذا من لم يعبد الله تعالى فهو مستكبر؛ لأن من لم يعبد الله جل وعلا لم تكن له عبادة، ولم يكن له توحيد أتى به وأقر به، فهذا مستكبر عن الإقرار بإفراده جل وعلا بالعبادة. وهكذا من عبد الله وعبد غيره، فكل هؤلاء مشركون. والذي عبد الله بما لم يشرعه جل وعلا فهو موحد ما دام أنه أقر لله جل وعلا بالعبودية، وأنه الإله الواحد الأحد الذي يستحق العبادة، لكن تعبده بعبادات لم يشرعها الله جل وعلا ولم يشرعها رسوله عليه الصلاة والسلام، كالذين يتعبدون الله جل وعلا بالبدع والمحدثات، يتعبدون الله جل وعلا بإقامة الموالد، وبضرب الطبول والدفوف، ويدعون ذلك من العبادة. وهكذا يتعبدون الله جل وعلا بالامتناع عن الزواج، وبالامتناع عن أكل اللحم، وبالامتناع عن النوم، وبالامتناع عن الإفطار، وغير ذلك. كما في حديث أنس الصحيحين في الثلاثة الذين قال أحدهم: «أما أنا فأصوم ولا أفطر»، وقال الآخر: «أقوم ولا أنام»، وقال الآخر: «لا آكل اللحم»، وفي لفظ: «لا أتزوج النساء». هذه عبادات ظنها هؤلاء عبادات، لم يشرعها رسول الله عليه الصلاة والسلام. فقال عليه الصلاة والسلام: «أما أنا فأصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني». فالتقرب إلى الله جل وعلا بعبادات لم تشرع نقص في التوحيد؛ لأن البدع تنافي كمال التوحيد، وتؤثر على التوحيد، بل هي أعظم من الكبائر. البدع والمحدثات أعظم من الكبائر؛ لأن صاحب البدعة يعتقد أنه يتقرب بعبادته إلى الله جل وعلا، وليست بدعة. ولذلك كانت البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، ومن الكبيرة. ولذلك حجب الله جل وعلا التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته. وهذا يدل على عظم هذا الذنب، لم يأت هذا الوعيد في حق مرتكب الكبيرة، وإنما جاء في حق أهل البدع. قال رحمه الله تعالى: والعبادة تطلق على معنيين: أحدهما التعبد، وهو فعل العابد، فتكون بمعنى التذلل للمعبود حبا وتعظيما. وهذا -أعني- الحب والتعظيم أساس العبادة؛ فبالحب يكون طلب الوصول إلى مرضاة المعبود، بفعل ما أمر به، وبالتعظيم يكون الهرب من أسباب غضبه، بترك ما نهى عنه. والثاني: المتعبد به، فتكون اسما جامعا لكل ما يتعبد به لله تعالى، كالطهارة والصلاة والصدقة والصوم والحج، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، وغير ذلك من أنواع العبادة. ذكر هنا رحمه الله تعالى تعريف العبادة. العبادة تعرف بتعريفين وتطلق على معنيين. المعنى الأول: على الفعل الصادر من العبد العابد لله جل وعلا، فعله تعبد لله جل وعلا، يركع ويقرأ ويطوف ويسعى، ويأمر وينهى، يتعبد الله جل وعلا بأفعاله. هذه الأفعال الصادرة من العبد تعبد منه لله جل وعلا. فتعرف العبادة على هذا المعنى -وهو أحد المعنيين- وهو فعل العبد الذي هو التعبد منه، والذي خلاصته المحبة والتعظيم. لأن بالمحبة يكون فعل الأوامر، وبالتعظيم يكون ترك النواهي. فهذا التعبد من العبد محبة منه وتعظيما لله جل وعلا. محبة منه تستدعيه أن يفعل الأمر والطاعة لله جل وعلا على الوجه الشرعي، طالبا مرضاة الرب جل وعلا. والتعظيم منه يستدعيه أن يترك المعاصي، ويهرب من الوقوع في أسباب غضب الله جل وعلا وعذابه. قال رحمه الله تعالى: فأساس العبادة الحب والتعظيم؛ فبالحب يكون طلب الوصول إلى مرضاة المعبود، بفعل ما أمر به، وبالتعظيم يكون الهرب من أسباب غضبه، بترك ما نهى عنه. ولذلك عرف ابن القيم رحمه الله تعالى العبادة على هذا المعنى -وهو فعل العبد- فقال رحمه الله تعالى: العبادة غاية الحب مع غاية الذل. هذان هما قطبا العبادة وركناها: حب مع ذل وتعظيم. التعريف الثاني: العبادة على المعنى الثاني، تعريف المفعول، وهي العبادات الصادرة من العبد، من صلاة وصيام وصدقة وحج، وبر والدين، وجهاد، إلى آخر ذلك من العبادات. هذه العبادات المفعولات الصادرة من العبد. فعندنا فعل العبد وهو التعبد، وعندنا مفعولات متعبد بها، كالصلاة والصيام وغير ذلك من العبادات. يدخل فيها الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. ولذلك عرف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله -وهو من أعظم تعريفات العبادة- كما عرف ذلك في رسالته "العبودية"، قال رحمه الله: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. فيدخل في العبادة الأقوال التي يحبها الله جل وعلا وأمر بها، والأفعال الظاهرة، وأعمال القلوب. قال رحمه الله تعالى: وللعبادة شرطان: أحدهما الإخلاص لله عز وجل، بأن لا يريد بها سوى وجه الله جل وعلا والوصول إلى دار كرامته. الثاني: المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بأن لا يتعبد لله تعالى بغير ما شرعه. فالمشرك في العبادة لا تقبل عبادته ولا تصح لفقد الشرط الأول، وهو الإخلاص. والمبتدع فيها لا تقبل عبادته ولا تصح لفقد الشرط الثاني، وهو المتابعة. قال: وقد دل على هذين الشرطين كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فمن أدلة الشرط الإخلاص من كتاب الله تعالى قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، وقوله: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، إلى غير ذلك من الآيات. ومن أدلة السنة حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه». ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه». فالذي يرائي أشرك مع الله جل وعلا غير الله. فليحرس العبد على الإخلاص في العبادة، وعدم الرياء؛ لأن من عمل عملا رياء وسمعة، فهذا العمل مردود. قالوا: من أدلته من السنة حديث: «إنما الأعمال بالنيات». فالعمل لا يكون مقبولا إذا صلحت النية، وأخلص العبد النية في عمله، وجعلها خالصة لوجه الله سبحانه وتعالى. لا يريد بها ثوابا دنيويا ابتداء، وكذلك لا يريد بها سمعة ولا فخرا ولا غير ذلك من حطام الدنيا. فإذا لم يخلص في العبادة والعمل، فعمله مردود عليه، كمن يهاجر مثلا لأجل الزواج، فيخرج للجهاد لا لأجل الجهاد وإنما لأجل التزوج. فهذا عمل مردود؛ لأنه لم يخلص فيه. وسيدكر المؤلف رحمه الله تعالى بعد هذا أدلة السنة في شرط المتابعة لرسول الله عليه الصلاة والسلام في العبادة حتى تكون مقبولة عند الله جل وعلا. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.