الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 98، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يشرح المؤلف معنى كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" بأنها تعني "لا معبود حق إلا الله". هذا المعنى يتطلب إفراد الله بالعبادة.
يناقش المقطع مفاهيم خاطئة حول التوحيد عند بعض المتكلمين والصوفية، ويبين أن إقرار المشركين بتوحيد الربوبية لم يمنع من قتالهم. كما ينتقد الصوفية الذين يزعمون الوصول إلى حقيقة التوحيد بسقوط التكاليف عنهم.
ينتقد الشيخ الفناء الصوفي الذي يزعم فيه الصوفية الوصول إلى حالة لا يميزون فيها بين الحق والباطل. يصف طقوسهم التي تبدأ بالأكل والشرب ثم الرقص والغناء.
يُشير النص إلى أن الفصل القادم سيتضمن تفصيلاً للكلام حول موضوع معين. يُنهي النص بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ما بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ومعلوم أن تفسيرها بهذا المعنى باطل، مخالف لما عرفه المسلمون منها. فإن تفسيرها الصحيح: «لا معبود حق إلا الله»، هذا هو الذي يعرفه المسلمون من معناها، بل والمشركون. ألا ترى إلى قوله تعالى فيها: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾، وكانوا لا يستكبرون عن إقرار بقلوبهم وألسنتهم بأن الله هو الخالق وحده، لا يدعون أن آلهتهم تخلق شيئًا. فتبين بذلك أن المشركين أعلم وأفقه بمعنى «لا إله إلا الله» من هؤلاء المتكلمين. وأن غاية ما يقرره هؤلاء المتكلمون من التوحيد: توحيد الربوبية، الذي لا يخلص الإنسان من الشرك، ولا يعصم ماله ودمه، ولا يعصم به دمه وماله، ولا يسلم به من الخلود في النار. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الموضع أن تفسير كلمة التوحيد -الذي دلت عليه أدلة الكتاب والسنة، والذي علمه وفهمه السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم ورحمهم الله- أنه «لا معبود حق إلا الله»، أي: معنى كلمة التوحيد «لا إله إلا الله»: «لا معبود حق إلا الله»، أو يقال: «لا معبود بحق إلا الله». هذا الذي عرفه المسلمون، بل والمشركون. المشركون حين دعوا إلى هذه الكلمة علموا معناها، علموا أنه أريد منهم أن يفردوا الله جل وعلا بالعبادة، وأن يجعلوا العبادات لواحد فقط، لمعبود واحد وهو الله جل وعلا، قرآن يتركوا عبادة غيره، وهم عبدوا مع الله جل وعلا هبل واللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى. فلذلك ماذا قالوا؟ لما دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ودعاهم إلى هذا، قالوا: «أئنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون». ماذا قال لهم؟ «قولوا لا إله إلا الله». كما قال سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾، هذا وأقروا بهذا واعتقدوا هذا، يستكبرون يستكبرون عن قول هذا، عن قول «لا إله إلا الله». لماذا؟ لأنهم يعلمون أنهم إذا قالوا «لا إله إلا الله» معنى ذلك: تركوا الآلهة، وتركوا عبادة غير الله، وعبدوا الله جل وعلا وحده. فلذلك كان الجواب: «أئنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون». تريد منا أن نقول «لا إله إلا الله» يعني: نترك آلهتنا، هذا ما تريد. نعم، هذا هو. علم المشركون ماذا أراد منهم النبي عليه الصلاة والسلام بقول «لا إله إلا الله»: أن يتركوا عبادة هبل واللات والعزى ومنات، فلا يعبدوها. فأبوا، بل قالوا: «أجعل الآلهة إلها واحدة إن هذا لشيء عجاب». ما فيه إلا إله واحد يعبد فقط، هذا شيء عجاب. قالوا: لماذا؟ لأنهم يريدون أن يعبدوا مع الله جل وعلا هذه الآلهة أيضًا، ومستعدون بأن يقولوا: الله له نعم، ومعبود ما عندهم مانع، لكن معبود وحده لا، لا، معبود له، لا، هناك معه معبودات، هناك معه معبودات. أما أن يعبد الله وحده فلا، «أجعل الآلهة إلها واحدة إن هذا لشيء عجاب». والعجب في قولهم: كيف يعتقدون أن الله الخالق الرازق المدبر المحيي المميت، ثم يعجبون من أن يفرض بالعبادة؟ سبحان الله. ولكنه الهوى والشيطان والنفس الأمارة بالسوء والحمية. ولذلك قال هنا المؤلف رحمه الله تعالى: فهم لا يستكبرون عن الإقرار بقلوبهم وبألسنتهم بأن يقروا بالخلق لله وحده، والرزق لله وحده، لا مانع عندهم في ذلك. وإنما يمتنعون عن إفراد الرب جل وعلا بالعبادة. «أجئتنا لنعبد الله وحده». هذا قول المشركين حين دعوا لقول «لا إله إلا الله»: «أجئتنا لنعبد الله وحده فقط»، لا، هذا معنى «لا إله إلا الله»: أن يعبد الله وحده. علم المشركون ذلك، فقالوا: «أجئتنا لنعبد الله وحده». عرفنا ماذا تريد: أن نعبد الله وحده، هذا معنى «لا إله إلا الله»، هذا المعنى. نعم، أن تعبد الله وحده. وذلك أن المشركون استكبروا عن هذا. انظروا إلى أبي طالب عم النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاءت قصته في الصحيح، في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم له، وفي آخر لحظات حياته، عند أبي جهل وعبد الله بن أبي أمية، دخل النبي عليه الصلاة والسلام عليه يرجو هدايته: «يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة نحاج لك بها عند الله». طيب، ما المانع من أن يقول أبو طالب «لا إله إلا الله»؟ سهل على اللسان «لا إله إلا الله»، ويحب النبي صلى الله عليه وسلم محبة طبيعية. لكن امتنع. وننظر إلى القوم: أبو جهل في هذه الجهة، وعبد الله بن أبي أمية لعله في هذه الجهة، والآخر في هذه الجهة. ما يقول «لا إله إلا الله»، يعلم الجميع: أبو طالب وأبو جهل ومن كان حاضرًا، ما معنى هذه الكلمة. فلذلك قالوا له: «أترغب عن ملة عبد المطلب؟» إذا أنت ترغب عن ملة عبد المطلب، قل «لا إله إلا الله». يعني: فإن «لا إله إلا الله» رغبة عن ملة عبد المطلب. ومعنى ذلك: جحود لما كان عليه عبد المطلب، وجهود للملة التي كان عليها عبد المطلب. والملة التي كان عليها عبد المطلب: هو عبادة هبل واللات والعزى، عبادة الآلهة. لكن إذا قلت «لا إله إلا الله» خرجت عن ملة عبد المطلب، وهدمت ملة عبد المطلب، وتركت عبادة هذه الآلهة. والمرة الثانية يقول: «لا إله إلا الله»، ما قال له: قل يا عم «لا قادر على الاختراع إلا الله»، ما عند أبي طالب مانع لو قالها له عشر مرات، يذكرها له: «لا قادر على الاختراع إلا الله». بل حتى أبو جهل يقول: «أنا أقول ذلك»، ما هو عمك، أقول: «لا قادر على الاختراع إلا الله». بل أعظم من هذا: إذا قلت: «لا خالق إلا الله، لا رازق إلا الله، لا محيي إلا الله»، أقول هذا، ما عندهم مانع. فهؤلاء المتكلمون يأتون يقولون: «معنا لا إله إلا الله»، «لا قادر على الاختراع إلا الله». طيب، أبو طالب يمتنع عن قول هذا القول إذا قيل له: «يا عم، قل لا قادر على الاختراع إلا الله»، أو قل: «لا مستغني عن كل ما سواه إلا الله، ومفتقر إليه كل ما عداه». ما عندهم مانع، حقيقة الرب قد أقر بها، شهدوا بالخلق والرزق والتدبير والإحياء والإماتة والملك لله جل وعلا. لكن هنا المحك: إفراد الرب جل وعلا بالعبادة، «قل لا إله إلا الله». وهم يعلمون المعنى، ليس معناها: «لا قادر على الاختراع إلا الله»، لا، يعني: «لا معبود بحق يعبد إلا الله»، يعني: عبادة الله باطلة، وعبادة العزى باطلة، وعبادة هبل باطلة، وعبادة كل آلهة باطلة. ذلك بأن الله هو الحق، وأن ما يدعون من دونه هو الباطل. ولذلك امتنع أبو طالب، ولذلك قال المؤلف رحمه الله تعالى: وصدق. قال: «فتبين بذلك أن المشركين أعلم وأفقه». وصدق رحمه الله، والله صدق. المشركون أعلم وأفقه بمعنى «لا إله إلا الله» من هؤلاء المتكلمين، الذين منهم من قضى في علم الكلام ربما مئة سنة، وهو في علم الكلام يدرس علم الكلام، أو أقل أو أكثر، ولم يستفد من هذه السنين الطويلة، ومن هذا العمر الطويل، ولم يفهم معنى «لا إله إلا الله». سبحان الله، والمشركون أعلم منه. ولذلك صدق شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله أيضًا، قال: «عجب من قوم، أبو جهل أعلم منهم بكلمة التوحيد». نعم، أعلم منهم بكلمة التوحيد. أعلم من هؤلاء. إذا كان هؤلاء علموا أن معنى كلمة «لا إله إلا الله»: «لا قادر على الاختراع إلا الله»، أو «لا مستغني عن كل ما سواه إلا الله، مفتقر إليه كل ما عداه»، فهذا جهل بكلمة التوحيد، ومعنى التوحيد. فالمشركون لم يعلموا هذا، وإنما علموا أن «معناها: لا معبود بحق إلا الله». ولذلك سمعتم ما رد به على النبي عليه الصلاة والسلام: «أجعل آلهة إلها واحدا؟ أئنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون». وهكذا. قال رحمه الله تعالى: «فتبين بذلك...» طيب، أن المشركين أعلم وأفقه بمعنى «لا إله إلا الله» من هؤلاء المتكلمين. وأن غاية ما يقرره هؤلاء المتكلمون من التوحيد: توحيد الربوبية. وهذا كما سمعتم: لا يخلص الإنسان من الشرك، ولا يعصم به دمه ولا ماله. بل قاتلنا المشركين مع إقرارهم بتوحيد الربوبية، ولم يمنع هؤلاء من ذلك الخلود في النار حين ماتوا من غير توبة من هذا الشرك، والعياذ بالله، والشرك في العبادة والألوهية. وذكر رحمه الله تعالى صنفًا كذلك، وطائفة، بل طوائف من أهل التصوف، المنتسبين إلى المعرفة والتحقيق. يعني: ينسبون أنفسهم إلى أنهم أهل معرفة، وأهل تحقيق، وأنهم وصلوا إلى حقيقة. أما عامة الناس، فهم يتعبدون الله جل وعلا. نعم، بعبادة العوام، ما وصلوا إلى الحقيقة المرجوة أصلا من هذه العبادة. كانوا يقولون: «هذه العبادة ليست هي المراد بذاتها، وإنما المراد تحصيل ما وراء هذه العبادة»، وهي الحقيقة التي لا يصل إليها إلا العارفون وأهل المعرفة والتحقيق. ومن هؤلاء أهل المعرفة والتحقيق: هم نسبوا أنفسهم أنهم هم أهل المعرفة والتحقيق. ولذلك وصلوا إلى مرحلة قالوا فيها: «سقطت عنا التكاليف». لماذا؟ «سقطت عنا التكاليف؟ لأننا وصلنا إلى الحقيقة». ومن وصل إلى الحقيقة سقطت عنه التكاليف. «وصلنا إلى اليقين». كما يقولون: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. الحقيقة التي يصل إليها هؤلاء بزعمهم، فتسقط عنهم التكاليف، تسقط عنهم العبادات. هؤلاء الطوائف من أهل التصوف كذلك لم يقرروا إلا ما قرره المشركون. عندهم التوحيد: أن يفنى العبد مع ربه جل وعلا، وأن يفنى في شهود ربه جل وعلا. يصل إلى حال لا يشاهد فيه الواقع والملكوت. غاب عنه شهود الملكوت، وصار لا يشهد إلا الله جل وعلا بزعمهم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «فكان غاية ما عنده من التوحيد: أن يشهد المرء أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه». كما تقدم: أن المشركين أقروا بالملك والخلق والتدبير والإحياء والإماتة. وهؤلاء عندهم تحقيق التوحيد: شهود هذه الأمور. وأن يشهد المرء لله بهذه الأمور: أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه. طيب، المشركون أقروا بهذا، إذن هم: هل حققوا التوحيد؟ هل حققوا التوحيد التي أرسلت به الرسل، وأنزلت به الكتب؟ خلقت لأجل الخليقة لا، إنما أقروا بشيء قد أقر به المشركون. ومع هذا ما صاروا موحدين، بل صاروا مشركين. وقاتلهم المسلمون، واستحل دماءهم وأموالهم وسبي ذراريهم. وما هو التوحيد هذا الذي يزعمونه؟ قال رحمه الله تعالى: «لا سيما إذا غاب العارف بموجوده عن وجوده». العارف: يعني العبد، بموجوده: يعني الخالق جل وعلا، عن وجوده: يعني عن وجود الخلق. «وهو الملكوت وبمشهوده»، يعني: الرب جل وعلا، «عن شهوده»، يعني: عن شهود ملكوته وخلقه. «وبمعروفه»، يعني: من خالق جل وعلا، «عن معرفته»، يعني: الملكوت. قال: «ودخل في فناء توحيد الربوبية». طيب، دخل الآن في فناء توحيد الربوبية، ماذا يحصل له؟ قال: «بحيث يفنى من لم يكن». بمعنى أنه يفنى عنده كل مخلوق، لأن المخلوق يفنى، لا يبقى. «كل من عليها فان». بمعنى أنه صار لا يشاهد أي مخلوق. غاب حسه وذهنه وشعوره عن وجود أي مخلوق. ما صار يشعر بشيء، لا يرى سماء، ولا يرى أرضًا، ولا يشعر بوجود سماء، ولا يشعر بوجود أرض، ولا شيء، ولا يشعر بوجود شيء من المخلوقات. فنى عنده كل شيء. هذا الشهود: شهود الملكوت، فنى عنه، وانقطع عنه، وغاب عن حسه وشعوره. طيب، وهذه الحالة في أي شيء هو؟ هو في شهود ربه جل وعلا بزعمهم. غاب عن شهود الله جل وعلا، بشهود الله جل وعلا عن شهود ملكوته. وبمذكوره، وهو الله جل وعلا، عن ذكره. وبمعبوده عن عبادته. حتى صار لا يدري: هل هو في عبادة، ولا في غير عبادة؟ هذا لا يشعر به. هل هو في طاعة، ولا في معصية؟ ما يشعر به. ربما يتكلم، لا يدري ماذا يقول، لا يشعر بشيء. ها، ما يقولون؟ «وفناء في توحيد الربوبية»، ما يشعر إلا بشهود الله سبحانه وتعالى. زال عنه كل ما لا يزول، يعني: كل مخلوق. «ويبقى من لم يزل»، أي: وهو الله جل وعلا. فصار لا يشعر إلا بشهود الله جل وعلا. وهذا يسمونه: «بالفناء»، ويسمى: «بالوصول»، ويسمونه: «بالوجدان»، ويسمونه: «بالسكر في الله جل وعلا». وكلها ألفاظ بدعية محدثة. كلها ألفاظ بدعية محدثة. وهذا الفعل بدعي محدث، وهو الفناء الصوفي. فهذا لم يكن عليه الأنبياء، ولا الرسل، ولا الصحابة، ولا أتباع الأنبياء، ولا السائرون على هدي السلف الصالح أبدًا. وإنما حدث كما سيأتي. قال رحمه الله تعالى: «وهي غاية لا يكون بها الرجل مسلمًا، فضلًا عن أن يكون من أولياء الله تعالى، وسادة خلقه». يعني: من أقر بهذا بالملك لله جل وعلا، والخلق والتدبير والإحياء والإماتة. فكيف يكون من أولياء الله تعالى، وسادة خلقه؟ فالفناء الصوفي كما سمعتم: يصلون إليه بعد ماذا؟ بعد جهد جهيد. بعد جهد جهيد يصلون إلى هذا الفناء بزعمهم. وذلك أنه غلب عليهم غلب عليهم شهود الرب جل وعلا على شهود المخلوق. على شهود المخلوق. فغاب عنهم شهود المخلوق، وهم في شهود الخالق فقط. متى يصلون إلى هذا؟ بعد الأكل والشرب، يأكلون، يملؤون بطونهم، ثم يشربون ألذ أنواع الشراب، ثم يقومون يرقصون، يرقصون بأناشيد وأبيات فيها العشق والحب والغرام. يتغنون: «بليلى وهند ولبنى»، نعم، وعشيقات أهل الجاهلية. لكن هم ما يريدون بليلى: يريدون بليلى الله، ويريدون بهند: الله، وهكذا. يترنمون في حب الله جل وعلا بهؤلاء العشيقات، بإسماء هؤلاء العشيقات. فيطربون ويترنمون، وربما يذكرون الله مع هذا الذكر المعروف الذي هو عنده معظم، وعلى الذكر: «هو هو هو الله، الله الله، هو هو هو هو هو هو». والجميع يصيح ويترنم ويدور. ومنهم من يقفز، ومنهم... نعم، فيحصل بهم دوران عظيم. حتى إذا ضاع الحس عندهم من كثرة الحركة، ومن كثرة هذه الأذكار: خلاص، غاب الحس. إذن غاب الحس. وهذا الفناء إذا غاب الحس، إذن هذا هو الفناء. صار ما يشعر كالسكران، كالسكران، وكالذي زال عنه الحس، وصار في غيبوبة. لا يدري من حوله، ومن أمامه. وهل هو في ذكر؟ بل بعضهم يخرج منه الغائط، ومنهم من يخرج منه البول، ومنهم من يخرج منه ما في بطنه عن طريق فمه. وهذا في حال يرثى لها. وهذا هو الفناء. فيكونون كالسكارى، ولذلك من قوم رحمه الله تعالى يقول لهؤلاء: «ألا قل لعبد النصوح ألا قل لهم ألا قل لهم قول عبد النصوح». «وحق النصيحة أن تستمع». متى علم الناس في شرعنا بأن الغناء سنة تتبع؟ وأن يأكل المرء أكل الحمار، ويرقص في الجمع حتى يقع؟ قالوا: «سكرنا بحب الإله، وما أسكر القوم إلا القصع». القصع: هذه الأواني التي قد ملأوا بها بطونهم من الطعام والشراب. هذا الذي أسكرهم: ملأوا بطونهم، وقاموا يترنمون ويتناشدون بهذه القصائد، وبهذه الأبيات التي يزعمون أنها فيها محبة لله جل وعلا. ويقولون: «وقد رأيناهم والله رأيناهم بأعيننا كالمجانين». والله، والله كالمجانين. والله، لما تنظر في وجوههم، ما هم على شعور، ما فيهم شعور. يعني: والله، إن السكارى ربما لا يزال عنده حس قليل. أما هؤلاء: خلاص، والله، ما لهم... لما تنظر فيهم، ما ليست وجوههم... الوجوه الأخرى. سبحان الله. بل بعض من نعرف ممن توفي رحمه الله تعالى، ومن أجدادنا، نسأل الله لهم... قد لبس عليهم هؤلاء. كانوا يصرعون، والله، يأتون بهم بعد ذلك إلى البيوت، ويعادون، وهم مرضى من هذا التعب الذي يقفزون... فيما يسمى بالطريقة، أو كذا. يقومون ويرقصون ويلعبون ويقفزون، ثم بعد ذلك يصعقون. فإذا صعقوا، سبحان الله، وصل بعضهم بعد ذلك يقول لك كلام ما يدري: هذا يقول: «سبحاني، سبحاني، ما أعظم شأني». وهذا يقول: «ما في الجبة إلا الله». وهذا يقول: «أنصب خيمتي على جهنم». فإذا فاقوا، ما يدرون... يعني: كانهم معذرون. لماذا؟ لأنهم كانوا في حالة فناء، وسقطت عنهم التكاليف. سواء قالوا كفرًا، أو قالوا طاعة، لأنهم في حال صاروا لا يميزون به بين الكفر والطاعة. وكذلك الذي يرضي الله، والذي لا يرضيه. هذا هو الفناء عند هؤلاء القوم. والمؤلف رحمه الله تعالى ذكر فصلًا بعد هذا في الفناء، وقسمه إلى ثلاث أقسام. لأن من الفناء: ما هو شرعي، يعني: من حيث دلالة الشرع عليه. لكنه لا يسمى بهذا الاسم. وإنما هو الإخلاص، والإقبال على طاعة الله، وترك معصيته سبحانه وتعالى. ومن هو الفناء الصوفي البدعي. ومن هو الفناء الحلولي، عازف أفناء أعظم من هذا. هذا الفناء: فيه فناء أعظم منه عند ابن عربي، وعند الحلاج، وعند تلمساني، وغيرهم، وغيرهم. فهو فناء الحلولي كفري. فالشاهد من هذا: المؤلف رحمه الله تعالى أراد بأن هؤلاء الذين ظنوا أن التوحيد هو أن يصل الإنسان إلى الحقيقة، وإلى هذا الفناء المزعوم الذي يصل فيه العبد إلى حال لا يميز فيه بين الحق والباطل، ولا الطاعة والمعصية. لماذا؟ لأن شهود الرب جل وعلا غلب على شهود الملكوت عليه. مثل ما لو قلنا: مثال الآن، النجوم في رابعة النهار. النجوم في النهار هل ترى؟ هل نحن نرى النجوم في النهار؟ أم لا نراها؟ لا نرى. هل موجودة؟ أم لا؟ نحن نعتقد بوجود النجوم في النهار. نعتقد بوجود النجوم في النهار. لكن لماذا لا نرى النجوم؟ لقوة شعاع النور، لقوة شعاع النور. صرنا ما نرى هذه النجوم. هم عندهم هذا الفناء: أن شهود الرب جل وعلا غلب على قلوبهم، فصاروا ما لا يشهدون ماذا؟ الملكوت. لماذا لا يشهدون الملكوت؟ لأن بزعمهم: شعاع نور الله جل وعلا غطى على قلوبهم شعاع الملكوت. فالملكوت موجود، هم يعتقدون... ما يقولون الفناء وانتهى. لا، هم موجود، لكن هم صاروا ما لا يرونه، ولا يشاهدونه، لقوة هذا الشعاع بزعمهم الذي غلب على قلوبهم. وهو أنهم وصلوا إلى الفناء، إلى الفناء الذي يزعمون أنه غلب على شهود أي شيء؟ بل هذا عندهم واجب: أن يغلب هذا الشهود، وهو شهود الرب جل وعلا على أي شهود آخر. إذا وصل الإنسان إلى هذه الحقيقة، وهذا الحال، ألا هو الفناء، أو الاصطلام، أو ما يسمونه الوجدان، أو حال السكر. وكما سمعتم: بدايته أكل وملء للبطون، وشراب، ثم رقص ولعب وقفز، ثم تحريك الرؤوس، ودوران كذلك العقل. ثم إذا غاب الحس، صار هذا يبول في نفسه، وهذا يتغوط، وهذا يفعل... كلب، وكلب الحركات. ربما معهم النساء، ويفعلون أشياء... نسأل الله العافية والسلامة. بزعم أنهم وصلوا في حال لا يواخذون عليه، وأن التكاليف قد سقطت عليهم، لغلبة شهود الرب جل وعلا عندهم على أي مشهود آخر بزعمهم. وسيأتي أيضًا تفصيل كلام في الفصل الآتي إن شاء الله، الذي فيه أيضًا ذكر هذا الفناء الصوفي الذي ذكر في هذه الرسالة. وصل الله وسلم وبارك على عبد الله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.