الدرس في كتاب البيوع 1، الدرس الأول:من( من الحديث التسعون بعد المائتين إلى ... 6-قال ابن دقيق العيد والترخيص في الليلتين والثلاث دفع للحرج والعسر ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الوصية مشروعة بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين، وتعتبر من محاسن الإسلام. تنقسم الوصية إلى أداء الحقوق والتطوع بالصدقات.
حديث نبوي يبين أهمية كتابة الوصية قبل الموت، ومعناه صحيح رغم ضعف إسناده. يُفصّل الشرح أهمية المبادرة لكتابة الوصية.
يستحب إخراج الوصية لمن يملك مالا كثيرا مع الحذر من الإضرار بالورثة. المبادرة إلى كتابة الوصية امتثال لأمر الشارع واستعداد للموت.
الدرس ينتهي بالتأكيد على أن الله تعالى هو الأعلم، ويختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: باب الوصايا، الحديث التسعون بعد المائتين، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به يبيت ليلتين إلا وصيته مكتوبة عنده». زاد مسلم: قال ابن عمر: «فوالله ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك إلا وعندي وصيتي». قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله «الوصايا» جمع وصية، مثل هدايا جمع هدية. قال الأزهري: مأخوذة من وصيت الشيء، إذا وصلته، سميت وصية لأن الموصي وصل ما كان له في حياته بما كان بعد مماته، يعني من أمانة أو حق، أو كذلك صدقة. قال: ويقال وصى بالتجديد وأوصى يوصي أيضا، وهي لغة الأمر، قال الله تعالى: ﴿وصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب﴾. وشرعا: عهد خاص بالتصرف بالمال أو التبرع به بعد الموت. وبعضهم يختصر فيقول: هو عهد بالتصرف بالمال أو غيره بعد الموت. قال: وهي مشروعة بالكتاب، لقوله تعالى: ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية﴾، ومشروعة بالسنة لهذه الأحاديث الآتية، وإجماع المسلمين في جميع العصار والأمصار. العصار يعني الأزمان، والأمصار يعني البلدان. قال: وهي من محاسن الإسلام، حيث جعل لصاحب المال جزءا من ماله يعود عليه ثوابه وأجره بعد موته. وفي هذا دليل أن الوصية تنقسم إلى قسمين: قسم منها في أداء الحقوق، وقسم منها في التطوع بالصدقات. قال: وهي من لطف الله بعباده ورحمته بهم، حينما أباح لهم من أموالهم عند خروجهم من الدنيا أن يتزودوا لآخرتهم بنصيب منها. ووجهوا أنه فضل ورحمة من الله؛ لأن الأصل إذا مات الميت فماله لورثته، لا يملك الإنسان إلا ما كان في سعيه في الدنيا، كما قال سبحانه: ﴿أن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى﴾. ولكن من كرم ربنا ولطفه بخلقه ورحمته بعباده تفضل عليهم بإمضاء ما عملوا بعد مماتهم من أعمال، ومنها الوصية. ويدخل في معنى الوصية كذلك ما دل الدليل عليه، كقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». وهذا من تفضل الله سبحانه وتعالى على عباده. قال: ولهذا جاء في بعض الأحاديث القدسية قول الله تعالى: «يا ابن آدم جعلت لك نصيبا من مالك حين أخذت بكظمك ليطهرك به وأزكيك». وتمام الحديث: «يا ابن آدم اثنتان لم يكن لك واحد منهما جعلت لك نصيبا من مالك حين أخذت بكظمك ليطهرك به وأزكيك». ومعنى الكظم: كما قال مخرج النفس من الحلق. ومعنى عند خروج نفسه وانقطاع أجله، فإن الله عز وجل جعل له هذا النصيب. لكن الحديث وإن كان معناه بالجملة صحيح، هو ضعيف من جهة الإسناد، رواه عبد بن حميد وابن ماجة عن ابن عمر بإسناد ضعيف. وقد ذكره العلامة الألباني في ضعيف ابن ماجة، وفي الضعيفة الجزء التاسع. وقوله عن ابن عمر هذا الحديث: كذا في الصحيحين، كما أشار إلى قاعدته. وهذا اللفظ أقرب الألفاظ إليه، هو لفظ الإمام البخاري. أخرجه البخاري بكتاب الوصايا، قال رحمه الله: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر، فذكر الحديث بلفظه. قال الشارح رحمه الله تعالى: المعنى الإجمالي: يحض النبي صلى الله عليه وسلم أمته على المبادرة إلى فعل الخير واغتنام الفرصة قبل فواتها، فأفادهم أنه ليس من الحق والصواب والحزم لمن عنده شيء يريد أن يوصي به ويبينه أن يهمله حتى تمضي عليه المدة الطويلة، بل يبادر إلى كتابته وبيانه. وغاية ما يسامح فيه الليلة والليلتان، فإن المبادر إلى ذلك من المسابق إلى الخيرات والأخذ بالحزم، فإن الإنسان لا يدري ما مقامه في هذه الدنيا. كما أن فيه امتثال أمر الرسول صلى الله عليه وسلم. ولذا فإن ابن عمر رضي الله عنهما بعد أن سمع هذه النصيحة النبوية كان يتعاهد وصيته كل ليلة امتثالا لأمر الشارع. ومعنى وصيته يعني التي كان قد كتبها، فكتب وصية وهو يتعاهدها، ولكن لا يعني هذا التعاهد أن يكتب فيها سفاسف الأمور، ولا كذلك الأمور التي يحصل فيها التسامح، فإن هذا يحتاج إلى ورقة ما تكفيها الكراريس الكثيرة لو كان كل شيء سيكتبه. ولكن المراد كتابة ما يخشى ضياع الحق فيه، ما يخشى ضياع الحق فيه من الأمور المهمة. وأما ما جرى العرف بالتسامح بمثله، أو علما أن الحق في مثله لا يضيع، فلا حاجة لكتابته. قال رحمه الله: كان يتعاهد وصيته كل ليلة امتثالا لأمر الشارع، وبيانا للحق، وتأهبا للنقلة إلى دار القرار. ويدل هذا على فضل ابن عمر رضي الله عنه أرضاه. قال: ما يستفاد من الحديث: أولا: مشروعية الوصية، وعليها إجماع العلماء، وعمدة الإجماع الكتاب والسنة. ثانيا: أنها قسمان: مستحب وواجب. فالمستحب ما كان للتطوعات والقربات، والواجب في الحقوق الواجبة التي ليس بين تثبتها بعد وفاته. لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وذكر ابن دقيق العيد أن هذا الحديث محمول على النوع الواجب. وهذا خلاصة خلاف أهل العلم في المسألة. فالصواب التفصيل، فمن الحقوق ما هو واجب، ومن الحقوق ما هو مستحب. وهل الوصية مستحبة مطلقا؟ الصحيح كذلك في هذا تفصيل، فمن ترك خيرا كما جاء في الآية، وصحت به الآثار، هو الذي يستحب في حقه الوصية. وأما من لم يترك خيرا فلا يستحب في حقه الوصية. فقد صح عن علي رضي الله عنه، وجاء معنا عن ابن عباس وعائشة فيمن ترك مالا قليلا أنه لا يوصي؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿إن ترك خيرا الوصية﴾. فمن لم يترك خيرا يعني مالا كثيرا، لا يضر إخراج الوصية بالورثة، فإنه يستحب في حقه الإخراج. ومن ليس كذلك فلا يستحب في حقه الإخراج، بل قد يأثم إذا كان المقصود من هذا الإخراج الإضرار. ولهذا قسم العلماء الوصية إلى خمسة أحكام: واجبة، ومستحبة، ومباحة، ومكروهة، ومحرمة. فأما المحرمة: ما أوقع فيه محظور أو إضرار. ومن الإضرار أن يدخل الأجنبي والغريب بالوصية مع الورثة في البيت الواحد، فإن هذا إضرار لا شك. وقد تكون مكروهة، وقد تكون مستحبة إلى آخره بحسب هذه المسائل. وكما قال: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فهذا من الواجب. وهكذا يقال نحوه في غيره. قال: ثالثا: مشروعية المبادرة إليها بيانا لها، وامتثالا لأمر الشارع فيها، واستعدادا للموت، تبصرا بها ويمصر فيها قبل أن يشغله عنها شاغل. وهذا دل عليه الدليل الخاص، وتدل عليه عمومات الأدلة. فالمسلم ينبغي أن يكون متأهبا للدار الآخرة. ومن تأهبه للدار الآخرة أن يكون حريصا على التخلص من الحقوق إن كان عليه شيء من الحقوق. فلو لم يدل الدليل الخاص لكفته الأدلة العامة في ذلك. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». وقال: «ما لي وللدنيا؟ إنما أنا كرجل استظل تحت الشجرة ثم تركها». وغير ذلك مما يدل أن المسلم ينبغي أن يكون على أهبة مستمرة، ومن ذلك أن يتخلص من الحقوق. قال: رابعا: أن الكتابة المعروفة تكفي لإثبات الوصية والعمل بها؛ لأنه لم يذكر شهودا لها. والخط إذا عرف بيّنة ووثيقة قوية. والصحيح في هذا التفصيل: قد اختلف أهل العلم هل الكتابة المعروفة تكفي لإثبات الوصية؟ قال العلماء: بعضهم أثبت ذلك كما قال المؤلف، وبعضهم نفاه. والصحيح التفصيل: فما كان مما ظنّ عدم الاعتراض، وكذلك عدم الريبة، فتكفي بدون شهود؛ فالخط إذا عرف بيّنة ووثيقة قوية. وأما إذا كان مما ظنّ الاعتراض من الآخرين، أو هناك ما قد يكون سببا للريبة، فيحتاج مع ذلك إلى الكتابة وبهذا تجتمع الأدلة من الكتاب والسنة في إثبات الشهود، وفي كذلك عدم ذكر الشهود. فالصحيح في هذا التفصيل. قال: خامسا: فضل ابن عمر رضي الله عنه، ومبادرة إلى فعل الخير، واتباع الشارع الحكيم. ووجهه أن ابن عمر امتثل هذا الحديث منذ سمعه. وما أحوجنا أن نقتدي بأمثاله من الصالحين؛ فإن امتثال المسلم من خير ما ينتفع به، وهو من أعظم أسباب العمل بالعلم. قال: سادسا: قال ابن دقيق العيد: والترخيص في الليلتين والثلاث دفع للحرج والعسر. ولهذا جاء في رواية لمسلم ذكر الثلاث. ولهذا كان الصحيح من أقوال أهل العلم أن تحديد الليلة والليلتين والثلاث ليس هو للإيجاب والحصر، ولكنه لدفع الحرج. فخرج مثل هذا من باب الغالب الذي ينبغي أن يحرص عليه الإنسان في المبادرة، فإنه يكون في مثل هذه الليالي: ليلة أو ليلتين أو ثلاث. فإذا احتاج الأمر إلى أكثر من ذلك لأمر ما، فلا بأس بالزيادة. كما إذا أمكنه أن يكون أقل من ذلك فهو الأفضل والأكمل؛ لأن المقصود هو المبادرة. نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.