شرح كتاب الطهارة  2

شرح كتاب الطهارة 2

الدرس في شرح كتاب الطهارة 2، الدرس الثاني (خلق الماء طهوراً ... وهو رواية عن أحمد واختارها ابن عقيل وطوائف من العلماء ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في أحكام المياه ومعنى الماء الطهور

يشرح الشيخ معنى الماء الطهور وأحكام المياه في كتاب الطهارة، مبينا أن الماء طاهرا في نفسه ومطهرا لغيره مستدلا من القرآن والسنة. يتناول أيضا بعض أحكام المياه المتعلقة بالطهارة.

شروط طهارة الماء وتأثير تغيره ومجاورة النجاسات

يتناول المقطع شروط طهارة الماء وضوابط تغيره، موضحا أن الماء يبقى طاهرا إذا لم يتغير بمخالط نجس، وأن مجاورة النجاسة لا تضر طهارته إذا لم يختلط بها. كما يبين إمكانية إزالة النجاسات بوسائل أخرى غير الماء.

حكم الماء عند مخالطته لمادة أخرى وتغيره

إذا خالط الماء مادة أخرى، فإن حكمه يتوقف على نوع المادة ومدى تأثيرها. إذا كانت المادة نجسة، يصبح الماء نجسا، وإذا كانت طاهرة ولم تتغير صفات الماء، يبقى طاهرا مطهرا.

حكم الماء الذي لم يتغير أو يطرأ عليه شيء

الماء الذي لم يتغير يبقى على طهارته وأصله، ويعتبر طاهرا ومطهرا بناء على قواعد الطهارة في الفقه الإسلامي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فقد أخذنا في الدرس الماضي ما ذكره شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه "كتاب الطهارة" من توطئة ذكرت في مقدمة أحكام وأبواب كتاب الطهارة، وكان فيها ذكر شيء من أقسام ومباحث الطهارة. ثم قال رحمه الله تعالى: "باب أحكام المياه". والباب لغة: ما يدخل منه ويخرج، والمراد ها هنا الدخول والخروج المعنوي، أي هذا مدخل لمعرفة أحكام المياه. وأحكام جمع حكم، والمراد به معرفة ما يتعلق بالمياه التي هي ما يتطهر به، كما سيأتي، وهو أول المطهرات وأصلها. فلهذا جعل الفقهاء وأهل العلم لها بابا خاصا. جعلوا لها بابا خاصا لهذا المعنى، والمياه جمع ماء، وهو معروف، سواء أكان النازل من السماء من الأمطار أو كذلك الثلوج أو البرد، وما يتبع ذلك من سيول ونحوها، أو كان نابعا من الأرض من عيون وأنهار ونحوه، أو كان كذلك مياه البحار ونحوها. فكل ذلك يدخل في مسمى الماء. قال رحمه الله تعالى: "خلق الماء طهورا". قوله رحمه الله: "خلق الماء طهورا"، أي أن الله عز وجل خلق هذا الماء وهو طهور. ولفظ طهور يشمل معنيين اثنين عند المحققين من أهل العلم، وهو الذي دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. فإن لفظ طهور يشمل معنى طهور في نفسه ومطهر لغيره. هذا هو الذي فهم من معنى طهور في لفظه المستعمل في أدلة الكتاب والسنة، خلافا لمن زعم غير ذلك من أهل الرأي. فإنهم زعموا حصر هذا اللفظ بمعنى الطاهر طاهر دون لفظ المطهر، وهذا خطأ. فإن أدلة الكتاب والسنة تدل على المعنيين جميعا. ومن هذه الأدلة قوله سبحانه: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ﴾، فقوله: ﴿لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ﴾ يؤكد أن لفظ طهور يشمل المعنيين جميعا. ولأجل هذا أورد العلماء هذا المبحث في أوائل هذا الباب، وهكذا صنع المؤلف رحمه الله تعالى ها هنا. وهكذا في أدلة السنة كثير، ومن هذا الكثير حديث أبي هريرة في الصحيحين المشهور في دعاء الاستفتاح، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم طهرني من الذنوب والخطايا بالماء والثلج والبرد». فقول: «طهرني بالماء والثلج والبرد» دل على أن الماء وما كيف منه كالثلج والبرد خلقه الله طهورا، بمعنى طاهرا في نفسه مطهرا لغيره. هذا هو الأصل، وهكذا هذا الدعاء دعا به النبي عليه الصلاة والسلام في غير دعاء الاستفتاح، كما جاء في الصحيحين في حديث عائشة، وهو يدل على تأكيد هذا المعنى. فإذا أول مسائل هذا الباب أن نعلم أن الله عز وجل خلق الماء طهورا، أي طاهرا في نفسه ومطهرا لغيره. وهذا هو الأصل في المياه، ومعرفة أصول الأشياء قبل ما عرفت مباحثها ومسائلها أمر مهم، لأنه يحتاج الرجوع إليه. وهذه من طريقة أهل العلم الراسخين في التأصيل. ولا يعرف قدر هذا التنسيق وهذا الترتيب إلا من عرف مباحث أهل العلم في هذا الباب، فإنه يعرف أهمية التنبيه بهذا الأصل واستفتاح هذا الباب به. قال المؤلف رحمه الله تعالى: "ولا تحصل الطهارة بمائع غيره". فإن تغير بممازج -هكذا عندي "ممازج"، والظاهر الصواب "بممازج" بدل الميم الأولى ب "أ"- فإن تغير بممازج أو بما يشق صون الماء عنه من نابت فيه أو ورق شجر أو بمجاورة ميتة لم يكره. قال في المبدع: "بغير خلاف نعلمه". هذه مجموعة من المسائل ثن بها المؤلف رحمه الله، وهي تتعلق بأحكام المياه. يقول: "ولا تحصل الطهارة بمائع غيره"، يعني بالطهارة هنا على ما تقدم أن الطهارة منها ما يكون في رفع خبث كالنجاسة ونحوها، ومنها ما يكون برفع حدث. وظاهر كلامه رحمه الله العموم أن الأصل في طهارة الأمرين يكون بالماء، أي من المائعات. وقوله: "بمائع" أخرج غير المائع، فإن الدليل دل على أن غير المائع يعني غير السائل يجوز بغير الماء على ما ورد به الدليل. فإزالة النجاسات يصح بالتراب مثلا، كما جاء في حديث أبي سعيد عند أبي داود بإسناد صحيح في قصة خلع النبي صلى الله عليه وسلم لنعليه وهو يصلي، حين أخبره جبريل أن بهما أذى. مع قوله: «فيمن أراد أن يصلي بنعليه أن ينظر فيهما، فإن وجد فيهما أذى وإلا فليصلي»، يعني إذا لم يجد فيهما أذى. ومعنى أن الأذى يطهر بالمشي على الأرض. ويؤكده حديث أم سلمة المشهور الذي رواه أبو داود وغيره، في أن ثوب المرأة إذا أصابه الأذى، يطهره ما بعده، يعني من التراب. وهكذا في رفع الحدث، فإنه في غير المائع يجوز بالتراب على ما ورد به الدليل. وهذا الباب تعبدي، فالتيمم ينوب عن الوضوء والغسل، وسيأتي إن شاء الله الكلام عليه بأدلته من الكتاب ومن السنة في باب التيمم. وسنعرف كذلك أحكام أخرى في باب إزالة النجاسات وتفاصيل، ليس هذا موضع ذكرها. لكن يكفي أن نعلمها هنا أن الأصل في الطهارة بالمائعات والماء، ولا يجوز العدول عنه إلى غيره مطلقا، إلا ما يتعلق بإزالة الخبث على القول الصحيح من أقوال المحققين من أهل العلم، كما سيأتي، وهو الذي دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. وعمومات الأدلة تدل عليه، وهو أن إزالة الخبث من باب التروق، وما كان من باب التروق فيجوز بكل ما يزول به عين ذاك الخبث. فإن الأدلة دلت أن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما. فإذا كان إزالته بالتراب يجزئ. والغالب أن الإنسان يمر على تراب وعلى غير تراب. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يطهره ما بعده». فعلم بهذا أن زوال عين النجاسة يكفي في زوال حكمها. فمثلا توجد مغاسل اليوم تغسل الملابس بالبخار، وربما ببعض المطهرات غير الطبيعية، وليس فيها ماء. فهل نقول أن الملابس هذه تطهر أم لا تطهر؟ الصحيح أنها تطهر، وهذا هو القول الصواب والله أعلم. وسيأتي إن شاء الله تفصيل في بعض معنى هذه المسائل فيما سيأتي إن شاء الله. وقوله: "فإن تغير بممازج أو بما يشق صون الماء عنه من نابت فيه أو ورق الشجر إلى آخره"، يعني أنه ما دام أنه يسمى ماء فيجوز أن يتطهر به. ولهذا قال: "لم يكره". أما قوله: "فإن تغير بممازج"، المراد بالممازج أي الذي يختلط على وجه لا ينفك عنه، مثل الملح. الماء إذا خلط بالملح مثلا فإنه لا يزال يسمى ماء. فكل ما يسمى ماء فإنه يجوز التطهر به، ما دام مسمى الماء لا يزال باقيا. وقوله: "أو بما يشق صون الماء عنه من نابت"، يعني أن الماء قد يتغير ببعض ما يختلط به مما يشق صون الماء منه غالبا. فمثلا المياه الراكدة لا تسلم في الغالب من الطحالب والأشجار الصغيرة ونحوها التي تنبث حولها ومعها. أو إذا كان حولها أشجار لا تسلم من سقوط أوراق الأشجار فيها، فيغير من لونها أو طعمها. فتغير اللون والطعم لا يضر، ما دام لا يزال يسمى ماء. وهذا المخالط طاهر، وهذا الذي خالطه طاهر. وهكذا قوله: "أو بمجاورة ميتة لم يكره". هنا ننتبه للفرق بين المخالطة والممازجة مع المجاورة. فالمخالطة والممازجة هي تلاقي الأعيان بعضها ببعض. انظر الملح اختلط بالماء، الطحالب وأوراق الأشجار اختلطت بالماء. بخلاف مجاورة الميتة، فمجاورة الميتة ليس معناها أن الميتة في وسط الماء لا، ولكن معناها أن الميتة بجوار الماء، لم تخالط الماء. وهذا يحصل، كأن تكون مثلا هناك ميتة حمار أو كلب بجانب بركة ماء، ليست في البركة ولكن بجانب البركة. فلشدة سوء رائحة هذه الميتة قد تؤثر على هذا الماء في رائحته أو طعمه. وهذا لا يضر، ما دام أن هذا التغير بغير مخالطة، ولكنه بمجاورة. ما دام بمجاورة فلا يضر. أما إذا كانت الميتة وقعت في هذا الماء فغيرت منه لونا أو طعما أو ريحا، فالماء نجس. وقد قام الإجماع على هذا المعنى. وورد فيه حديث ضعيف، لكن معناه صحيح، وهو: «الماء طهور لا ينجسه شيء». الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو طعمه أو لونه. زيادة ضعيفة تفرد بها رجل بن سعد، وهو ضعيف. تفرد بها رجل بن سعد، وهو ضعيف. فهذه الزيادة ضعيفة من جهة الرواية، لكن معناها صحيح. معناها صحيح، وقد قام الإجماع عليها. وتدل على هذا المعنى أدلة كثيرة من أدلة الكتاب والسنة، وسيأتي إن شاء الله كلام عليه في موضعه. فإذا علمنا الآن الفرق بين الممازج والمخالط وبين المجاور. ولهذا قال: "لم يكره"، لأنه لا يزال ماء وطاهر فلا يضر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: "وإن طبخ في الماء ما ليس بالطهور سلب طهوريته إجماعا". وهذه كذلك مسألة أخرى من مسائل هذا الباب، وهو إذا خالط الماء شيء آخر طبخ فيه. وأوجه ذلك ثلاثة. الوجه الأول: أن يطبخ في الماء ما هو نجس، فالماء نجس بلا خلاف، ونجاسته ظاهرة وواضحة. كأن يطبخ في الماء مثلا عذرة أو ميتة خطأ أو نحو ذلك، فالماء نجس إذا تغير طعمه أو لون أو ريحه، فهو غير طاهر وغير مطهر. وثانيا: أن يطبخ في الماء ما ليس بطهور، ولكنه ليس بنجس. لأن لفظ الطهور كما مر معنا يشمل معنيين اثنين، يشمل معنى الطاهر ويشمل معنى المطهر. فلفظ الطاهر يتناول أشياء كثيرة من المائعات أي السائلة، ومن الجامدات. فاللبن من المائعات طاهر، لكنه غير مطهر. والعصير أي المعتصر من الفواكه طاهر إن كان كذلك، وهو غير مطهر. وهكذا من الجامدات كالثياب من الملابس، وهكذا كذلك النعال والجلود أي بعد دبغها، والجواهر ونحوها، والخشب. فهذه كلها طاهر، لكنها غير مطهرة. ومنه بعض أوراق الأشجار كورق الشاي مثلا، وورق النعناع ونحوه، فهذا طاهر. فإذا خالط هذا الطاهر هذا الماء وطبخ فيه، فالوجه الثاني من الأوجه الثلاثة أن يغير الماء، فيسلب هذا الماء وصف الماء، فيتحول من ماء إلى شاي أو بوضع اللحم وتوابعه من البهارات، يتحول من ماء إلى مرق ونحو ذلك. فهنا نزع اسم الماء، فهو بمخالطة ورق الشاي صار شايا، وبمخالطة اللحم وتوابعه صار مرقا. فهو طاهر غير مطهر، لأنه نزع منه اسم الماء. والوجه الثالث: أن يخالط هذا الطاهر لكن بكمية قليلة لا تؤثر في هذا الماء، ولا تنزع منه اسم الماء. كمخالطة أوراق الأشجار للماء الكثير، تغير بعض لونه ولا تنزع اسم الماء. ومثله سقوط بعض أوراق الشاي مثلا أو بقايا الإناء الذي يسخن به الماء. وهذا يحصل للإنسان أحيانا أن يستعمل إناء واحدا للشاي ولتسخين الماء، فيبقى بقايا الشاي السابق، وهو شيء يسير في الماء الكثير الذي سخن فيه في هذا الإناء والوعاء. فلا يبقى للشاي ذاك الأثر الذي ينزع اسم الماء، فيبقى اسمه ماء، وهو طاهر مطهر. ومثله في إناء لم ينظف تمام التنظيف، وفيه بقايا مرق، فإنه ولو سخن مع الماء، ما دام أنه لم يؤثر على الماء ولم ينزع منه اسم الماء، فلا يزال الماء على وصفه طهورا، أي طاهرا مطهرا. فإذا علمنا بهذا أن أوجه هذه الفقرة ثلاثة. الوجه الأول والثاني: وهو ما نزع فيه معنى أو أحد معنيي الماء كونه طهورا، إما نزع كونه طاهرا بوقوع النجاسة فيه وطبخها، فبالإجماع لا يجوز التطهر به. أو بنزع المعنى الثاني دون الأول، أي كونه طاهرا لكنه غير مطهر، لأنه ليس بماء الآن بمقالة طاهر، فهو كذلك بالإجماع لا يجوز التطهر به، لأنه ليس بماء، بل مرق أو شاي أو ماء ورد أو نعناع أو نحوه. والثالث: أن يكون المخالط المطبوخ من الطاهر أو النجس اليسير الذي لم يؤثر على الماء لا في لونه ولا طعمه ولا ريحه تأثيرا ينزع منه أحد وصفيه، وهو كونه طاهرا وكونه مطهرا، لأن اسمه لا يزال ماء. فهذا الثالث يبقى على أصله، وهو ماء طاهر مطهر. طيب، نقف عند هذا الحد لانتهاء الوقت.