كتاب الإيمان  37

كتاب الإيمان 37

الدرس في كتاب الإيمان 37، باب الدليل على أن حب الأنصار من الإيمان . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أهمية حب الأنصار في الإيمان

حب الأنصار من علامات الإيمان وبغضهم من علامات النفاق، كما يتضح من حديثين نبويين يدلان على فضلهم وتفاوت درجاتهم.

فضل الصحابة وتفاوت درجاتهم

الصحابة وخاصة الأنصار والمهاجرين لهم فضل عظيم، وحبهم إيمان وبغضهم نفاق، وتتفاوت درجاتهم في الفضل كما هو مبين في القرآن والسنة.

استمرار فضل الأنصار والاقتداء بهم

فضل الأنصار مستمر إلى قيام الساعة، ويجب على المسلمين الاقتداء بهم في الكرم والإيثار والابتعاد عن بغضهم أو من يتصف بصفاتهم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب الدليل على أن حب الأنصار من الإيمان. قال حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار». قال: أخرجه البخاري بكتاب الإيمان، باب علامة الإيمان حب الأنصار. قال حديث البراء قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله». أخرجه البخاري بكتاب مناقب الأنصار، باب حب الأنصار. أورد المؤلف رحمه الله هذين الحديثين في هذا الباب من كتاب الإيمان، باب الدليل على أن حب الأنصار من الإيمان، وعلى قاعدته. فالحديثان مما اتفق عليه الشيخان، واللفظ لفظ الإمام البخاري، والتبويب ما بويب به على الصحيح مسلم. وقد أخرج البخاري رحمه الله حديث أنس في الباب المشار إليه، باب علامة الإيمان حب الأنصار، فقال رحمه الله: حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا شعبة عن عبد الله بن عبد الله بن جبر قال: سمعت أنسًا سمعت أنسًا عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث بلفظه. وحديث البراء أخرجه البخاري في الباب المشار إليه بإسناده، فقال: حدثنا حجاج بن منهال قال: حدثنا شعبة قال: أخبرني عدي بن ثابت قال: سمعت البراء قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث بلفظه. وفي هذين الحديثين، كما نرى، دلالة ظاهرة على ما بوّب به، أو بوّب به: باب الدليل على أن حب الأنصار من الإيمان. وهذا هو مناسبة إيراد هذين الحديثين في هذا الباب من كتاب الإيمان. ففي الحديثين أن من علامة الإيمان حب الأنصار. فالحديث الأول دل ذلك في قوله: «آية الإيمان حب الأنصار». والحديث الثاني بقوله عليه الصلاة والسلام: «الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن». فتضمنا الحديثان مسائل كثيرة، من أهم هذه المسائل ما بوّب به: من أن حب الأنصار من الإيمان. وهو يتضمن كذلك أن الإيمان شعب، وأنه يزيد بزيادة شعبه، وينقص بنقصان شعبه، كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام فيما تقدم: «الإيمان بضع وستون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». فمن شعب الإيمان حب من أمر الله بحبه، وكذلك الضد: بغض من أمر الله ببغضه. فهذا من شعب الإيمان. ومن هذه الشعبة حب الأنصار. وكذلك إذا كان هذا من الإيمان، فمنافاته من معاني النفاق. وقد صرح به النبي صلى الله عليه وسلم في الحديثين، فقال: «وآية النفاق بغض الأنصار». وفي الحديث الآخر: «ولا يبغضهم إلا منافق». فتضمن هذا كذلك من المسائل فضل الأنصار خصوصًا، وفضل المهاجرين من باب أولى. فإذا كان هذا في حق الأنصار، فالمهاجرون - وقد دلت أدلة الكتاب والسنة أنهم أفضل - من باب أولى أن لهم مثل هذا الفضل وزيادة. ففيه فضل الأنصار، ومن باب أولى فضل المهاجرين. بل فيه كذلك فضل الصحابة عمومًا؛ لأن الأنصار لهم الفضل الخاص بما كان من سابقتهم ونصرتهم، ولهم الفضل العام بما كان من صحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ونصرتهم لدين الله. وهذا المعنى كذلك موجود في غيرهم من الصحابة. ولهذا كذلك صحة الحديث بفضل الصحابة عمومًا، والنهي عن انتقاصهم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم ملء أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه». ففيه فضل الصحابة، وفي هذا الحديث كذلك التضمن فضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وفيه كذلك أن الصحابة يتفاوتون في الفضل. فتفاوتهم في فضلهم لا يعني نقصان أحدهم عن الفضل. فكلهم أهل الفضل، وكلهم كذلك حبهم إيمان وبغضهم نفاق، ولكنهم يتفاوتون في هذا الفضل، وكذلك هذا الثناء. وفيه من المسائل كذلك بيان شيء من شعب النفاق. فمن شعب النفاق بغض الأنصار، ومن باب أولى بغض المهاجرين. فمن أبغض الأنصار ففيه شعبة من شعب النفاق، قد يكون نفاقًا أكبر، وقد يكون نفاقًا أصغر. والأكبر إذا أبغضهم لأجل الدين، ولو انتسب إلى الدين. ومنهم غلاة الرافضة. وقد يكون نفاقًا أصغر ببدع وجهل، مع أنه لا يجتمع بغضهم مع إيمان من عرفهم حقيقة وعرف كذلك ما ورد فيهم. لا يمكن أن يبغضهم إلا منافق كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا كذلك بغض الصحابة فهو شعبة من شعب النفاق؛ لأن الصحابة لا يخلون من بعض ما وصف به الأنصار، ونحوهم المهاجرون. فهم يتفاوتون في الفضل، فكذلك يتفاوت منزلتهم، وكذلك حبهم وبغضهم. فمن أبغض الصحابة أبغضه الله، ومن أحبهم أحبه الله. وهكذا من أنصار الأنصار على وجه أخص. الأنصار على وجه أخص. لكن لا شك الأنصار لهم الفضل الأخص بورود هذا الفضل الخاص. وإلا فقد جاء في فضل الصحابة من أدلة الكتاب والسنة ما يدل على حبهم وأنه مما أمر به شرعًا. من استحضر دليلًا على ذلك. نعم، والذين جاءوا من بعدهم يقولون: «ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان». كذلك قد يقول لك قائل: هؤلاء المهاجرون والأنصار والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه. لكن في قوله: «والذين اتبعوهم بإحسان» يتضمن هذا معنى الصحابة؛ لأن من اتبع المهاجرين بإحسانهم يشمل التابعين، ومن باب أولى من اقتدى بهم من الصحابة. شيء صريح أصرح. نعم، دليل آخر. ما وجه الشاهد؟ نعم، الثناء عليهم في الآية. الثناء عليهم في الآية: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾. فالآية تدل على فضل الصحابة والثناء عليهم عمومًا. والذين معه يشمل المهاجرين والأنصار وغيرهم. نعم. كذلك من فضلهم في القرآن: ﴿وَمِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾. والآية نزلت في قصة الأحزاب. ففي غزوة الأحزاب نزلت هذه الآية، وهي تتناول المهاجرين والأنصار وغيرهم ممن كان معهم. نعم، ليغيظ بهم الكفار في آخر الآية. حتى استدل بها العلماء على أن حب الصحابة إيمان، وبغضهم نفاق، وأنه لا ينغاض بحبهم إلا منافق وكافر. لا ينغاض بحبهم إلا منافق وكافر. ليغيظ بهم الكفار. وكذلك نعم للأمة. والصحابة يدخلون عمومًا. لكن شيء أصرح. نعم، فضل. نعم، فإن آمنوا مثل ما آمنتم به فقد اهتدوا. فالخطاب يدخل دخولًا أوليًا الصحابة فيه عمومًا. الخطاب لمن أنزل فيهم القرآن وهم الصحابة: مهاجرون وأنصار وغيرهم. وهكذا كذلك: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. فيدخل فيهم الصحابة عمومًا. فالشاهد أدلة القرآن كثيرة. ونذكر القرآن لأن أهل البدع والأهواء يزعمون أنهم لا يخضعون إلا لأدلة القرآن. وقولهم باطل. لكن من باب التنزل يلزمون بأن أدلة القرآن دلت كذلك على فضلهم. دلت على فضلهم. وفي الحديث كذلك فضل فعل ووصف الأنصار. فمن فعل بفعلهم ووصف بوصفهم ناله بإذن الله جل وعلا بعض فضلهم. ولا نقول مثل فضلهم. لماذا؟ لا نقول مثل فضلهم. نعم، هذا معنى دليل. لو أنفق أحدهم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه. ينبغي أن يكون هذا في الذهن على طول. لا يظن الإنسان أنه يصل إلى فضل الصحابة أبدًا ولو عمل عملًا كثيرًا. فعملهم القليل يسبقون به عمل غيرهم الكثير. لكن لا يعني ذلك ألا يتأسى بهم ويسير بسيرهم ويأخذ بصفاتهم. فهذا مما أثنى الله عز وجل عليه وحث. فلذلك ما أثنى الله عز وجل عليهم به نحن مأمورون أن نقتدي ونأتس بهم. وما دامت الهجرة باقية كما قال النبي عليه الصلاة والسلام إلى قيام الساعة، فالأنصار كذلك باقون إلى قيام الساعة. فالمهاجرون ينالون بعض فضل المهاجرين، والأنصار ينالون بعض فضل الأنصار إلى قيام الساعة. ما دام في الأرض هجرة، ففي الأرض أنصار. وفي هذا حث لأهل الإسلام أن يتصفوا بصفات الأنصار الجميلة: من الكرم والإيثار والسخاء والبذل والإنفاق والعطاء وغير ذلك من الصفات العالية والأخلاق الراقية التي ضرب الأمثال للصحابة من المهاجرين والأنصار فيها أروع الأمثال. لا يعلم في تاريخ البشرية محبة وكذلك بذل وقع في الأرض مثل ما وقع بين المهاجرين والأنصار. شيء عظيم. من يتصور أنه يفعل مثل هذا فليعلم أنه بإذن الله تعالى يصل إلى بعض ما وصل إليه الأنصار في هذا الفضل. ففي هذه الأحاديث حث للمسلمين عمومًا أن يسابقوا ويسارعوا في الخير الذي سابق وسارع فيه الأنصار. ومن أراد أن يعرف هذا الخير فليتأمل وليقرأ في سيرتهم. ماذا صنع الأنصار حتى وصلوا إلى هذا الفضل؟ انظر الشيء الكثير في سيرتهم على فقرهم وفاقتهم. بدلوا كل ما يملكون نصرة لله ورسوله ومحبة لإخوانهم المهاجرين. فنصروا دين الله وأولياء الله بكل ما يملكون: بأرواحهم ودمائهم وأنفسهم وكل ما يملكون. فبهذا يستحقوا هذا الفضل. كذلك أنت أخي المسلم لن تحرم من بعض هذا الفضل إن صدقت مع الله واجتهدت في هذا الخير. والدنيا فانية. ما أكثر الأموال التي تمر على أيدي الإنسان وتذهب. فإذا ذهبت في شيء يبقى فهو الذي يظفر به ويفوز. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام بحديث عائشة رضي الله عنها أنه سألها: حين أنفقت الشاة إلا الكتف، ما بقي من الشاة؟ قالت: كتفها. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «بل بقيت كلها إلا كتفها». فإذا كان هذا في الأمور الحسية، فالأمور المعنوية من باب أولى. فهو ما يحتاج منك كلفة ولا يحتاج منك مال. فلا تؤذي إخوانك المهاجرين لا تؤذيهم بتعبيس وجه ولا بكلام قبيح ولا بسوء معاملة. فهذا رخيص ويسير عليك. بل أكرمهم غاية الإكرام. ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. هذا مثل عظيم حققه فيما أعطاك الله من مال أو جاه أو عز أو منصب. كل شيء تستطيع أن تدفع به عن إخوانك الذين تركوا أوطانهم وتركوا أهاليهم وأموالهم وكل شيء لله سبحانه وتعالى. فأنت كذلك تبذل لهم بما تستطيع. وفي هذه الأحاديث كذلك أن من أبغض الأنصار أبغضه الله. فهو يتناول أولًا التحذير من بغض الأنصار، وكذلك التحذير من بغض من يتصف بصفة الأنصار. فكما كان هناك من يتعجب من صنيع الأنصار من المنافقين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فتارة يتهمون المنفقين من أهل المدينة بالشح إذا جاء هذا بما يملك وكان يسيرًا. فيقولون: إن الله لغني عن صدقة هذا. وإذا جاء بالمال الكثير قالوا: سبحان الله، هذه صدقة ما أريد بها وجه الله. يتهمون المنفق بالكثير بأنه مرائي، والمنفق بالقليل بأنه بخيل. فما يرضون عن أحد ولا يتركون أحدًا. وكذلك الأيام تدور وهي دول بين الناس. فكما يوجد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافقين أهل نفاق أكبر ونفاق أصغر، فكذلك يوجد في هذا الزمان منافقين. فلا ينبغي أولًا أن يكون سببًا في تحبيط الإنسان عن خير عمله. بل يبذل ما يستطيعه قليلًا أو كثيرًا. إن كان معك قليل فمن قليلك، أو كثير فمن كثيرك. فمن كان ذو سعة فلينفق من سعته، ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله. والآية عامة تشمل النفقة الواجبة والنفقة المستحبة. أعطاك الله كثيرًا أنفق ولا تبالي بكلام الناس. واعلم أن هؤلاء الذين يخذلونك ويحبطونك ويتهمونك أن لهم أسوة بمن سبقهم من المنافقين الذين ما يدعون أحدًا من أهل الخير يفعل الخير. فإذا طعنوا فيك فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن أبغضهم أبغضه الله». كذلك من أبغض فعلهم ووصفهم وخيرهم كذلك أبغضه الله؛ بما كان من بغضه لهذا الخير الذي هو من خير الأنصار. فحب الأنصار ليس فقط لأشخاصهم، وكذلك لأوصافهم الجميلة التي اتصفوا بها رضي الله عنهم وارضاهم. وكذلك يقال فيمن اتصف بأوصافهم الجميلة من بعدهم. طيب، نكتفي بهذا وإلى هنا. والله تعالى أعلم.