التعليق على تقريب التدمرية 46

الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 46، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

الفرق بين آية خلق آدم بيد الله وآية خلق الأنعام بأيدي الله ودلالة ذلك على إثبات صفة اليدين

يوضح المقطع الفرق الجوهري بين قوله تعالى ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ في حق آدم، وقوله ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ في حق الأنعام؛ فالأولى أضيف الفعل إلى الله مباشرة مع التثنية وحرف الجر (بـ) الدال على المباشرة والتشريف، والثانية أضيف العمل إلى الأيدي بمعنى النسبة والملكية كعادة العرب. ويستدل المحاضر بذلك على إثبات صفة اليدين الحقيقيتين لله تعالى، ورد قول المعطلة الذين يسوون بين الآيتين لنفي الصفة.

الرد على تأويل الجهمية لآية "بما عملت أيدينا" وإثبات صفة اليدين لله تعالى

يبين المقطع الفرق بين آية سورة يس "مما عملت أيدينا" وآية سورة ص "ما خلقت بيدي"، مستدلاً بثلاثة أوجه: اختلاف الإضافة، وتعدي الفعل بالباء الدالة على المباشرة، وصيغة التثنية الصريحة في آية ص. ويوضح أن ذكر "أيدينا" بلفظ الجمع في آية يس هو من أساليب العرب في إطلاق الجمع على المثنى للتعظيم، ولا ينافي النصوص الثابتة بإثبات يدين حقيقيتين لله تعالى تليق بجلاله.

الفرق بين التثنية والجمع في نصوص الصفات ومحاذير التوهم فيها

يبيّن المقطع أن لفظ التثنية في قوله تعالى ﴿بِيَدَيَّ﴾ يدل على الحصر ولا يليق بالله، بخلاف صيغة الجمع في ﴿أَيْدِينَا﴾ التي للتعظيم، ويوضح أن خلط الآيتين ضلال ناشئ عن جهل بلغة العرب. ثم يذكر القاعدة الرابعة في محاذير التوهم في نصوص الصفات، مستعرضاً أربعة محاذير: فهم النصوص على التمثيل، والجناية على النصوص بنفي معانيها، والقول على الله بغير علم، ولزوم نفي الكمال إثبات النقص، محذراً من التأويلات الباطلة.

تحذير من الإلحاد في آيات الله وبشارة بالتفصيل لاحقاً

استعرض المقطع آية قرآنية تحذر من الإلحاد في آيات الله وتوعد المخالفين، مع الإشارة إلى أن تفصيل هذه القاعدة سيأتي في درس لاحق، وختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فكان آخر الكلام في الدرس الماضي عند قول المؤلف رحمه الله تعالى: «ويشبه هذا الخطأ أن يجعل الله نظيرا لما ليس مثله، كما قيل في قوله تعالى: ﴿لَمَّا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ أنه مثل قوله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾، فيكون مرادًا باليد نفس الفاعل في الآيتين، وهذا غلط؛ فإن الفرق بينهما ثابت من وجوه ثلاثة: الأول: من حيث الصيغة؛ فإن الله قال في الآية الأولى: ﴿لَمَّا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، وهي تخالف الصيغة في الآية الثانية؛ فإن الله قال فيها: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾. ولو كانت الأولى نظيرة للثانية لكان لفظهما: ﴿لَمَّا خَلَقْتُ يَدَيَّ﴾، فيضاف الخلق إليهما كما أضيف العمل إليهما في الثانية. الثاني: أن الله تعالى أضاف في الآية الأولى الفعل إلى نفسه معدًى بالباء إلى اليدين، فكان سبحانه هو الخالق، وكان خلقه بيديه. ألا ترى إلى قول القائل: «كتبت بالقلم»؟ فإن الكاتب هو فاعل الكتابة، ومدخول الباء وهو القلم حصلت به الكتابة. وأما الآية الثانية: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾، فأضاف الفعل فيها إلى الأيدي المضاف إليه، وإضافة الفعل إلى الأيدي كإضافته إلى النفس، فكأنه قال: مما عملنا. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، والمراد: ما كسبتم، بدليل قوله في آية أخرى: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتِ مَا كَسَبُوا﴾. الثالث: أن الله -إن الله تعالى- أضاف الفعل في الآية الأولى ﴿لَمَّا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ معدًى بالباء إلى يدين اثنتين، ولا يمكن أن يراد بهما نفسه؛ لدلالة التثنية، لصيغة التثنية، لدلالة ذلك على صريح العدد وحصره. ولكنه تعالى يذكر نفسه تارة بصيغة الإفراد للتوحيد، وتارة يذكر نفسه بصيغة الجمع للتعظيم، وربما يدل الجمع على معاني أسمائه. وتقدم شيء من كلام حول هذا الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى. وخلاصة هذا: أن أهل التعطيل أرادوا تعطيل صفة اليدين عن الله جل وعلا، وأنه لم يخلق آدم بيده وبيديه جل وعلا، وما خط التوراة لموسى بيده، وإنما المراد أنه خلقه، فآدم خلق من مخلوقات الله، خلقه الله جل وعلا كما خلق الأنعام، وكما خلق الدواب الأخرى، وقال فيها: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾. فخلق الله جل وعلا الأنعام ولم يخلقها بيديه، ومعنى هذا أنه لا يتصف بصفة اليدين جل وعلا. فألزم أهل السنة بأن يقولوا هذا في آية سورة ص: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾. أهل السنة والجماعة يثبتون من هذه الآيات صفة اليدين لله جل وعلا، مثل قوله جل وعلا: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، إثبات يدين لله جل وعلا يلقاني به سبحانه وتعالى. وفي الآية الأخرى قالوا: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾، فالمراد هنا بقوله جل وعلا: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾، أضاف الخلق إلى يديه جل وعلا، وهذا ليس فيه مباشرة الخلق منه جل وعلا بيديه للأنعام، كما أنه باشر خلق آدم بيديه. اللي جل على هذا التفريق: أن آية سورة ص فيها الفعل أضيف إليه جل وعلا، الفعل «خلق» أضيف إليه: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ﴾، الضمير يعود إلى الله جل وعلا، فأضاف الفعل إليه جل وعلا، والضمير يعود إليه جل وعلا. بخلاف ما جاء في قوله جل وعلا: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾، فأضاف الفعل إلى الأيدي، أضاف الفعل وهو العمل إلى الأيدي. وفرق بين أن يضاف الفعل إلى الله جل وعلا، وبين أن يضاف إلى الأيدي. ثانيًا: الفعل في الآية الأولى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، أضيف أو عدي ذلك بالباء، عدي بالباء: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، وهذا يقضي المباشرة، يقضي المباشرة، مباشرة الخلق منه جل وعلا بيديه. وهذا تكريم منه جل وعلا لبعض مخلوقاته؛ فإنه جل وعلا لم يباشر كل مخلوقاته بيديه جل وعلا، وإنما أكرم أبا الأنام آدم عليه الصلاة والسلام على سائر الأنام، حيث خلقه جل وعلا بيديه إكرامًا له. ولذلك أمر إبليس أن يسجد لآدم، فامتنع إبليس عن السجود، وقد ذكر الله جل وعلا -أي ذكر إبليس- أنه سبحانه أكرم آدم حيث خلقه بيديه، ومع هذا يمتنع إبليس عن السجود. قال جل وعلا: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾. هل يكون المعنى هنا: ﴿لِمَا خَلَقْتُ﴾ يراد به الفاعل نفس الفاعل؟ لا؛ لأنه أي إكرام في هذا لآدم على غيره من الخلق إذا كان الخلق جميعا خلقوا كخلق آدم؟ ما يكون هناك مزية، وما يكون هناك كذلك فضل لآدم على غيره، وإلا لقال إبليس: «وأنا خلقتني كذلك». لكن المراد أن الله جل وعلا خلق آدم بيديه جل وعلا، باشر خلقه جل وعلا بيديه. وهكذا خطت توراة لموسى بيده جل وعلا. اللوح المحفوظ كتب بالقلم، لكن التوراة خطت لموسى بيده جل وعلا. ولذلك كان مما يفخر به موسى عليه الصلاة والسلام، ومما يعني كان من الإكرام من الله جل وعلا بذلك. ولذلك يقولون له حين يأتون إليه يوم القيامة لطلب الشفاعة: «يا موسى، أنت اصطفاك الله جل وعلا بكلامه»، وهذا مما أكرم الله جل وعلا به نبيه موسى عليه الصلاة والسلام، وخط لك التوراة بيده، وخط لك التوراة بيده. خص بذلك لأنه ميز عن غيره من الأنبياء بأن خط التوراة ربنا عز وجل خط له التوراة بيده جل وعلا. وهكذا آدم، حين يأتون إليه يوم القيامة يطلبوا منه الشفاعة، يذكرون فضائله، ويدكرون خصائصه، وممتاز به عن غيره من الأنبياء، فيقول: «يا آدم، أنت خلقك الله جل وعلا بيده، وأسجد لك ملائكته». وهذا يدلنا على أن خلق الله جل وعلا لآدم كان بيديه سبحانه وتعالى. ففي إثبات صفة اليدين لله جل وعلا، بخلاف الآية الأخرى التي في سورة يس؛ فإن العمل أضيف إلى الأيدي، أضيف إلى الأيدي: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾، فهم لها مالكون. وهذا أسلوب عربي من أساليب لغة العرب، من أساليب لغة العرب، يضاف العمل إلى الأيدي، والمراد به كل الأفعال الصادرة من العبد، سوى صدرت عنه من عينيه، أو صدرت عنه من قلبه، أو صدرت عنه من جوارحه الأخرى، لكن يضاف إلى الأيدي لأنه هو الغالب، الغالب من الأعمال الصادرة من العبد أن تكون بيديه عن طريق اليدين. ﴿ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾، وماذا قدم العبد؟ هل قدم فقط بيديه فقط؟ لا، تلا القرآن بلسانه، وذكر الله بلسانه، نعم، وجاهد في سبيل الله، وفعل وفعل وفعل من الطاعات، فعل طاعات بعينيه، فعل طاعات بقلبه، فعل طاعات برجليه، فعل طاعات بجوارحه كلها، ومع هذا يقال له: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾. لماذا؟ لأنه الغالب، وليس المراد ماذا عمل اليد فقط، وإنما المراد: أي بما عملت، ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾، ﴿وَبِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، يعني بما عملتم. ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، الفساد ظهر في البر والبحر بسبب ماذا؟ بسبب ما كسبت أيدي الناس فقط؟ فقط بسبب ما كسبت أيدي الناس من الظلم والاعتداء؟ لا، وإنما ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، يعني بما عملوا، سواء كان ذلك عن طريق أيديهم مما حصل منهم من الظلم والاعتداء والسرقة، أو حصل من أبصارهم من النظر إلى الحرام، أو من ألسنتهم من الكذب والغيبة والنميمة، أو كذلك من فروجهم في قاعها في الزنا، لكن أضيفت هذه الأعمال إلى الأيدي: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾، المعنى: بما عملتم، بما عملتم. وهكذا في هذه الآية: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾، أي مما عملنا، ومما خلقنا. وذكر الأيدي هنا بلفظ الجمع: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾، لا ينافي ما جاء في أن الله جل وعلا متصف بيدين لا بأيدي. لكن هذا أيضًا أسلوب عربي، أسلوب من أساليب لغة العرب، أن يذكر المثنى بلفظ الجمع، أن يذكر المثنى بلفظ الجمع. ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، ما المراد بقطع الأيدي؟ كم يد تقطع؟ نعم، تقطع يدان، ومع ذلك عبر هنا بلفظ الجمع: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، أيدي، والمراد يدان: يد السارق، ويد السارقة. وهكذا في قوله جل وعلا: ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾، والمراد قلبان، أي قلباكما. لكن هذا أسلوب من أساليب لغة العرب، يذكر المثنى بلفظ الجمع، وذلك أسلوب عربي. وهنا كذلك جاء بلفظ الجمع: ﴿أَيْدِينَا﴾، والمراد به المثنى، لدلالة النصوص الكثيرة في كتاب الله جل وعلا، في سنة النبي عليه الصلاة والسلام، الدالة على أن الثابت لله جل وعلا يدان، يدان. منها قوله جل وعلا: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾، ومنها كذلك قوله عليه الصلاة والسلام، كما في حديث ابن عمر في الصحيح: «المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، وكلتا يديه يمين». وفي بعض الروايات: «يخفض ويرفع» إلى آخر النصوص الواردة في إثبات صفة اليدين لله جل وعلا. فالشاهد: أن النفاة، وعلى رأسهم بشر المريسي، الذي هو زعيم من زعماء أهل التعطيل، أراد أن يجعل آية سورة ص مثل آية سورة يس. قال: هذه وهذه سواء، آية سورة ص وآية سورة يس سواء، ليس فيهما إثبات اليدين لله جل وعلا، كما أنكم تقولون: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ ليس المراد خلق تلك الأنعام بيديه، وهكذا يقولون في آية سورة ص: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، يعني المراد الله جل وعلا، أي مما خلقت. وهذا باطل من وجوه ثلاثة ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى: الأول: اختلاف الصيغة، اختلاف الصيغة. هناك أضيف إلى الله، وهنا أضيف إلى الأيدي. وهذا الوجه الأول. الوجه الثاني: هناك عدي الفعل بالباء، وهنا لم يعد. وتعدي الفعل بالباء يقضي المباشرة. الوجه الثالث: كما ذكر التثنية. التثنية، عدي الفعل بالباء أيضًا إلى يدين اثنتين: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾. أما في آية سورة يس فقوله جل وعلا: ﴿أَيْدِينَا﴾. وكما قال هنا رحمه الله تعالى: «قال: إن الله تعالى أضاف الفعل في الآية الأولى ﴿لَمَّا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ معدًى بالباء إلى يدين اثنتين». لماذا؟ ما الفائدة؟ كما سيأتي. ولا يمكن أن يراد بهما نفسه؛ لدلالة التثنية، بصيغة التثنية، لدلالة ذلك على صريح العدد وحصره. عدي الفعل بالباء إلى يدين اثنتين، وهذا يدل على أن المراد اتصاف الرب جل وعلا بيدين اثنتين، خلق بهما آدم عليه الصلاة والسلام، وشرفه وأكرمه بذلك على سائر المخلوقات. ولا يمكن أن يكون المراد هنا في هذه الآية نفس الفاعل: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، لماذا؟ لأن الله جل وعلا لم يذكر نفسه أبدًا في كتابه بصيغة التثنية. وهذا أمر ينتبه له: لم يأت في الشرع أن وصف الله جل وعلا نفسه بصيغة التثنية، وإنما وصف نفسه بصيغة الإفراد أو بصيغة الجمع. وصف الله جل وعلا نفسه إما بصيغة الإفراد، وإما بصيغة الجمع. أما بصيغة التثنية فلم يصف ربنا عز وجل نفسه. لماذا؟ كما بين المؤلف رحمه الله: لأن المراد بالإفراد هو إثبات حق الله جل وعلا، وكامل حق الله جل وعلا، لأن المفرد مضاف فهو يعم غيره، ولا يختص الإفراد فقط. ولذلك قال جل وعلا: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وقال جل وعلا: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. فهنا فيه الإفراد، لكن هذا الإفراد المراد به ماذا؟ التعظيم. قال رحمه الله تعالى: «ولكنه تعالى يذكر نفسه تارة بصيغة الإفراد للتوحيد؛ لأنه جل وعلا واحد في أفعاله وصفاته سبحانه وتعالى، لا مشارك له، فالملك بيده وحده جل وعلا، والخلق بيده وحده جل وعلا، لا مشارك له سبحانه وتعالى». وأيضًا ما جاء لا ينافي ما جاء بلفظ المثنى، يعني ذكر صفة اليد لله جل وعلا: ﴿بِيَدِهِ﴾، لا ينافي ما جاء بلفظ التثنية؛ لأن المفرد المضاف يعم. فقال جل وعلا: ﴿بِيَدِهِ﴾ سبحانه وتعالى، فهذا يعم غيره، فلا يلزم نفي ما جاء من النصوص الواردة في إثبات صفة اليدين لله جل وعلا، وأنها يدان اثنتان. «وتارة يذكر نفسه جل وعلا بصيغة الجمع، لماذا؟ للتعظيم. صيغة الجمع للتعظيم: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾، ﴿أَيْدِينَا﴾، والمراد يدان، لكن للتعظيم، للتعظيم. ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾، ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾، هذا للتعظيم، وإلا فالمثبت لله جل وعلا عينان. لكن كما سمعتم: أسلوب من أساليب لغة العرب، يذكر على وجه الجمع، المراد به التعظيم، المراد به التعظيم. ووجه آخر: على قول أن أقل الجمع اثنان، أقل الجمع اثنان، فيستحق أن يطلق بلفظ الجمع، أي المثنى. فإذا لما أضاف الله جل وعلا الخلق إليه جل وعلا، وعد ذلك بالباء، والثالث بلفظ التثنية، فهذا لا يدل إلا على إثبات صفة اليدين لله جل وعلا، يدين ثنتين له سبحانه وتعالى، على ما يليقان به جل وعلا. وليس المراد النفس، بأن نفسه جل وعلا لم توصف في كتاب الله جل وعلا بلفظ التثنية. لماذا؟ لأن لفظ التثنية يدل على الحصر، لفظ التثنية يدل على الحصر، والله جل وعلا منزه، والله جل وعلا منزه عن الحصر في أسمائه وصفاته. فالله سبحانه وتعالى أسماؤه حسنى، وصفاته عليا، وله الكمال المطلق جل وعلا من كل وجوه في أسمائه وصفاته، فلا توصف نفسه، لا توصف نفسه جل وعلا بلفظ التثنية، ولا قدرته، ولا نعمته. نعم. فلذلك لا يجوز أن يقال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، أي بنعمتي. هذا حصر للنعمة، حصر للنعمة. بخلاف ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾، وإن كانت هي بلفظ المفرد، لكنها من المفرد المضاف الذي يعم جميع النعم. وبخلاف ما جاء في لفظ الجمع. فإذن لفظ التثنية يدل على الحصر، فلا يجوز أن يقال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، أي بقدرتي، ولا بنعمتي، ولا بنفسي. كل هذا حصر، لفظ التثنية يدل على الحصر، بخلاف لفظ المفرد ولفظ الجمع الذي وصف الله جل وعلا نفسه بذلك، أي بهاتين الصيغتين: صيغة الإفراد وصيغة الجمع. فالإفراد للتوحيد، والجمع للتعظيم. لكن التثنية: هل توصف نفس الله جل وعلا بالتثنية، ويقال مراد بها نفس الله جل وعلا؟ لا، هذا لم يرد في الشرع. وثانيًا: لأنه حصر، والله جل وعلا منزه ومقدس جل وعلا عن أن تحصر، عن أن تحصر أسماؤه جل وعلا، وعن أن تحصر صفاته سبحانه وتعالى. فدل هذا دلالة واضحة على ضلال هؤلاء الذين أرادوا أن يجعلوا آية سورة ص في قوله جل وعلا: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، كآية سورة يس: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾. لا، هنا الصيغة اختلفت، وهنا الصيغة اختلفت. فذلك فيه بيان خلق الرب جل وعلا لآدم بيديه، فبإثبات صفة اليدين. والأخرى ليس فيها مباشرة الخلق من الله جل وعلا للأنعام، وإن كان لا ينافي إثبات صفة اليدين لله جل وعلا، لكن الصيغة لا تدل على ذلك. فهذه الصيغة تختلف عن تلك الصيغة. وأما هؤلاء الضلال فقد ضلوا ضلالًا مبينًا في هاتين الآيتين، حين ظنوا أنهما بمعنى واحد، وأنهما سواء، وذلك لجهلهم بلغة العرب، وبما تقتضيه أساليب اللغة العربية. قال رحمه الله تعالى: «أما في الثانية فضاف الفعل إلى الأيدي المضاف إليه، مجموعة للتعظيم، فصار المراد بها نفسه المقدس جل وعلا. وبهذا تبين الفرق بين قوله: ﴿لَمَّا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، وقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾، وأنها ليست نظيرًا لها. وتبين أيضًا: ظاهر النصوص في الصفات حق ثابت مراد لله تعالى على الوجه اللائق به، وأنه لا يستلزم نقصًا في حقه، ولا تمثيلًا له بخلقه. لكن لو كنا نخاطب شخصًا لا يفهم من ظاهرها إلا ما يقضي التمثيل، فإننا نقول له: إن هذا الظاهر الذي فهمته غير مراد، ثم نبين أن هذا ليس ظاهر النصوص، لأنه باطل لا يقضيه السياق، كما سبق بيانه». وهذا قد تقدم: من أن هؤلاء الذين يبين لهم أولًا أنهم أخطأوا حيث ظنوا أن هذا الذي فهموه هو ظاهر هذا السياق، فيبين لهم خطأ، ثم يبين لهم ظاهر هذا السياق، وأنه لا ينافي ماذا؟ ما يتعلق بتعظيم الله جل وعلا في أسمائه وصفاته، ولا يلزم منه معنى فاسد حتى يقال: ظاهر هذه النصوص غير مراد، ولابد فيها من التأويل. ولذلك هم إنما وقعوا في التأويلات الباطلة إلا لأنهم ظنوا ظاهر النصوص فاسدة، ظنوها بأفهامهم السقيمة. ولو نظروا نظرًا صحيحًا، وتأملوا وتعقلوا وسألوا، لبين لهم أهل العلم ظاهر نصوص هذه الصفات على حقيقتها، وعلى ما تضيه هذه النصوص، وأنها لا تستلزم معنى فاسدًا. فلذلك سيثبتون كما أثبت أهل السنة والجماعة ظاهر اللفظ على ما جاء به النص، بمقتضى لغة العرب، لكن مع التنزيه عن المثلية، وكذلك من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف. هذا هو خلاصة ما أراد المؤلف رحمه الله تعالى ذكره في هذا الموضع. قال رحمه الله تعالى: «القاعدة الرابعة: توهم بعض الناس في نصوص الصفات والمحاذير المترتبة على ذلك». قال: «اعلم أن كثيرًا من الناس يتوهم في بعض الصفات التي دلت عليها النصوص، أو كثير منها، أو أكثرها، أو كلها، أنها تماثل صفات المخلوقين. ثم يريد أن ينفي ذلك الوهم الذي توهمه، فيقع في أربعة محاذير: الأول: أنه فهم من النصوص صفات تماثل صفات المخلوقين، وظن أن ذلك هو مدلول النص. وهذا فهم خاطئ؛ فإن الصفة التي دلت عليها النصوص تناسب موصوفها، وتليق به. وتمثيل الخالق بالمخلوق كفر وضلال؛ لأنه تكذيب لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. ولا يمكن أن يكون ظاهر النصوص الكفر والضلال، لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا﴾. الثاني: أنه جنى على النصوص حيث نفى ما تدل عليه من المعاني الإلهية، ثم أثبت لها معاني من عنده لا يدل عليها ظاهر اللفظ، فكان جانيا على النصوص من وجهين. الثالث: أنه نفى ما دلت عليه النصوص من الصفات بغير علم، فيكون بذلك قائلا عن الله ما لا يعلم، وهذا محرم بالنص والإجماع. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. الرابع: أنه إذا نفى عن الله عز وجل ما تقتضيه النصوص من صفات الكمال، لزم أن يكون الله سبحانه متصفًا بنقيضها من صفات النقص. وذلك لأنه ما من موجود إلا هو متصف بصفة، ولا يمكن وجود ذات مجرد عن الصفات. فإذا انتفت صفة الكمال عنها، لزم اتصافها بصفات النقص. وحينئذ يكون من نفى عن الله تعالى ما تقتضيه النصوص من صفات الكمال متعديًا... متعديًا أو معتديا... ها متعديًا، طيب متعديًا في حق الله تعالى، حيث جمع بين نفي صفات الكمال عنه وتمثيله بالمنقصات والمعدومات. بل قد يرتقي به الغلو في النفي لتمثيله بالممتنعات المستحيلات. ويكون أيضًا جانيا على النصوص حيث عطلها عما دلت عليه من صفات الكمال لله تعالى، وأثبت لها معاني من عنده لا يدل عليها ظاهرها، فيجمع بين النفي والتمثيل في صفات الله، وبين التحريف والتعطيل في نصوص الكتاب والسنة، ويكون ملحدًا في أسماء الله وآياته. وقد قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. وذكر مثالًا لذلك، وإن شاء الله تعالى يأتي تفصيل هذا الفصل، هذه القاعدة في درس لاحق. شاء الله وسلم وبارك. وعلمنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين».