الإبتلاء فضائل ونماذج 2

الدرس في الإبتلاء فضائل ونماذج 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حكمة الابتلاء وثمراته في الإسلام

يستعرض المقطع آيات قرآنية وأحاديث نبوية تبين أن الابتلاء سنة كونية قدرها الله ليميز الصادق من الكاذب. ويذكر فضائل الصبر عليه من تكفير للسيئات ورفع للدرجات حتى قال السلف: لولا الابتلاء لوردنا الآخرة مفاليس.

أنواع الابتلاء بالنعم والمصائب وشدة ابتلاء الأنبياء

يبيّن المقطع أن الابتلاء يشمل النعم والمصائب مستدلاً بآيات تؤكد أن المال والأولاد فتنة. ويوضح أن الأنبياء أشد الناس بلاءً مع أمثلة من ابتلاء النبي صلى الله عليه وسلم.

ابتلاء النبي صلى الله عليه وسلم وصبره على أذى المشركين

يسرد المقطع أبرز مواقف الأذى التي تعرض لها النبي من قريش كوضع سلا الجزور على ظهره في الصلاة وإصابته في أحد ورجمه في الطائف. ويبرز صبره ورحمته حين رفض دعوة ملك الجبال لتدمير أهل الطائف آملاً في خروج موحدين من ذرياتهم.

الاقتداء بالنبي ﷺ والدعاء بالخاتمة

يؤكد المقطع على أن رسول الله ﷺ هو الأسوة الحسنة لمن يرجو الله واليوم الآخر. ويختتم بالدعاء بأن ينفع الله بما سمع وأن يعلم ما ينفع مع الحمد لله رب العالمين.

  • 22 جمادى الأولى 1432هـ - 25/04/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فقد تقدم معنا الكلام في ليالٍ ماضية حول ما يتعلق بما كتب الله عز وجل على هذا الإنسان من أنواع الابتلاء وأنواع الامتحان الذي لا محالة أنه لاقيه. وذكرنا قوله سبحانه وتعالى: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾. وهكذا قوله جل وعلا: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾. وهكذا قوله سبحانه: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾. وهكذا قوله سبحانه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾. وبلغنا أن الله عز وجل أقسم أنه يبتلي العباد بأنواع من الخير والشر، كما قال سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾. وهكذا أيضا تقدم معنا أن الله عز وجل قد جعل في هذا الابتلاء فوائد ومنافع عديدة لهذا الإنسان، منها رفعة الدرجات، ومنها تكفير الذنوب والسيئات. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة». ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد الله بعبده خيرا عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده شرا أمسك عنه حتى يوفى بها يوم القيامة». ثم قال عليه الصلاة والسلام: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط». وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط. وهكذا أيضا قوله عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وجاء من حديث أبي سعيد وغيرهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه». وهكذا أيضا تقدم معنا حديث أبي هريرة الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيما يرويه عن ربه عز وجل: «ما لعبد المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة». وهكذا في البخاري من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «يقول الله عز وجل: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر، عوضته منهما الجنة». قال: يريد عينيه. ولهذا، لما للابتلاء أو لما في الابتلاء من أجور عظيمة يجدها العبد يوم يلقى الله عز وجل في كتاب حسناته وصفحة أعماله، قال بعض السلف: «لولا الابتلاء لوردنا الآخرة من المفاليس». أي: لولا ما في الابتلاء من أجور وفضل عظيم وثواب جزيل عند الله عز وجل لوردنا الآخرة من المفاليس. ولا تظن يا عبد الله يوم أن تسمع عن الابتلاء وأن الله يبتلي العباد أن ذلك لا يكون إلا بمرض أو بموت أو بفقر أو بخوف أو بغيرها من أنواع المصائب. هذا بعض الابتلاء. وأيضا قد يكون الابتلاء بأنواع من النعم، كما سبق معنا في أوائل الحديث حول هذا الموضوع. ولهذا قال ربنا جل في علاه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾. ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. وهكذا يقول سبحانه: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾. وهكذا قوله سبحانه: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ أَونَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَٰلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ الآية. وهكذا أيضا قد يبتلي الله عز وجل هذا الإنسان بأنواع من النعم، وليس هذا كرامة له وإنما استدراج وابتلاء واختبار من الله عز وجل. كما أنه سبحانه قد يبتلي آخر بأنواع من المصائب، وليس معنى هذا أن الله لا يرضى عنه أو أن الله لا يحبه، لكن الله عز وجل يريد أن يرفع في درجته وأن يكفر عنه ذنبه وأن يعظم له الأجر. ولهذا أحسن من قال: «قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت، ويبتلي بعض الناس بالنعم». ثم كذلك أيضا تطرقنا إلى ما يتعلق بالابتلاء وأنه أشد ما يكون على الأنبياء الذين هم صفوة الله من خلقه. ولهذا جاء عند أصحاب السنن، وهو في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين لشيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى وأسكنه الفردوس الأعلى، من حديث أبي إسحاق سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة -أي قوة- اشتد عليه البلاء، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه». وقد أشرنا في الدرس الماضي إلى بعض الابتلاء الذي كان يتعرض له النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا الأنبياء قبله. نبينا عليه الصلاة والسلام ابتلي بأنواع وأصناف من الابتلاء، منها ما هو باللسان ومنها ما هو باليد. فأما باللسان فطعن فيه المشركون، قالوا فيه ساحر، وقالوا فيه شاعر، وقالوا فيه كاهن، وقالوا فيه مجنون، وقيل غير ذلك، فبرأه الله عز وجل مما قالوا. وهكذا نيل من عرضه، تكلم في أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق وزوجة رسول رب العالمين عائشة رضي الله تعالى عنها، تكلم فيها أهل الإفك من المنافقين وغيرهم، فقالوا إنها زانية، فبرأه الله عز وجل، برأ عرضه -أي عرض النبي صلى الله عليه وسلم- وبرأ عائشة مما قيل فيها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. وهو عبد الله بن أبي بن سلول، يُنسب إلى أبيه ويُقال عبد الله بن سلول، يُقال هذا اسم أمه، هكذا ذكر بعض أهل العلم. وهكذا أيضا ابتلي عليه الصلاة والسلام بأنواع من الضرب والابتلاء الذي يكون باليد. ولا يخفى عليكم ما جاء في الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال: خرج أبو جهل بن هشام وهو زعيم المشركين في ذلك الزمان وسيد من سادات قريش، نزل أو خرج على قومه وهم حول البيت، فقال: أيكم يذهب إلى سلا جزور بني فلان فيأتي به فيضعه على ظهر محمد إذا سجد؟ إذا سجد محمد عند البيت يأتي بسلا الجزور وهذه الأوساخ والدماء فيضعها على ظهره. قال: فانبعث لها أشقى القوم وهو عقبة بن أبي معيط. قال: جاء النبي صلى الله عليه وسلم فصلى عند البيت، فلما سجد أتى ذلك المشرك ووضع سلا الجزور على ظهره عليه الصلاة والسلام وهو ساجد. قال: فجعل القوم يتضاحكون حتى جعل بعضهم يميل إلى بعض من شدة الضحك. قال ابن مسعود: وأنا قائم أنظر، ولو أن لي منعة لدفعت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنه كان مستضعفا. قال: فظل رسول الله صلى الله عليه وسلم ساجدا حتى ذهب إنسان فأخبر ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها. قال: فجاءت وهي جويرية فرفعت الأذى عن أبيها، ثم أقبلت على المشركين تسبهم. قال: فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم أقبل على المشركين فقال: «اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، وبعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط». قال ابن مسعود: وذكر السابع فلم أحفظه. قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: قال: فوالذي بعثه بالحق لقد رأيت هؤلاء الذين سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم صرعى يوم بدر، هؤلاء الذين سمى النبي صلى الله عليه وسلم ودعا عليهم بأسمائهم. قال ابن مسعود: والذي بعثه بالحق لقد رأيت هؤلاء الذين سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم صرعى يوم بدر، حتى سحبوا إلى قليب بدر. هذا بعض أنواع الابتلاء الذي كان يتعرض له من غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، من ختم به الرسالة والنبوة فجعله خاتم النبيين والمرسلين. هذا ابتلاء يتعرض له صاحب الحوض المورود والمقام المحمود والشفاعة العظمى، الذي هو أول من يستفتح باب الجنة فلا يؤذن لأحد أن يدخل قبله، يأتي ويطرق باب الجنة فيقول الملك: من؟ فيقول: محمد، فيقول: أمرت ألا أفتح لأحد قبلك، فيدخل ويشفع في أهل الجنة في أن يدخلوا الجنة. ومع هذا، انظر إلى هذا الابتلاء الذي كان يبتلى به النبي صلى الله عليه وسلم: في يوم أحد شج رأسه وكسرت رباعيته ودخلت حلقة المغفر في وجهه. ومع هذا وذاك شاع في الملأ أن محمدا قد قتل وقد مات، وسلمه الله عز وجل. وهكذا لما خرج إلى الطائف استقبله أهل الطائف بالصد والتكذيب، وصلطوا عليه سفهاءهم ومجانينهم وصبيانهم يرمونه بالحجارة حتى أدموا قدميه عليه الصلاة والسلام. ومع هذا وهو بقرن الثعالب يلقاه جبريل ومعه ملك الجبال، فيقول: يا محمد، هذا ملك الجبال وقد أرسله الله، فإن شئت أن يطبق عليهم الأخشبين -أي الجبلين- لفعل. فيكلم ملك الجبال النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يقول لا إله إلا الله». ولنا أسوة حسنة فيه عليه الصلاة والسلام: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. فنسأل الله عز وجل أن ينفعنا بما سمعنا وأن يعلمنا ما ينفعنا، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.