كتاب الطهارة 22

الدرس في كتاب الطهارة 22، ألقاها

موجبات الغسل ومقدماته

يتناول هذا الفصل موجبات الغسل في الفقه الإسلامي، حيث ذكر أربعة موجبات للغسل وهي: إسلام الكافر، انقطاع دم الحيض والنفاس، والموت. كما ذكر بعض الأدلة الشرعية من الأحاديث النبوية التي تدعم هذه الموجبات.

كيفية الغسل المستحبة والمجزئة

يشرح هذا الفصل كيفية الغسل المستحبة والتي تشمل غسل اليدين والفرج والوضوء ثم غسل الرأس والجسم، وكيفية الغسل المجزئة التي تتم بنية وعموم الماء للبدن. يبين تفاصيل كلتا الكيفيتين مستنداً إلى أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.

تفاصيل النية وكيفيته ونقض الشعر

النية مهمة في الغسل، يكفي صب الماء على الجسد مع النية، ولا يشترط نقض الشعر للمرأة في غسل الجنابة، بل يكفيها حثي الماء على رأسها ثلاث مرات. كما يتناول حكم نقض شعر الرأس عند الغسل من الحيض والنفاس.

  • 29 جمادى الآخرة 1433هـ - 20/05/2012مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد، مضى معنا في الدرس الماضي الكلام على بعض مسائل الغسل، فمضى معنا الغسل لغة وشرعاً، وحكمه، وموجبات الغسل، وأخذنا منها الأمر الأول والثاني. قالوا: الثالث، أي من موجبات الغسل، إسلام الكافر، ولو مرتداً، أي ولو كان مرتداً، فـ«مرتداً» يكون خبر «كان» واسمها محذوفان، وتقديره: إسلام الكافر، ولو كان الكافر مرتداً. قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر قيس بن عاصم حين أسلم أن يغتسل، والحديث كما في الحاشية رواه أبو داود والنسائي وغيره، وإسناده صحيح، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى وغيره. وأمر النبي صلى الله عليه وسلم لقيس بن عاصم ليس أمراً خاصاً له، إنما هو أمر عام للأمة أجمع، وهذا له نظائر كثيرة في أحاديث كثيرة في أحكام كثيرة، يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أحد الصحابة، فيكون ذلك الأمر أمراً للأمة، أو ينهى أحد الصحابة، فيكون ذلك النهي كذلك نهياً للأمة، وهكذا. قال: الرابع، انقطاع دم الحيض والنفاس، لحديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة بنت أبي حبيش: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي». والحديث متفق عليه. قالوا: والنفاس كالحيض بالإجماع، أي أن المرأة النفساء أحكامها من حيث الاغتسال والصلاة وترك الصلاة والصيام وعدم استمتاع الزوج لها أحكامها كأحكام الحيض سواء بسواء بإجماع، إلا في أمور يسيرة تختلف مسائل النفساء عن الحيض، ولعله يأتي ذكرها بإذن الله جل وعلا في الكلام على مسائل الحيض والنفاس بإذن الله جل وعلا. قالوا: والنفاس كالحيض بالإجماع، أي أن المرأة النفساء إذا طهرت يجب عليها الغسل كما يجب على المرأة الحائض إذا طهرت من حيضها. قالوا: أما الموت، قالوا: الخامس، الموت، لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث غسل ابنته زينب حين توفيت: «اغسلنها». كما في الصحيحين من حديث أم عطية، أي حينما غسلت أم عطية ومن معها من النساء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك». الحديث. فقوله صلى الله عليه وسلم: «اغسلنها» فعل أمر، والأصل في الأمر أنه للوجوب، ولا صارف له عن هذا الوجوب، فيكون من المواطن التي يجب فيها الغسل غسل الميت. قالوا: وقال -أي النبي صلى الله عليه وسلم- في المحرم: «اغسلوه بماء وسدر». كما في الصحيحين أيضاً من حديث ابن عباس رضي الله عنهما في الرجل الذي وقصته دابته فمات، أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابيين أن يغسلاه بماء وسدر، فقال: «اغسلوه بماء وسدر». وهذا أمر، والأصل في الأمر أنه للوجوب. قال: وذلك تعبداً، لأنه لو كان على حدث -أي لو كان الميت على حدث- لم يرتفع مع بقاء سببه، لأنه لو كان على حدث -أي كان الميت على حدث- لم يرتفع مع بقاء سببه. فالحاصل أن غسل الميت تعبدي، ليس لأنه على حدث أصغر ولا أكبر، بل هي عبادة كبقية العبادات. قال: المسألة الثانية، في صفة الغسل وكيفيته، أي ما هي الصفة التي إن فعلها العبد فقد قام بالغسل المشروع. قالوا: للغسل من الجنابة كيفيتان: كيفية استحباب، وكيفية إجزاء. استحباب، أي مستحبة، يؤجر العبد على فعلها. وكيفية إجزاء، أي أنها مجزئة، إذا اغتسلها العبد يكون قد قام بما يجب عليه من الغسل. قالوا: أما كيفية الاستحباب -أي الكيفية المستحبة، والمستحب يؤجر الإنسان على فعله، يثاب على فعله، ولا يعاقب على تركه، وهذا باعتبار ثمرة ذلك الفعل المستحب- قالوا: فهي أن يغسل يديه، ثم يغسل فرجه وما أصابه من الأذى، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة. هذا الوصف كما سيأتي معنا على مقتضى حديث عائشة الذي في الصحيحين، وجاء في حديث أم سلمة أيضاً في الصحيحين بنحو حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها. وفيه: أن أم سلمة رضي الله عنها قالت: «فأفرغ -أي رسول الله صلى الله عليه وسلم- بيمينه على يساره، فغسلهما» -غسل الكفين- يعني: صب له في إناء، فأخذ الإناء، غرف بيمينه على شماله، فغسل يديه. قالت أم سلمة رضي الله عنها: «ثم غسل فرجه» -أي أن يغسل الأذى الذي في الفرج- قالت: «ثم ضرب بيده الأرض، فمسحها بالتراب». الشاهد: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن غسل فرجه ضرب بيده على الأرض، وكانت الأرض من تراب، من أجل ماذا؟ قال: «فمسحها -أي مسح الأذى- بالتراب». ففيه استحباب: إذا غسل الأذى يمسح على يديه بالتراب. ولهذا: باب الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه، فقال: «باب مسح اليد بالتراب ليكون أنقى». فيكون هذا الأمر من الصفات المستحبة، فيدخل فيه أيضاً أنه يستحب له أن يغسل يديه بأي شيء: بالصابون وبنحوه، بعد أن يغسل فرجه، أن يغسل يده بالصابون أو بنحوه من أشياء منقية التي تنقي اليد من الأذى. ثم بعد ذلك يتوضأ وضوءه للصلاة، فيستحب للإنسان بعد أن يغسل يديه، ثم يغسل فرجه، ثم يغسل يديه مرة ثانية -كما سمعتم- إما بالتراب وإما بصابون أو نحوه، بعد ذلك يتوضأ وضوءه للصلاة، أي كوضوء للصلاة بالصفة المذكورة سابقاً في صفة الوضوء للصلاة. قالت عائشة رضي الله عنها: «ثم يأخذ بيده ماء فيخلل به شعر رأسه، مبللاً أصابعه في أصول الشعر حتى يروي بشرته» -أي يأخذ الماء من ذلك الإناء فيخلل به شعر رأسه- حتى يرى ويظن أن الماء قد تخلل ودخل إلى الشعر ووصل إلى بشرته. قالت عائشة: أو جاء في الحديث: «ثم يحث على رأسه ثلاث حثيات، يحث على رأسه ثلاث حثيات». وفي بعض الروايات: كما جاء في حديث أم سلمة: «حفنات». والحفنات كالحثيات: ملء الكفين بيد الإنسان المعتدل. قال: «ثم يحث على رأسه ثلاث حثيات، ثم يفيض الماء على سائر بدنه». وكذلك يبدأ بالشق الأيمن ثم الشق الأيسر. فنستفيد من هذا: أن الإنسان إذا اغتسل -مثلاً- من الجنابة، أول ما يبدأ: يغسل يديه، ثم يغسل فرجه، ثم يغسل يديه مرة ثانية، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، بعد أن يفرغ من وضوءه للصلاة يبدأ فيحفن ثلاث حفنات على رأسه، بعد أن يدخل أصابعه في فروة رأسه، يحفن على رأسه ثلاث حفنات بالماء، ثم يأخذ الماء فيصب على شقه الأيمن -كما جاءت في ذلك بعض الروايات- ثم على شقه الأيسر. وسواء غسل رجليه عند الغسل ابتداء مع الوضوء أو غسلها بعد الغسل، كل ذلك قد ثبت عنه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قالوا: أما كيفية الإجزاء -أي الكيفية المجزئة- قالوا: فأن يعم بدنه بالماء ابتداء مع النية، لحديث ميمونة. قولهم: «وأما كيفية الإجزاء فأن يعم بدنه بالماء ابتداء مع النية». وها هنا نبه على مسألة النية، لماذا؟ لأن هذه الهيئة تحتاج إلى ماذا؟ إلى أن ينوي الإنسان أنه أراد غسل الجنابة. بخلاف الصفة الأولى، فالصفة مشعرة بنية الغسل للجنابة ونحوها، لأنه يغسل يديه ثم فرجه ثم يديه ثم يتوضأ ثم يدخل أصابعه في أصول رأسه إلى آخر ما ذكر، فالهيئة المفصلة تدل على أن الإنسان نوى الغسل الشرعي. بخلاف الصفة المجزئة، فإن الإنسان قد تختلط فيه النية بنية المباح، كالغسل للتبرد، الاستحمام ونحو ذلك، لذا هاهنا نبه على أمر النية: أن الإنسان إن نوى أن يغتسل غسلاً مجزياً -أي بأن يفرغ الماء على بدنه مباشرة دون وضوء، دون أي مقدمات- يشرع له ذلك، لكن مع النية، نية الغسل، أن ينوي أن يغتسل من الجنابة أو نحوها، عن المرأة إن كانت من الحيض أو النفاس أو ما شابه ذلك. قالوا: لحديث ميمونة: «وضع أو وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجنابة، فأفرغ على يديه فغسلهما مرتين أو ثلاثاً، ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه، ثم أفاض الماء على رأسه، ثم غسل جسده، فأتيته بالمنديل فلم يردها، وجعل ينفض الماء بيده». ومثله حديث عائشة، وفيه: «ثم يخلل شعره بيده حتى إذا ظن أنه قد روى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده». وأصرح من ذلك وأوضح من ذلك في الدلالة على هذا المعنى ما جاء في صحيح البخاري، ما جاء في صحيح البخاري من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه وأرضاه، في الرجل الذي أصابته جنابة ولا ماء، وأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ، ثم لما وجدوا الماء من مزادة تلك المرأة المشركة، أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم -في بعض الرواية- قال: «ذنوب من ماء»، وفي بعض الرواية: «إناء من ماء»، أعطاه وقال له: «أفرغه على جسدك». وفي رواية: قال له: «اذهب فأفرغه عليك». ففيه دلالة على أن المجزئ في غسل جنابته أن يأخذ الماء ويفرغه عليه. فإذا أخذ الإنسان -كما يقال في أيامنا هذا- سطلاً من الماء صغير، فصبه على رأسه، فعمم الماء على الجسد كله، فإنه مجزئ، أو إنسان قفز في بركة ونوى به الغسل، نوى أن يغتسل من الجنابة، قفز في بركة أو في بحر، نوى الجنابة أن يغسل الجنابة، فقفز في البركة، هذا كذلك يكون مجزئاً له، لأنه عمم جسده بالماء مع النية، عمم جسده بالماء مع النية. فهذا دليل واضح لهذه المسألة، أي حديث عمران في قول النبي صلى الله عليه وسلم حينما أعطاه إناء من ماء، قالوا: «اذهب فأفرغه عليك». قالوا: ولا يجب على المرأة أن تنقض شعرها في الغسل من الجنابة، ويلزمها ذلك في الغسل من الحيض، لحديث أم سلمة: قالت: «قلت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضي عليك الماء فتطهرين». وحديث أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها في صحيح مسلم. والحاصل: أن من أهل العلم من يفرق بين غسل المرأة للجنابة وبين غسلها للحيض أو النفاس، فإذا كانت المرأة على جنابة فأرادت أن تغتسل، فيكفيها أن تحث على رأسها الماء ثلاث حثيات، ولو كان رأسها مجدولاً وبه ضفائر، والضفائر معروفة، تعملها النساء في رأسها، تفتل شعرها ضفائر. فهل يجب عليها أن تنقض شعرها إن كان الغسل من الجنابة؟ فلا. ما الدليل؟ الدليل حديث أم سلمة رضي الله عنها، وفيه: «إني امرأة أشد ضفر رأسي» -تعمل ضفائر لرأسها- «أفأنقضه لغسل الجنابة؟» -أي تفتح الشعر- قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات» -تأخذ الماء تغسل به ثلاث حثيات تغسل به رأسها- ولو كان شعرها مجدولاً، ضفائر، ثم تفرغ على سائر جسدها. هذا في غسل الجنابة. أما إذا كانت تغتسل من حيض أو من نفاس، فذهب جماعة من أهل العلم -كالإمام أحمد رحمه الله تعالى وغيره، وهو اختيار العلامة ابن القيم، وطائفة من العلماء- إلى أنها تنقض شعر رأسها، واستدل على ذلك بما رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن امرأة سألته -امرأة حائض- عن كيفية غسل الحائض، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «تأخذ إحداكن ماءها وسدرها، فتطهر فتحسن الطهور، أو فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكاً شديداً، حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء». الشاهد منه: أن النبي صلى الله عليه وسلم في الحائض أمرها أن تدلك رأسها دلكاً شديداً. نكتفي بهذا القدر إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على