كتاب الطهارة 4

كتاب الطهارة 4

الدرس في كتاب الطهارة 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أحكام الوضوء بماء زمزم والماء الذي شربت منه الحيوانات

يتناول هذا الفصل حكم الوضوء بماء زمزم والماء الذي شربت منه الحيوانات الطاهرة، حيث يرى جمهور العلماء جواز الوضوء بهما. يستند هذا الرأي إلى الأحاديث النبوية التي تبين عدم تأثير شرب الحيوانات الطاهرة على طهارة الماء.

تأثير النجاسة على الماء القليل والكثير

يشرح هذا الفصل حكم الماء عند ملامسته للنجاسة، حيث يتناول اختلاف العلماء في حكم الماء القليل والكثير. يبين أن الماء يعتبر نجسا إذا تغير أحد أوصافه الثلاثة: الطعم أو اللون أو الرائحة.

آراء المذاهب الفقهية حول الماء الكثير وتنجسه

يتناول هذا الفصل آراء المذاهب الفقهية حول تفسير القلة والماء الكثير وتأثير النجاسة على الماء. يختلف الفقهاء في تعريف الماء الكثير وتحديد كميته، مع ترجيح قول مالك بأن الماء يتنجس إذا تغير أحد أوصافه.

حكم الوضوء بماء البحر وضوابطه

يجوز الوضوء بماء البحر ما لم يتغير أحد أوصافه الثلاثة، حيث يعتمد الحكم الشرعي على حالة الماء. يبين هذا الفصل الشروط والضوابط لجواز الوضوء بماء البحر.

  • 22 جمادى الآخرة 1442هـ - 04/02/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أجمعين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ويكره الوضوء بماء زمزم عند مالك، وبما شربت منه هرة أو دجاجة مخلاة عند أبي حنيفة. أن دجاجة مخلاة هي التي تأكل العذرة. ومعنى هذه: إذا شربت من الماء يكره الوضوء به. وبما شربت منه هرة، لكن الصحيح خلاف ذلك. فلهذا ذهب جمهور العلماء إلى جواز الوضوء بماء زمزم. فقال بعض العلماء: إن ماء زمزم ماء مبارك وماء معظم، فلهذا لا يغتسل به ولا يتوضأ به. فهذا قياس ليس فيه دليل عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولو كان أرضى القياس، فالماء الذي نبع من أصابع النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيحين، فهو ماء شريف أيضا وماء عظيم معظم، أنه نبع الماء من أصابع النبي عليه الصلاة والسلام، وتوضأ به الصحابة، فهو ماء مبارك. فلهذا فلا دليل على أنه إذا كان ماء مباركا أو ماء معظما أو ماء شريفا لا يتوضأ به ولا يغتسل به. فلهذا في الصحيح جواز الوضوء بماء زمزم، وكذلك أيضا الاغتسال به. وقد جاء أيضا عن العباس أنه قال: «هو للمغتسل» معنى حلال للمغتسل. وأيضا كان معلوما أنه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم أن هناك بئر أخرى أو ماء آخر يتوضأ به في مكة، ليس هناك ماء إلا زمزم. فلهذا فماء زمزم يجوز أن يتوضأ به. وأما ما شربت منه الهرة أو الدجاجة أو غيرها من هذه الطاهرات، فلا بأس به. وقد جاء في حديث عن قتادة: وكان أراد أن يتوضأ، فجاءت زوجة ابنه بكبشة -وهي صحابية- جاءت له بوضوء، فلما رأى الهرة أصغى إليها الإناء حتى شربت، فتعجبت هذه المرأة، فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات». وهذا يدل على أنها طاهرة، فإذا شربت من الماء الذي يتوضأ به، فلا بأس أن يتوضأ به. قال رحمه الله: وإذا كان الماء قليلا تنجس بملاقات النجاسات وإن لم يتغير عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه. وفي الرواية الأخرى عنه: أنه طاهر ما لم يتغير، وهي رواية عن مالك. والمراد طهور الآن. هذه المسألة: وجه هذه المسألة أو تصور هذه المسألة عندنا ماء وقعت فيه نجاسة، مثلا جاء طفل وبال فيه، أو سقطت حمامة في ماء فماتت، أو شيء من هذه الحشرات أو الحيوانات سقط في الماء فمات، وهذا الماء قليل. فهنا إذا كان الماء قليلا وسقطت فيه شيء من النجاسات، هل تنجسه؟ هل يكون هذا الماء نجسا؟ قال بذلك الشافعي رحمه الله، الإمام الشافعي يقول بهذا، يقول: إن الماء يكون نجسا. وكذلك أحمد وأبو حنيفة، وأحمد هو المشهور عنده في مذهبه روايتان، المشهورة هذه أنه يتنجس إذا كان الماء قليلا. وفي الرواية الأخرى عنه: أنه طاهر ما لم يتغير، أي أنه طهور ليس طاهر وإنما طهور ما لم يتغير أحد أوصافه الثلاثة: الطعم واللون والريح. فلهذا جاء حديث بسعيد: لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن بئر بضاعة، وأن بئر يلقى فيها الحيض والنتن -والحيض معنى الخرق التي تستعملها النساء، والنتن معنى الأشياء النتنة من الحيوانات ومن غيرها- قال عليه الصلاة والسلام: «الماء طهور لا ينجسه شيء». جاءت رواية في سنن ابن ماجة: «إلا ما غير لونه وطعمه وريحته»، لكنها رواية غير صحيحة. لكن العلماء أخذوا بها، كما ذكر الإمام الشافعي رحمه الله أنه أخذ بها، وإن لم تصح. وذكر ذلك البيهقي وابن المنذر وجماعة من العلماء ذكروا أن هذه الزيادة وإن لم تصح، لكن أخذها العلماء واعتبروها. يعبر عن النجاسة إذا تغيرت هذه الأوصاف الثلاثة في الماء إذا كان كثيرا، فهذا مجمع عليه. إذا كان الماء كثيرا وتغيرت هذه الثلاثة الأشياء أو تغيرت شيء من هذه الثلاثة الأشياء، فهذا نجس. وكذلك أيضا إذا كان الماء قليلا وتغير أحد أوصافه الثلاثة أيضا يكون نجسا عند الجميع. لكن اختلفوا في مسألة واحدة: وإذا كان الماء قليلا والنجاسة سقطت فيه، والماء قليل. والصحيح في هذه المسألة: أن الماء إذا لقيته نجاسة فغيرت أحد أوصافه الثلاثة: طعمه أو ريحه أو لونه، نحكم على هذا الماء بأنه نجس. فإذا لم يغير أحد أوصافه الثلاثة، فليس بنجس. هذا هو المذهب الصحيح. بعض الناس مثلا الآن في الدراسات يدرسون أن الماء ليس له لون ولا طعم ولا رائحة، فهل هذا الكلام صحيح؟ نقول: الماء له لون معروف، لونه لون الماء، وطعم، وله طعم أيضا إما يكون حلوا أو يكون مرا أو يكون مالحا، له طعم. وكذلك الماء أيضا له رائحة، الماء أيضا له رائحة خاصة به، ليست هي حلوة أو ليست هي رائحة مثلا من هذه الروائح المعروفة المشهورة، لكن له رائحة يعرف أنه ماء. فإذا تغيرت هذه الرائحة، جاءت رائحة شيء آخر، معنى جاءت رائحة بول أو جاءت رائحة نتن شيء كأنه سقط ومات في هذا الماء، تتغير رائحة الماء. فإذا تغيرت أحد أوصافه الثلاثة: الرائحة والطعم واللون، يكون هذا الماء نجسا، لا يجوز أن يتوضأ به، ولا أيضا يرفع الحدث، ولا يزيل الخبث. قال: والمراد بالقليل عند الشافعي دون القلتين. معنى قليل، عبرة بالقليل. أشل مراد بالقليل؟ لما يقولون: إذا كان ماء قليلا تنجس، الشافعي رحمه الله الإمام الشافعي يقول: إذا كان دون القلتين فهو قليل، وما كان قلتين فأكثر فهو كثير. وهذا قاله رحمه الله تعالى في الأم وغيره. وهم الشافعية يفسرون القلة بأنها الجرة العظيمة، الجرة العظيمة مثل التي تصنع من الفخار أو من الطين الكبير، كان يسمونه زيرا، والصغير يسمونها جحلة. فهذه الجرة الكبيرة خاصة التي مثل قلال هجر، هجر هذه منطقة قرب مكة، عندهم قلال كبيرة، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل الجنة: «رأيت بقرة كقلال هجر»، قلال هجر معنى كبيرة. فالشافعي رحمه الله يرى أن القلة مثلها قلال هجر كبيرة، حتى يرى أنها خمسمائة رطل، خمسمائة رطل معنى الواحدة، فمعنى قلتين أي ألف رطل. قالوا: عند أبي حنيفة ما لم يبلغ عشرة في عشرة، أي في المسافة، عشرة أذرع بعشرة أذرع، إذا بلغت البئر التي فيها الماء عشرة أذرع بعشرة أذرع، فيقولون: إنه يكون ماء كثيرا. وإذا كان أقل من هذا يكون ماء قليلا. قال: وهما خمسمائة رطل بغدادي تقريبا، فلا يصح عند الشافعي وعند الإمام أحمد أربعمائة رطل، معنى كلاهما خمسمائة رطل بغدادي. ومعنى ذكر المعلق بالجرام، معنى كم تكون بالجرام؟ إذا كانت خمسمائة رطل على حسب ما ذكر العلماء فيه أي في الرطل، لأن الرطل مختلف فيه كم هو؟ هل الرطل خمسة معنى هل الرطل مد وثلث أم مدين؟ بعضهم يقول: المدين، المد الواحد رطل وثلث، والمدين رطلين، إذا كان من الماء عند الحنفية رطلين، سواء كان من الماء ومن غيره. وعند بعض الحنابلة يفرقون بين الماء، فيقولون: المد من الماء رطلان، فالرطل الظاهر أنه أربعمائة وخمسون أو خمسمائة وأربعون، معنى بالجرام خمسمائة وأربعون جراما الرطل الواحد. قال مالك: ليس للماء الذي حلته النجاسة حكم حتى ينتهي إليه، فإن تغير طعما أو لونا أو ريحا تنجس، قليلا كان أو كثيرا. وهذا هو الصواب. وقد قلنا من قبل أن قول مالك ما ذكر الشيخ الإسلام في المياه وهو أولى المذاهب، قول مالك أفضل المذاهب في المياه. وفي البيوع كذلك، وهذا القول هو القول الصحيح والذي اختاره الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وابن القيم، وجماعة من العلماء كذلك. الشيخ ابن عثيمين يرجح هذا على أن الماء إذا حلته نجاسة فإنه ليس له حد، إن تغير تنجس، وإن لم يتغير لا يتنجس، سواء كان كثيرا أو قليلا. قال: وقال أبو حنيفة: إذا اختلط الماء بالنجاسة ينجس، إلا إذا كان كثيرا وهو ما بلغ عشرة في عشرة. فخلاصة المسألة: أنه إذا وقعت النجاسة في الماء، فإن تغير أحد أوصافه الثلاثة تنجس، وإلا فلم يتنجس، يجوز له أن يتوضأ به. فإن شك مثلا يعرف أن هذا الماء بال فيه طفل، لكن لم يتبين، لم تتغير أحد أوصاف هذا الماء، فإن شك مثلا، فكما قال الإمام الشوكاني: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»، أنا أترك هذا الماء وتوضأ بماء آخر. وإلا فالصحيح أنه يجوز أنك تتوضأ بهذا الماء ما لم يتغير أحد أوصافه الثلاثة. والله تعالى أعلم.