الدرس في الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
استعرض المحاضر حديث الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار فانطبقت عليهم صخرة، فدعوا الله بصالح أعمالهم، وكان أولهم من بر بوالديه الشيخين وآثرهما على أهله وماله فانفرجت الصخرة. وبين المحاضر عظمة حق الوالدين في الإسلام مستدلاً بآيات قرآنية تأمر بالإحسان إليهما خاصة عند الكبر والعجز.
أكد المقطع وجوب بر الوالدين وإحسان إليهما عند كبر سنهما، مستدلاً بتحريم القرآن لكلمة «أف» وحديث النبي صلى الله عليه وسلم أن الأم أحق الناس بحسن الصحبة. وضرب المثل بالرجل الصالح الذي آثر والديه على نفسه وولده محذراً من عقوق الوالدين الذي يعد من الكبائر ودليل الخسران.
استعرض المقطع تضحيات الوالدين منذ الحمل والولادة والتربية، محذراً من جحود الأبناء وإساءتهم لوالديهم رغم كل العطاء. وأكد أن بر الوالدين طريق إلى الجنة مستدلاً بحديث نبوي يبين عظمة حقهما وعقوبة من يقصر في برهما، داعياً إلى خفض جناح الذل لهما والدعاء لهما.
اختتم المتحدث بالدعاء أن يجعله الله من البارين بآبائهم وأمهاتهم، ومن الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. كما صلى وسلم على النبي محمد وعلى آله وصحبه، وحمد الله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فحب أن نتذاكر في هذه اللحظات في هذا المجلس الذي نسأل من الله عز وجل أن يجعله علينا جميعًا مباركًا نافعًا خيرًا، حجة لنا لا حجة علينا، حديثًا عظيمًا من أحاديث نبينا المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هذا الحديث هو ما رواه الشيخان البخاري ومسلم رحمهما الله من حديث أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كان فيمن كان قبلكم ثلاثة نفر آواهم المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت عليهم صخرة فسدت عليهم الغار، فقال أحدهم: إنه لن ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله عز وجل بخالص أعمالكم». فقال أحدهم: «اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلًا ولا مالًا، فنأى بي طلب الشجر يومًا فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما، فأتيتهما فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أوقظهما أو أن أغبق قبلهما أهلًا أو مالًا». قال: «فلبث والقدح في يده والصبية يتضاغون عند قدميه» قال: «حتى برق الفجر، فقام فشرب غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت هذا ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه». قال: «فانفرجت الصخرة شيئًا غير أنهم لا يستطيعون الخروج». هذا الأول، إخواني في الله، من أولئك النفر الثلاثة الذين كانوا قبلنا من الأمم، والذين أخبر عنهم النبي عليه الصلاة والسلام حتى نعتبر وحتى نتأسى، لا مجرد نتسلى. قال: هذا الرجل يخبر أن له أبوين شيخين كبيرين، وكان من بره بهما أنه لا يقدم عليهما أهلًا ولا مالًا، وهذا من كمال بره بوالديه وإحسانه إليهما. وحق الوالدين، إخواني في الله، عظيم. ولهذا نجد أن الله عز وجل قد بيّن لنا في كتابه الكريم عظمة هذا الحق، ففي كثير من المواضع يذكر ربنا عز وجل حق الوالدين بعد حقه مباشرة. ومن ذلك ما في قوله سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. انظروا، إخواني في الله، إلى هذا الأدب العظيم الذي أمرنا به ربنا عز وجل أن نكون عليه مع الوالدين. قضاه الله عز وجل من فوق سبع سماوات: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، الإحسان إلى الوالدين، ولا سيما أيها الأحبة في الله إذا صارا كبيرين، ولربما صارا عاجزين عن العمل، بل ولربما عاجزين عن الحركة. فعندها، إخواني في الله، يكونان أحوج ما يكونان إلى هذا العبد، إلى هذا الولد، إلى هذا الابن الذي هو فلذة كبديهما، الذي هو صنيع أيديهما. فهما ربياه، وهما أنفقا عليه، وهما قاما برعايته بعد رعاية الله عز وجل له. فعندها، يا عباد الله، يكونان أحوج ما يكونان إليه في هذه الحالة. ولهذا خص ربنا عز وجل هذه الحالة فقال: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾. كلمة «أف» التي هي اسم فعل بمعنى التضجر والتسخط وعدم الرضا عن هذا القول أو هذا الفعل، وهي وإن كانت كلمة خفيفة على اللسان لكنها عظيمة عند الله عز وجل. وانظروا كيف أن الله عز وجل حرم على الولد أن يقول لوالده أو والدته كلمة «أف»، فمن باب أولى، إخواني في الله، ما هو أعظم وأكبر منها. فالذي يرفع صوته على والديه مسيء ومرتكب لكبير من كبائر الذنوب، والذي ينهر والديه كذلك أيضًا على خطر عظيم. فكيف ببعض الأبناء ممن وصل بهم الحال إلى ضرب الآباء أو ضرب الأمهات، أو لربما سب أبيه أو سب أمه؟ فإن هذا، إخواني في الله، دليل على الخسران والذل الذي يعيشه ذلكم الإنسان. والنبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث أبي هريرة المتفق عليه، لما سئل، سأله رجل: «يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟» قال: «أمك». قال: «ثم من؟» قال: «أمك». قال: «ثم من؟» قال: «أمك». قال: «ثم من؟» قال: «أبوك». فانظروا كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الوالدين هم أحق الناس بالإحسان إليهما. وتعجب كل العجب من حال بعض الناس: إذا كان في المسجد، أو كان في الشارع، أو كان في السوق، فهو حسن الوجه، طيب الكلام، كثير الابتسامة في وجوه الناس، فإذا دخل البيت كأنه شيطان الرجيم والعياذ بالله، لربما لا يسمع منه الوالدان إلا النهر والسب والشتام، ولربما وصل ببعض الأبناء إلى أن يرمي أمه في عرضها ويلمزها في شرفها. فانظروا إلى أين بلغ العقوق ببعض الناس. نعم، هذا المبلغ. فهذا الرجل الذي هو ممن كان قبلنا كان لا يقدم على والديه أحدًا، لا أولادًا ولا زوجة ولا إخوانًا ولا أصدقاء ولا أصحابًا. قال: «فنأى بي طلب الشجر يومًا فلم أرح عليهما حتى ناما». قال: «فحلبت لهما غبوقهما» أي اللبن اللذين كانا يشربانه، فحلب لهما هذا اللبن. فلما أتى ويريد أن يسقي والديه وجدهما نائمين، فظل واقفًا والقدح في يديه، والصبية تحت قدميه يصرخون ويريدون أن يشربوا من هذا اللبن، وهو لا يريد أن يقدم على والديه أحدًا كائنًا من كان. ظل واقفًا حاملًا لهذا القدح في يديه حتى طلع الفجر وهو على هذه الحالة، حتى قام الوالدان فشربا غبوقهما. أين نحن، يا عباد الله، من هذا الخلق ومن هذا الإيثار وتقديم الوالدين على غيرهما من الناس؟ اليوم، لربما يا عباد الله بعض الناس قد يشتري شيئًا من السوق ويفكر كيف أنه يمر بهذا الشيء على أمه وأبيه حتى لا يريانه. لربما اشترى طعامًا، أو اشترى ثيابًا، أو اشترى شرابًا أو نحو ذلك، ولا يريد أن والديه يشاركاه في شيء من ذلك، بينما كان الوالدان يجوعان حتى يشبع، ويعطشان حتى يروى، وهكذا لربما بقي بلا كسوة حتى يكتسي هو أولًا. لكن انظروا كيف أن الجزاء... نعم، لم يكن موافقًا لعطاء الوالدين. همه وشغله الشاغل أنه يرضي زوجته أو أنه يفرح أولاده، وليس هذا محرّمًا، لكن لا يكون على حساب الوالدين. فالوالدان حقهما مقدم، والوالدان هم أحق الناس وأولى الناس بالإحسان إليهما. فانظر، يا عبد الله، إلى ما بذل الوالدان من تضحية ومن عطاء. هذه الأم التي ظلت تحمل هذا الولد تسعة أشهر، يأكل من طعامها ويشرب من شرابها، وكان بطنها له وعاءً ووقاءً، وكان في مأمن. وهكذا لربما مرضت من أجله، ولربما أرهقت وتعبت من أجله. وهكذا كلما اقترب من الولادة، كلما اقتربت هي من الموت، وكلما اقتربت من الهلاك. ولا تسأل، أخي رعاك الله، عن ساعات الولادة وما تعيشه هذه الأم من آلام ومن تعب ومن مشقة. ثم بعد ذلك، بعد أن يخرج، وهي من أسعد الناس وأفرح الناس بخروجه، تظل تربية وترعاه وتحنو عليه حتى يكبر شيئًا فشيئًا، وهي كلما كبر، كلما كبرت فرحتها وسعادتها. ثم بعد هذا، إخواني في الله، بعد أن يقوى، وبعد أن يعمل، وبعد أن يتزوج، وبعد أن يرزق بالأولاد، يقلب لها ظهر المجن، ويعاملها بالإساءة. إخواني في الله، هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ الوالدان باب عظيم لك إلى الجنة. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام يقول، كما في حديث أبي هريرة الذي رواه أصحاب السنن، منهم الترمذي، وصححه الإمامان الجليلان الألباني والوادعي رحمهما الله، قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصلّ عليه، ورغم أنف امرئ أدرك أبويه أحدهما أو كلاهما فلم يدخلاه الجنة، أدرك أبويه أحدهما أو كلاهما فلم يدخلاه الجنة، ورغم أنف امرئ دخل عليه رمضان ثم خرج فلم يغفر له، فلم يغفر له». فيا عباد الله، القيام بأمر الوالدين أمر عظيم. خدمتهما... وأنت يا عبد الله حينما تتذلل بين يدي والديك، أو لربما تنهرك أمك، أو يضربك أبوك، فليس معنى هذا أنك في خسارة، بل إنك في طاعة إذا صبرت واحتسبت أجرك على الله عز وجل. ولهذا قال ربنا عز وجل في الآية السابقة: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. فهذا، إخواني في الله، همسة، وهذه ذكرى لي ولإخواني جميعًا بأن نقوم بحق الوالدين كما أمر الله عز وجل وكما أمر النبي عليه الصلاة والسلام، لا أننا نقابلهما بالإساءة و نقابلهما بالعدوان، السب والشتام. فمما يحزن له القلب، بل ويتقطع، أن يوجد من الأبناء، بل ومما لربما ينتسب إلى السنة وطلب العلم، من يكون حاله مع والديه مثل هذه الحالة المزرية. لربما رفع صوته على والديه، أو نهرهما، أو وصل الحال ببعضهم أن يطعن في عرضها. فنسأل الله عز وجل أن يجعلنا من البارين بآبائنا وأمهاتنا، وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه. إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.