فضائل رمضان

الدرس في فضائل رمضان، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 14 رمضان 1430هـ . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

فضل رمضان وأهمية التقوى في الصيام

يستعرض الخطيب نعمة إدراك رمضان كفرصة للتقرب إلى الله بالطاعات، مستشهداً بآيات وأحاديث تبرز فتح أبواب الجنة وتصفيد الشياطين. ويؤكد أن غاية الصيام هي تحقيق التقوى لا مجرد الجوع، محذراً من أن من لم يترك قول الزور والعمل به فليس له من صيامه إلا الجوع والعطش.

آداب الصيام وفضل العشر الأواخر

يبيّن الخطيب آداب الصيام من كف اللسان عن الرفث والصخب، والرد على الإساءة بقول «إني صائم» مستنداً إلى أحاديث صحيحة. كما يحث على اغتنام العشر الأواخر بالاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في قيام الليل والجود وتلاوة القرآن.

حرص النبي على إحياء ليالي العشر والاعتكاف

يبرز الخطيب حرص النبي صلى الله عليه وسلم على إحياء ليالي العشر الأواخر واعتكافه فيها طلباً لليلة القدر التي هي خير من ألف شهر. ويحث المسلمين على الاجتهاد في الطاعات محذراً من الكسل والتفريط ومذكراً بقصر العمر.

دعاء شامل لإصلاح الدين والدنيا والآخرة

يسأل الداعي الله أن يصلح دينه الذي هو عصمة أمره، ودنياه التي فيها معاشه، وآخرته التي إليها معاده. ويطلب أن تكون الحياة زيادة في كل خير والموت راحة من كل شر مع الصلاة والسلام على النبي محمد.

  • 23 جمادى الأولى 1432هـ - 26/04/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إن من نعمة الله عز وجل على خلقه وعلى عبيده إدراك مثل هذه المواسم العظيمة ومثل هذه الأشهر الكريمة. هذه المواسم يا عباد الله التي هي فرصة عظيمة ودرة نفيسة لا تقدر بثمن. هذه المواسم يا عباد الله التي ينبغي على أهل الإسلام أجمع أن يتسابقوا فيها إلى الطاعات، وأن يسارعوا فيها إلى الخيرات. فهذا مما أمر الله عز وجل به، فقال سبحانه: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾، وقال سبحانه: ﴿سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾، ويقول سبحانه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾، ويقول سبحانه: ﴿وَفِي هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾، ﴿وَفِي هَذَا فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾. أيها المسلمون، أيها المسلمون، عباد الله، إن هذا الموسم العظيم وهذا الشهر الكريم الذي بلغنا الله عز وجل صيامه وقيامه وهكذا فعل الصالحات فيه لهو من نعمة الله عز وجل علينا، ومن فضل الله سبحانه وتعالى علينا. فعلينا يا أيها المسلمون أن نجعل من ذلك محطة لنتزود من الأعمال الصالحات ومن الأجور والحسنات. فإن رمضان يعتبر فرصة عظيمة لمن أدركه وهو على خير، فرصة لكي يغتنم ذلك في الصلاة والصيام، وهكذا الصدقة والزكاة، وهكذا البر والصلة، وهكذا العمرة وغير ذلك من الأعمال الصالحات. إن هذا الشهر يا عباد الله لهو تجارة عظيمة رابحة مع الله عز وجل. نعم، أما من كان قصده الشر وكانت نيته الفساد فليعلم أن رمضان ليس محلا لذلك وليس شهرا لذلك، وينبغي عليه أن يقصر وأن يكف عن الأذى وعن الشر والفساد. وقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين». وفي رواية الترمذي وابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إذا كان أول ليلة من رمضان صفدت مردة الشياطين، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك في كل ليلة، ولله عتقاء من النار وذلك في كل ليلة». أيها المسلمون، عباد الله، إن الله عز وجل قد جعل من رمضان مدرسة عظيمة يتعلم فيها الصائمون الدروس النافعة والأخلاق الكريمة والصفات الحميدة، يتعلمون فيها تقوى الله عز وجل ومراقبة الله عز وجل، يتعلمون الصبر والحلم والرفق والتحمل، وهكذا المسابقة والمسارعة والمبادرة إلى فعل الطاعات والقربات. وكما أن رمضان فرصة عظيمة لكي يتخلص العبد من أوزاره وذنوبه، لكي يتخلص من عيوبه وسيئاته. نعم يا أيها المسلمون، فإن الله عز وجل ما فرض علينا الصيام لكي نجوع ونعطش، ولا لكي نتعب ونرهق، وإنما فرضه لحكمة عظيمة، ألا وهي ما جاء في قوله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. حتى نتحلى بهذا الخلق العظيم ونتزود بهذا الزاد الكبير الذي أمر الله عز وجل عباده المؤمنين بأن يتزودوا منه، فقال: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾، ﴿وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾. إن تحقيق تقوى الله عز وجل في قلوب المؤمنين لهو الحكمة العظيمة التي من أجلها فرض الله عز وجل على خلقه وعلى عبيده صيام هذا الشهر الكريم. ولهذا يا عباد الله، فإن العبد في رمضان ينبغي عليه أن يكون مقبلا على الطاعات، مبتعدا عن المعاصي والمحرمات، فإن هذا هو حقيقة التقوى، وهذه هي الفائدة العظمى من صيام هذا العبد. ولهذا جاء في البخاري من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه. وذلك يا عباد الله لأن الذي لا يزال على قول الزور وهو قول الباطل، وهكذا العمل به الذي هو العمل بالباطل، فليعلم أنه لم يستفد من الصيام ولم يستفد من رمضان حق الاستفادة. ولهذا يا عباد الله، كم من الصائمين من يحرم أجر الصيام، وما ذاك إلا بسبب عدم التورع عن انتهاك الحرمات وفعل المعاصي والمحرمات. ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة أيضا عند الإمام ابن خزيمة وغيره، ويصححه العلامة الألباني رحمه الله، قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش». رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، «ورب قائم يصلي لله عز وجل ليس له من قيامه إلا السهر والتعب». إلا السهر والتعب. وذلك يا عباد الله أن هناك من الصائمين من لربما صائم ولربما لا يصلي الصلاة المفروضة، صائم ولربما تكاسل وتهاون عن أداء بعض الصلوات. وهكذا من الصائمين من لا يتورع عن الغيبة والنميمة، أو عن الكذب وقول الزور أو شهادة الزور. وهكذا أيضا يا عباد الله، إن من الصائمين من لا يتورع عن سماع الأغاني والموسيقى، أو تضييع الأوقات أمام شاشات التلفاز. إن هؤلاء يا عباد الله إذا لم يكن ذلك سببا في إبطال صيامهم فليعلموا أن هذا سبب في نقصان أجر ذلكم الصيام. ولهذا يا عباد الله ينبغي على الصائم أن يكون بعيدا عن المحرمات، أن يكون منتظما على تقوى الله عز وجل التي حقيقتها طاعة الله سبحانه وتعالى بفعل ما أمر به واجتناب ما نهى عنه سبحانه وتعالى. أيها المسلمون، عباد الله، إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يبين لنا أنه على الصائم أن يهذب نفسه وأن يؤدبها، وأن يجعلها تتحلى بمكارم الأخلاق وجميل الصفات. فقد جاء في الصحيحين وهذا لفظ الإمام البخاري رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «يقول الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به». ثم قال عليه الصلاة والسلام: «الصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم. فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم. والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. للصائم فرحتان: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي الله فرح بصومه». فانظر يا عبد الله إلى هذا الأدب العظيم وهذا الخلق الحسن الذي دل النبي عليه الصلاة والسلام أمته عليه وأرشدهم إليه، لا سيما أهل الصيام منهم. قال: «فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب». أما الرفث يا عباد الله الذي هو الكلام البذيء، الكلام الفاحش، فإنه لا يليق بالصائم ولا ينبغي على الصائم أن يكون مرتكبا لذلك. وهكذا أيضا الصخب الذي هو النزاع، وهكذا رفع الصوت بالخصومة ونحو ذلك. قال: «فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فماذا يصنع؟ هل يرد السيئة بالسيئة؟ هل يقاتل؟ هل يسب من سبه؟ لا يا عباد الله، فإن ذلك ليس من أخلاق الصائمين وليس من ثمار الصوم». قال: «فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم». أي أن الصوم يمنعني من أن أقابل السيئة بالسيئة، أو أن أرد بالسباب والشتام أو القتل والمقاتلة على من عاملني بذلك. وليس هذا جبنا وليس هذا ضعفا، وإنما حال كوني صائما، فإن الصوم يمنع من ذلك. أيها المسلمون، عباد الله، إن رمضان لفرصة عظيمة لكي يسارع، ولكي يسابق، ولكي يعمر هذا الصائم وهذا المسلم الأوقات والأعمار فيما يقرب إلى الله عز وجل. اعمل لنفسك يا عبد الله عملا تفرح به يوم تلقى الله عز وجل، يوم يقال للمحسنين: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾. واحذر يا عبد الله أن تودع في صحائف أعمالك وخزائن حسناتك وسيئاتك عملا تحزن من أجله، وهكذا تتحسر من أجله يوم تلقى الله عز وجل، يوم يقال للمسيء، ويقال للمفرط في جنب الله عز وجل، أو يقول المسيء ويقول المفرط: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾، يوم يقول قائلهم: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾. أيها المسلمون، عباد الله، إن نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو الأسوة الحسنة وهو القدوة الطيبة إلى كل خير. فقد كان نبينا عليه الصلاة والسلام من أشد الناس مسابقة وأحرص الناس على فعل الخيرات. نعم، فقد جاء في الصحيحين من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فتقول له أم المؤمنين، أم عبد الله، الصديقة بنت الصديق رضي الله تعالى عنهما: يا رسول الله تفعل كل ذلك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فكان جوابه عليه الصلاة والسلام: «أفلا أكون عبدا شكورا؟ أفلا أكون عبدا شكورا؟». وهكذا أيضا يا عباد الله جاء في الصحيحين من حديث، جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أسرع بالخير من الريح المرسلة. فلرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أسرع بالخير من الريح المرسلة. وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، قال: فأطال القيام حتى هممت بأمر سوء. قيل له: يا أبا عبد الرحمن وما هممت؟ قال: أن أجلس وأدعه، أن أجلس وأدعه. وجاء في صحيح مسلم من حديث أبي عبد الله حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما أنه صلى ليلة مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أي صلاة القيام، قال: فاستفتح بالبقرة، قال: فقلت يركع عند المئة، قال: ثم مضى، قال: فقلت يصلي بها في ركعة، قال: ثم مضى، قال: فقلت يركع بها، قال: ثم استفتح النساء فقرأها، ثم آل عمران فقرأها، قال: وكان يقرأ مترسلا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح الله عز وجل، وإذا مر بآية سؤال سأل، وإذا مر بآية تعوذ تعوذ. قال: ثم ركع فقال: سبحان ربي العظيم، قال: فكان ركوعه قريبا من قيامه، قال: ثم رفع فقال: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، قال: فكان قيامه قريبا من ركوعه، قال: ثم سجد فجعل يقول: سبحان ربي الأعلى، قال: فكان سجوده قريبا من قيامه. فانظر يا عبد الله إلى هذه الهمة العالية، وإلى هذه المسابقة وهذه المسارعة وهذا الحرص الكبير من النبي صلى الله عليه وسلم، الذي قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. نبينا صلى الله عليه وسلم يصنع كل ذلك مع أنه خاتم الأنبياء والمرسلين، مع أنه صاحب الحوض المورود والمقام المحمود والشفاعة العظمى، مع أنه عليه الصلاة والسلام أول من يستفتح باب الجنة فلا يؤذن لأحد أن يدخل قبله، ثم يشفع في أهل الجنة في دخول الجنة. إذا كان هذا حاله مع علو منزلته ورفعة شأنه، فكيف بحالك وحالي يا عبد الله، الذين نحن أحوج ما نكون إلى أن نجعل في صحائف أعمالنا وهكذا موازين حسناتنا أعمالا نفرح بها يوم نلقى الله عز وجل. نسأل الله سبحانه أن يوفقنا جميعا لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، الذي نشهد أنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح لهذه الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، أيها المسلمون، عباد الله، إننا مقبلون بعد أيام ليست بالبعيدة على أيام فاضلة وأيام عظيمة من أيام الله عز وجل، ألا وهي العشر الأخير من رمضان. وهذه الأيام وهذه الليالي كان نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم يجتهد فيها أكثر مما كان يجتهد في غيرها من الليالي. فقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة، من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل العشر، تعني العشر الأخير من رمضان، أحيا ليله، وشد مئزره، وأيقظ أهله. وما ذلك يا عباد الله إلا دليل على الاجتهاد وعلى المسارعة التي كان عليها نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد كان عليه الصلاة والسلام يجتهد في هذه العشر الأخير حتى يحظى، وهكذا تحريا لليلة عظيمة هي خير الليالي، ألا وهي ليلة القدر. هذه الليلة يا عباد الله التي خصها الله عز وجل من بين سائر الليالي بإنزال القرآن فيها. هذه الليلة يا عباد الله التي قد جمعت من المزايا وجمعت من الفضائل والخصائص ما لا يوجد في غيرها من الليالي. ولهذا فقد جعل الله عز وجل العمل الصالح في هذه الليلة خيرا من العمل الصالح في غيرها من الليالي بألف شهر. قال ربنا عز وجل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾. ويقول سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾. ولهذا يا عباد الله ينبغي على المسلمين أجمع أن يهتموا وأن يسارعوا وأن يبادروا إلى فعل الطاعات واغتنام الليالي والأيام، ولا سيما هذه الليالي العشر التي نحن مقبلون عليها، بفعل الطاعات والأعمال الصالحات التي يفرح بها العبد يوم يلقى الله عز وجل. وانظر يا عبد الله إلى حرص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على تحري هذه الليلة، فقد كان عليه الصلاة والسلام من شدة تحريه وشدة حرصه على هذه الليلة يعتكف العشر الأواسط من رمضان، وذلك ظنا منه أن ليلة القدر في العشر الأواسط من رمضان. فلما أخبر عليه الصلاة والسلام أنها في العشر الأخير، قال عليه الصلاة والسلام: «من كان قد اعتكف معي، من كان قد اعتكف معي العشر الأواسط فليعتكف العشر الأخير، فإني أريت ليلة القدر فيها» أو كما قال عليه الصلاة والسلام. فواظب النبي عليه الصلاة والسلام بعد ذلك على اعتكاف هذا العشر الأخير من رمضان. والاعتكاف، والاعتكاف يا عباد الله، سنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم، وشعيرة من شعائر الإسلام. وقد دل الكتاب والسنة، وهكذا إجماع أهل العلم على استحباب هذه العبادة وهذه الشعيرة العظيمة. فقد قال ربنا عز وجل: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. وجاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يعتكف العشر الأخير من رمضان حتى مات، ثم اعتكف أزواجه من بعده. وقد نقل جماعة من أهل العلم الإجماع على استحباب وسنية الاعتكاف في العشر الأخير من رمضان، وممن نقل ذلك الإمام ابن المنذر رحمه الله، وهكذا أيضا النووي وغيرهما من أهل العلم. فينبغي علينا يا عباد الله أن نحرص كل الحرص، وأن نهتم كل الاهتمام باستغلال الأوقات وعمارة الأعمار بالأعمال الصالحات. لا سيما يا عباد الله كما ذكر سابقا أننا مقبلون على هذه الأيام وهذه الليالي العشر الأخير من رمضان، فينبغي علينا أن نجد فيها أكثر من غيرها من الليالي، وأن نعمرها بالأعمال الصالحات أكثر من عمارة غيرها. لكن يا عباد الله، مما يؤسف القلب أن كثيرا من أهل الإسلام يلاحظ عليهم أنه إذا دخل رمضان فإنه يغلب على الجميع الجد والاجتهاد، وهكذا المسابقة والمسارعة إلى فعل الطاعات. فما أن ينقضي وينقضي بعض أيام هذا الشهر إلا وتجد أن الكسل والفتور قد بدأ يدب عند كثير من المسلمين. وهكذا حدث ولا حرج عن أحوال المسلمين في هذه العشر الأخير من رمضان، فإن الكسل وإن الفتور يكون أعظم وأعظم إلا من رحم الله عز وجل. تجد أن الواحد لربما يضيع عددا ولربما جميع هذه الليالي العشر إما في التجول في الأسواق والتنقل من محل إلى آخر ومن دكان إلى آخر. نعم، ومن الناس من يقضي هذه العشر الأخير من رمضان أمام شاشات التلفاز إما على أغنية وإما على مسلسل وإما على كرتون وإما على غير ذلكم مما يحاربنا به أعداؤنا من اليهود والنصارى وغيرهم. أيها المسلمون، عباد الله، علينا أن نتذكر أن هذه نعمة، وأن النعم نحن مسؤولون عنها ومحاسبون عليها بين يدي الله عز وجل يوم نقف بين يدي الله فيسألنا عن ذلك ويحاسبنا على ذلك. فاحذر يا عبد الله، فاحذر يا عبد الله من أن تكون ممن حرم الخير في هذا الشهر وحرم الخير في ليلة القدر. نعم أيها المسلمون، عباد الله، وقد قال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في حديث عبد الله بن بصر عند الإمام الترمذي رحمه الله تعالى، قال عليه الصلاة والسلام: «خير الناس من طال عمره وحسن عمله». خير الناس من طال عمره وحسن عمله. فأنت يا عبد الله يوم أن يبلغك الله عز وجل هذه المواسم وهذا الشهر الكريم، فاعلم أن ذلك من الخير العظيم الذي أراده الله عز وجل بك. لكن إذا اغتنمت ذلك في الأعمال الصالحات، وهكذا عاما بعد عام وشهرا بعد شهر، هذا كله يا عباد الله يجعل العبد يكون أكثر مسارعة وأكثر مسابقة ومبادرة إلى فعل الخيرات. وكذلك أيضا أيها المسلمون، ليعلم الواحد منا، ليعلم الواحد منا أنه ليس عندنا ضمان وليس عندنا عهد من الله عز وجل أننا نكمل ما تبقى من هذا الشهر، فكيف بأعوام قادمة؟ ولهذا يا عباد الله، إن السعيد من اتعظ بغيره. فانظر إلى أحوال كثير من المسلمين ممن أدركوا معنا رمضان الماضي، وها نحن ذا في هذا الشهر، فأين هم؟ لقد أصبحوا من سكان المقابر، لقد انتقلوا من حال إلى حال آخر، وهم السابقون ونحن إن شاء الله بهم لاحقون. وهكذا يا عباد الله، ليس عندنا عهد وعندنا ضمان أننا نكمل هذا اليوم، فعلام يا عباد الله التسويف؟ وعلام يا عباد الله التفريط؟ وعلام يا عباد الله الكسل وعدم الجد والاجتهاد في طاعة الله عز وجل؟ هذه فرصة، وهذه نعمة، وهذا فضل كبير من الله عز وجل ينبغي علينا أن نستغله وأن نستعمله فيما يقربنا من ربنا عز وجل. أسأل الله العلي القدير بمنه وفضله وإحسانه أن يجعلني وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل اللهم الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.