الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 239، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
سؤال الله العافية في الدنيا والآخرة يعني طلب السلامة من الآفات والشرور والفتن، وقد أوصى النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الدعاء في صباحه ومسائه. العباس بن عبد المطلب سأل النبي أن يعلمه شيئا يسأل الله به فكان الجواب بسؤال العافية.
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الدعاء بالبلاء وأرشد بدلاً من ذلك إلى الدعاء بالحسنة في الدنيا والآخرة والوقاية من عذاب النار، وكان هذا الدعاء من أكثر دعاء النبي. الرجل الذي سأل الله البلاء ليؤجر نُصح بأن يغير دعاءه.
زيارة المريض ودعاؤه بالشفاء من الأفعال التي حث عليها النبي، وقد يكون شفاء المريض بسبب دعوة صديق أو زائر. النبي زار رجلاً مريضاً ودعا له بالشفاء، مشيراً إلى أهمية هذا الفعل.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: حدثنا فروة، وهو ابن أبي المغراء، واسمه معدي كرب، وهو صدوق، قال: حدثنا عبيدة وابن حميد الكوفي، أبو عبد الرحمن، معروف بالحذاء، صدوق نحوي، ربما أخطأ، قال: عن يزيد بن أبي زياد، وهو القرشي الهاشمي مولاهم، ضعيف، كبر فتغير، صار يتلقن، وكان شيعيا، قال: عن عبد الله بن الحارث، وهو عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي، وهو ثقة، عن العباس بن عبد المطلب، وهو العباس بن عبد المطلب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قلت يا رسول الله، علمني شيئا أسأل الله به، قال: يا عباس، سل الله العافية. ثم مكث ثلاثا، ثم جئت، فقلت: يا رسول الله، علمني شيئا أسأل الله به، فقال: يا عباس، يا عم رسول الله، سل الله العافية في الدنيا والآخرة. الحديث بهذا السند ضعيف، لكن له شواهد يصح بها، وقد صححه الشيخ الألباني رحمه الله كما في الصحيحة. وفي هذا الحديث سأل العباس بن عبد المطلب النبي عليه الصلاة والسلام أن يعلمه شيئا يسأل الله به، فعلمه النبي عليه الصلاة والسلام أن يسأل الله عز وجل العافية، ثم أتاه بعد ذلك وسأله، فكرر عليه النبي عليه الصلاة والسلام نفس الجواب، وحثه على سؤال العافية في الدنيا والآخرة. والعافية كما مر معنا هي السلامة من الآفات والشرور، وكذلك البلاء والفتن، إلى آخر ذلك، العافية في البدن، وفي السمع، وفي البصر، العافية في الدين، والعافية في الدنيا، العافية في الأهل والأموال والأولاد، إلى آخر ذلك. فإنك تسأل الله عز وجل أن يعافيك، وأن يبعد عنك الشرور والآفات، فهذا من الخير العظيم الذي يوفق له العبد إذا عافاه الله سبحانه وتعالى، فهي كنز عظيم. لهذا أوصى به النبي عليه الصلاة والسلام، والمعافى في الآخرة أي أن يعافيك الله سبحانه وتعالى من أهوال يوم القيامة، وأن يسلمك من شرورها، وأن ينجيك من النار ويدخلك الجنة. وكان النبي عليه الصلاة والسلام يسأل الله عز وجل العافية في صباحه ومسائه، فقد كان من هديه عليه الصلاة والسلام أنه يقول في الصباح والمساء: اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي. هذا من أذكار الصباح والمساء الذي كان يواظب أو يلازم النبي عليه الصلاة والسلام هذا الدعاء، كما جاء في السنن من حديث ابن عمر. فسؤال العافية أمر عظيم ينبغي أن يهتم به المسلم، وأن يسأل الله عز وجل العافية حتى في القتال ولقاء الأعداء. كان النبي عليه الصلاة والسلام يوصي أصحابه أن يسألوا الله العافية، كما جاء في الصحيحين، حيث قال عبد الله بن أبي أوفى: إن النبي عليه الصلاة والسلام قال: لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف. فالمسلم يسأل الله العافية، فإذا ابتلي ببلاء أو بمصيبة فإنه يصبر ويتحمل، وحينئذ إذا صبر ينال الأجر والثواب، لكن لا يتمنى البلاء ولا يسأل كذلك المصائب، بل يسأل الله سبحانه وتعالى العافية. ولهذا أتبع الإمام البخاري رحمه الله هذا الباب الذي فيه سؤال العافية بباب من كره الدعاء بالبلاء، فقال رحمه الله: باب من كره الدعاء بالبلاء. قال: حدثنا أحمد بن يونس، وهو أحمد بن عبد الله بن يونس التميمي اليربوعي، ثقة، حافظ، وكان ينسب إلى جده، وهو يونس، قال: حدثنا أبو بكر، وهو ابن عياش الأسدي الكوفي الحناط المقرئ، مختلف في اسمه، ذكر الحافظ رحمه الله عشرة أقوال في اسمه، قال: والصحيح أن اسمه كنيته، قال: عن حميد، وهو ابن أبي حميد الطويل، قال: عن أنس، وهو ابن مالك، قال: قال رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم إني لم تعطني مالا فأتصدق به، فابتلني ببلاء يكون فيه أجر، فقال: سبحان الله، لا تطيقه، ألا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وهذا الحديث صحيح، وهذا الدعاء الذي في الحديث: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، قد ثبت في الصحيح من حديث أنس أنه كان من أكثر دعاء النبي عليه الصلاة والسلام. فهنا هذا الرجل قال عند النبي عليه الصلاة والسلام: اللهم إني لم تعطني مالا فأتصدق به، يعني أتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى، وأنفقه في وجوه الخير كما يفعل أهل الأموال، قال: فابتلني ببلاء يكون فيه أجر، سأل الله عز وجل أن يبتليه ببلاء حتى يؤجر، فهو يريد الخير ويريد الأجر، فسأل هذا السؤال. سأل الله عز وجل أن يبتليه لأن البلاء إذا نزل بالإنسان فصبر أجر، وكان سبب في تكفير ذنوبه وسيئاته ومحو خطاياه ورفع درجاته. فلما قال ذلك، قال النبي عليه الصلاة والسلام: سبحان الله، لا تطيقه، أي لا تطيق البلاء، فقد ينزل البلاء بالإنسان فلا يتحمله، فيكون عليه وبال، ربما يتسخط ويتشكى وهكذا، كذلك ينقلب على عقبيه ويفتن في دينه أو في دنياه. فلذلك لا يسأل البلاء، بل يسأل الله عز وجل خير الدنيا والآخرة، ولهذا قال له: ألا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، فهذا خير من أن يسأل المرء ربه البلاء. فتسأل الله عز وجل أن يؤتيك في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، يعطيك في الدنيا حسنة بما يكون من توفيق الله عز وجل لك لفعل الطاعات وترك المحرمات، فتكفر عنك ذنوبك وترفع لك درجاتك، وفي الآخرة حسنة بأن تكون من أهل الجنة، ويقيك الله عز وجل عذاب النار. وكان هذا من أكثر دعاء النبي عليه الصلاة والسلام، لأنه دعاء شامل لخير الدنيا والآخرة. فالدنيا تشمل كل ما في الدنيا من أهل ومال وولد وصحة وعافية ومسكن ومأكل ومشرب إلى آخر ذلك من أمور الدنيا، تسأل الله عز وجل الحسنة منها، وفي الآخرة كذلك يشمل كل أمور الآخرة منذ أن تموت إلى أن تدخل القبر إلى أن تبعث، ويكون كذلك ما يكون في الآخرة من أهوال، فإنك تسأل الله عز وجل الحسنة في الآخرة. وهكذا سؤال الوقاية من عذاب النار، فإذا وقاك الله عز وجل عذاب النار كنت من أهل الجنة، وهي غاية النعيم، وكذلك أيضا كمال ما يسعى له المسلم والمؤمن، فيكون لك في ذلك خير الدنيا والآخرة، وهذا خير من يسأل المرء البلاء. قال: حدثنا أحمد بن يونس، قال: حدثنا زهير وابن معاوية، أبو خيثمة الكوفي، قال: حدثنا حميد، وهو ابن أبي حميد، قال: عن أنس، قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم على رجل قد جهد من المرض، يعني تعب وأصابه الجهد والتعب والمشقة، قال: فكأنه فرخ منتوف، تعرفون الفرخ، صغير من الطير الذي قد نتف ريشه، فتراه في غاية ماذا من الهزال والضعف، يريد أنه في غاية من الضعف بسبب هذا المرض. قال: أدعو الله بشيء أو سله، يعني النبي صلى الله عليه وسلم يقول لهذا المريض: أدعو الله بشيء أو سله، قال: فجعل يقول: اللهم ما أنت معذبي به في الآخرة فعجله في الدنيا، قال: سبحان الله، لا تستطيعه أو قال: لا تستطيع، ألا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ودعا له، فشفاه الله عز وجل. وهذا الحديث كذلك صحيح، فهذا الرجل زاره النبي عليه الصلاة والسلام وهو قد تعب من هذا المرض أشد التعب، فعرض عليه أن يسأل أن يسأل الله سبحانه وتعالى، فجعل يقول: اللهم ما أنت معذبي به في الآخرة فعجله في الدنيا، يعني ما كان لي من عذاب في الآخرة فاجعله في الدنيا، فعجله في الدنيا حتى أتعذب به، فسأل العذاب والبلاء لنفسه، ولا شك أن هذا أمر عظيم. فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: سبحان الله، وهذه الكلمة معناها تنزه الله عز وجل عن كل نقص وعيب، فقال: لا تستطيعه أو قال: لا تستطيع، يعني لا تستطيع ذلك إذا أنزل الله عز وجل عليك العذاب، فربما لا تتحمله، فيكون ذلك سبب في وقوعك في غضب الله سبحانه وتعالى، لأنه ربما كما مر لا يصبر، فيقع في الجزع، ويقع كذلك في الشكوى، فيكون هذا البلاء عليه وبال. فلذلك عافاه النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الدعاء العظيم: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ودعا له، فشفاه الله عز وجل. وفي هذا بيان عظيم لتواضع النبي عليه الصلاة والسلام، فهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو عليه الصلاة والسلام العالم والحاكم، ومع ذلك كان يزور أصحابه ويتفقدهم، يزور من مرض منهم، وهو يدل على عظيم حرصه عليهم عليه الصلاة والسلام. وفيه كذلك أيضا أن من زار مريضا فإنه يعينه على تخفيف هذا المرض منه، فيفتح له كذلك أبواب الرحمة، فيقول: اسأل الله عز وجل، ودع الله سبحانه وتعالى بشيء مما ينفعك. وينبغي كذلك للمريض إذا مرض أن يدعو الله سبحانه وتعالى بالشفاء، ولا يسأل الله عز وجل البلاء وزيادة المرض، لأنه قد يقول: المرض مكفر للذنوب، فأنا أسأل الله عز وجل أن يزيد من هذا المرض. لا، المرض صحيح أنه يكفر الذنوب والخطايا إذا صبر الإنسان واحتسب، لكن لا يسأل الإنسان لنفسه البلاء، بل يسأل الله عز وجل العافية، يسأل الله عز وجل العافية. فإن استمر المرض فإنه يصبر ويتحمل، وحينئذ يؤجر، لكن لا يسأل لنفسه المرض والبلاء، بل يسأل الله عز وجل أن يعافيه كما علمنا النبي عليه الصلاة والسلام ذلك. وهكذا كذلك يدعى للمريض بالشفاء، يدعى له بالشفاء، وقد علمنا النبي عليه الصلاة والسلام أن نفعل ذلك إذا زرنا المريض، وقد قال عليه الصلاة والسلام: من عاد مريضا فقال عنده سبع مرات: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك، إلا عافاه الله من ذلك المرض. فالنبي عليه الصلاة والسلام حث على الدعاء للمريض بالشفاء، والشفاء بيد الله سبحانه وتعالى، والله عز وجل هو الذي أنزل الداء، وهو الذي بيده الدواء، ولا يعلم المرء بما يكون شفاؤه، ربما يكون شفاؤه بدعوة دعوة خالصة من صديق أو زائر، فيكون بسببها الشفاء، فلا تبخل أن تدعو للمريض إذا زرته بالشفاء، لعل الله عز وجل أن يقبل دعاءك فيشفيه، والشافي هو الله سبحانه وتعالى، وإذا مرضت فهو يشفين.