الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 207، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه معاوية بن أبي سفيان ويبين معنى الدعاء "إنه لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منع الله". يشير إلى كمال التفويض إلى الله وأن تصريف الأمور بيد الله عز وجل.
شرح معنى قول "لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منع الله" ويعبر عن كمال الإيمان والتوكل على الله. يشير إلى أن كل شيء بإرادة الله وقضائه وقدره وأن الإيمان بقضاء الله وقدره يجعل في قلب المؤمن الطمأنينة.
شرح حديث "لا ينفع ذا الجد منك الجد" ومعناه أن لا ينفع الإنسان سلطانه أو غناه وإنما ينفعه عمله الصالح. يبين فضل التفقه في الدين وأنه علامة على أن الله أراد بالشخص خيرا.
يؤكد على أهمية التفقه في الدين وضرورة طلب العلم الشرعي. يسأل الله التوفيق لطاعته والتفقه في دينه ويبين أن من يريده الله بخير يفقهه في الدين.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»: حدثنا إسماعيل، وهو ابن أبي أويس، قال: حدثني مالك، وهو ابن أنس، إمام دار الهجرة، عن يزيد بن زياد، وهو المدني ثقة، وثقه الإمام النسائي رحمه الله، عن محمد بن كعب القرضي، وهو أبو حمزة، وقيل أبو عبد الله، من حلفاء الأوس، وكان أبوه من سبي قريضة، وهو كعب بن سليم القرضي، وكان ممن لم ينبت، ممن لم يحتلم فترك، ومحمد بن كعب من أفاضل أهل المدينة، قال: قال معاوية بن أبي سفيان على المنبر: ﴿إِنَّهُ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِ مِنْكَ الْجَدُ وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ﴾ سمعت هؤلاء الكلمات من النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الأعواد. قال: وحدثنا موسى، قال: حدثنا عبد الواحد، قال: حدثنا عثمان بن حكيم، قال: حدثنا محمد بن كعب، قال: سمعت معاوية نحوه. قال: وحدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا يحيى، عن ابن عجلان، عن محمد بن كعب، قال: سمعت معاوية نحوه. والحديث صحيح، وأصل الحديث قد جاء في الصحيح في قوله: «لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منع الله ولا ينفع ذا الجد منه الجد»، جاء في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري، وجاء أيضا في الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة. وقوله: «من يرد الله بخير يفقه في الدين»، جاء في الصحيحين من حديث معاوية رضي الله تعالى عنه. وهذا الحديث فيه بيان لهذا الدعاء الذي كان يدعو به النبي عليه الصلاة والسلام: «إنه لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منع الله ولا ينفع ذا الجد منه الجد»، ففيه كمال التفويض الأمور إلى الله سبحانه وتعالى، وأن تصريف الأمور بيد الله عز وجل، فالمنع والإعطاء من الله عز وجل، لا يملك أحد من الخلق إذا أراد الله سبحانه وتعالى أن يعطي عبده شيئا لا يستطيع أحد أن يمنعه. «لا مانع لما أعطيت»، لا مانع لما أعطيت، فإذا أراد الله عز وجل أن يعطي العبد شيئا من متاع الدنيا من مال أو ولد أو غير ذلك، فلا يستطيع أحد أن يمنع ما أراد الله. وهكذا إذا أراد الله سبحانه وتعالى أن يعطي العبد رفعة وأن يعطيه منزلة، فلن يستطيع أحد أن يمنع ما أراد الله سبحانه وتعالى، ولو سعى في هذه الأرض وجمع من جمع من الخلق والناس أن يمنع ما أراد الله لم يستطع ذلك. فالله جل وعلا لا مانع لما أعطاه، لأن العطاء بيده والمنع بيده سبحانه وتعالى. «لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منع الله»، إذا أعطى الله سبحانه وتعالى أحدا من خلقه شيئا لا يستطيع أحد أن يمنعه، أو منع الله سبحانه وتعالى شيئا فلن يستطيع أحد من الخلق أن يعطيه، فالأمر بيد الله سبحانه وتعالى. فالولد مثلا، بعض الناس ربما لا يرزق بولد، فتجده يسعى ربما من عيادة إلى أخرى ومن دكتور إلى آخر ومن بلد إلى آخر يريد الولد، ومع ذلك لا يجده لأن الله سبحانه وتعالى ما أراد إعطاءه، فلن يستطيع أحد أن يعطيه إياه. بل ربما بعض من يضعف إيمانه يذهب إلى السحر والمشعوذين يريد منهم أن يعطوه الولد، وهذا لا شك أنه من الشرك بالله سبحانه وتعالى، ومع ذلك فإنه لا معطي لما منع الله سبحانه وتعالى، فالأمر بيد الله عز وجل، وكل شيء بإرادة الله سبحانه وتعالى. ينبغي أن يجعل وأن يعتقد ذلك العبد في قلبه أنه لا مانع لما أعطى الله ولا معطي لما منع الله، وذلك يجعل في قلب العبد كمال الإيمان والتوكل على الله سبحانه وتعالى. وهكذا الإيمان بقضاء الله وقدره، لأن كل شيء يقع بقضاء الله سبحانه وتعالى وقدره، ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، فإذا أعطى الله سبحانه وتعالى فالله جل وعلا أراد ذلك وقدر ذلك، وإذا منع الله سبحانه وتعالى فكذلك هو قضاؤه وقدره سبحانه وتعالى. فينبغي أن يكون عند العبد الإيمان بذلك بقضاء الله سبحانه وتعالى وقدره، وذلك يجعل في قلب المؤمن الطمأنينة والراحة، يعلم أن الأمور بيد الله سبحانه وتعالى، فلا يصيبه الحزن والضيق والحرج إذا منع ما يريده، لأن الأمر بيد الله سبحانه وتعالى. «لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منع الله»، وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول هذا الدعاء عندما يرفع من الركوع، كما جاء في مسلم من حديث أبي سعيد، كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رفع من الركوع قال: «ربنا ولك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، حق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد». قال الإمام النووي رحمه الله: وفي هذا بيان لفضيلة هذا الدعاء وأنه أحق ما يقوله العبد، وكأن التقدير أحق ما قال العبد: «اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت»، قال: وذلك لما فيه من كمال التفويض إلى الله سبحانه وتعالى، تفويض الأمور لله سبحانه وتعالى، وبيان وحدانية الله عز وجل، وأن الأمر بيد الله، وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله سبحانه وتعالى. قال: «ولا ينفع ذا الجد منه الجد»، وقوله «ذا الجد» ضبط الجيم في قوله «الجد» بالفتح وبالكسر. «الجد والجد» المشهور الذي عليه العلماء المتأخرون والمتقدمون كما قال النووي رحمه الله هو الفتح، هو الفتح «ذا الجد»، وروي بالكسر «ذا الجد» بمعنى لا ينفع ذا الاجتهاد من اجتهاده وإنما ينفعه رحمتك، وهذا ضعفه كثير من العلماء، وذلك أن الشرع حث على الاجتهاد في الطاعة والعمل والعبادة، وأن هذا مما يطلب من العبد أن يعمل، ثم بعد ذلك يدخل الجنة برحمة الله سبحانه وتعالى، وهذه الأعمال سبب. وقيل كذلك معناه بالكسر: لا ينفع الهارب منك هربه وإنما أنت في قبضته، أو العبد في قبضة الله سبحانه وتعالى هو في قبضتك لا مفر له منك. والصحيح كما سمعنا أن الرواية المشهورة هي رواية الفتح، ومعناه: لا ينفع ذا الحظ والغنى والسلطان منك سلطانه، لا ينفع ما عند الإنسان من الحظ والغنى والسلطان، وإنما ينفعه عمله الصالح، كما قال الله جل وعلا: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾، فالذي ينفع الإنسان هو عمله، أما جاهه وسلطانه وماله ومنزلته غير ذلك لا ينفعه، لا تنفعه إلا أعماله. هذا معنى قوله: ﴿وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِ مِنْكَ الْجَدُ﴾. قَالَ: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ﴾، وهذا كذلك دعاء من النبي عليه الصلاة والسلام، وبيان فضيلة العلم والتفقه في دين الله جل وعلا، والفقه والفهم، أي تعلم أحكام الشرع، فهمها من كتاب الله جل وعلا، سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأن من وفق للتفقه في الدين فإن الله عز وجل أراد به خيرا، أراد به خيرا لأنه أولا يسلك سبيل النبي عليه الصلاة والسلام وما بعث به عليه الصلاة والسلام من العلم والهدى. وهكذا يرث ميراث الأنبياء، فإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ولكن ورثوا العلم. وهكذا كذلك يتحصل على الأجور العظيمة التي وردت في فضل العلم والتعلم. ومن ذلك أنه يسلك سبيلا يوصله إلى الجنة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة». وهكذا يرفع الجهل عن نفسه، ويتعبد الله جل وعلا على وجه صحيح بعلم، فيؤدي العبادات كما أمر الله سبحانه وتعالى بوجه صحيح على أفق ما يتعلمه من كتاب الله جل وعلا ومن سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك يستطيع أن يدافع عن دين الله جل وعلا، فإن الجهاد على قسمين: جهاد بالسيف والسنان، وجهاد بالحجة والبرهان، وذلك لا يكون إلا بالعلم والتفقه في دين الله جل وعلا. وكما قال الله جل وعلا: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾، أي بالقرآن، وغير ذلك من الفضائل الكثيرة التي يتحصل عليها من تفقهه في دين الله جل وعلا. فلذلك يعلم أن الله سبحانه وتعالى أراد به الخير. ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ﴾، فنسأل الله سبحانه وتعالى بمنه وكرمه أن يوفقنا لطاعته، وأن يجعلنا جل وعلا ممن تفقه في دينه ابتغاء وجه الله سبحانه وتعالى. إلى هنا والله تعالى أعلم.