الدرس في قبس من السيرة النبوية 27، تابع الحوادث التي تمت له قبل بعثته عليه الصلاة والسلام . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول زواج النبي صلى الله عليه وسلم من خديجة وصفاتها الحميدة، ويرد على اتهامات العلمانيين والمستشرقين. يوضح أن زواجه لم يكن للاستمتاع الجسدي بل لصفاتها.
يناقش أولاد النبي صلى الله عليه وسلم من خديجة، حيث أجمع العلماء على أربع بنات وولد اسمه القاسم، واختلفوا في وجود أولاد آخرين مثل عبد الله والطاهر والطيب.
يستعرض آراء العلماء حول حكمة موت أولاد النبي الذكور وبقاء الإناث، حيث ذهب بعضهم إلى أن في ذلك حكمة لتكملة الفطرة البشرية ومنع الطعن في عرضه.
يشير إلى نهاية الدرس مع الدعاء للنبي محمد صلى الله عليه وسلم والآل و الصحابة، ويعترف بعلم الله تعالى الذي لا حدود له.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فمواصل إخواني في الله، ولازلنا في المبحث الأخير من المباحث المتعلقة بسيرته، وأهم الحوادث التي مرت عليه، عليه الصلاة والسلام، قبل بعثته، وذلك ما كان من زواجه من خديجة. وقد مر معنا كيف تم هذا الأمر، أي من زواجه من خديجة، وذلك بعدما تاجر له عليه الصلاة والسلام بمالها، ثم أعجبت خديجة بأخلاقه عليه الصلاة والسلام بعدما سمعت ذلك من غلامها ميسرة، الذي صاحب نبينا صلى الله عليه وسلم في رحلته الثانية للشام. وتم ذلك الزواج، وكان ذلك بعناية ورعاية الله جل وعلا أن يسر الله لهذا النبي الجليل مثل خديجة، التي سيأتي الكلام عليها مفصلًا مطولًا فيما تعلق ببداية البعثة، وما كان من أمرها من قيامها بحق القيام بما أوجب الله جل وعلا على من أمثالها القيام بحمل أعباء الدعوة. أيضًا مما له تعلق بهذا الباب، وبهذا المبحث، فيه فائدة، أي ما كان من زواجه عليه الصلاة والسلام من خديجة، أن نعلم إخواني في الله أن نبينا عليه الصلاة والسلام لم يرد من زواجه بخديجة ما يسميه البعض الاستمتاع الجسدي، وإنما كان هدفه ومقصده، وعليه الصلاة والسلام، أعلى وأغلى من ذلك. إذ لو كان أراد نبي الاستمتاع ما اختار امرأة تزيد عن عمره أضعافًا مضاعفة. كان عمره عليه الصلاة والسلام عشرين سنة، وكان عمرها أربعين سنة. انظروا إلى البون الشاسع بين الأعمار. فلو أراد نبينا أن يختار الاستمتاع لاختار من كانت دونها بكثير من السنوات. وإنما الذي رغب نبينا في زواجه من خديجة، وما كان من سيرتها المحمودة، في امرأة كانت على شرف، وكانت على وجاهة، وكانت تسمى بالعفيفة، تسمى بالطاهرة بالجاهلية. فلهذه السمات ولهذه الصفات اختارها نبينا من سائر النساء. وفي هذا رد على أقلام الحاقدين من العلمانيين ومن المستشرقين، وهكذا من كان على فلكهم يدور، مما ضعف دينه وقل إيمانه، وأخذ يطعن بهذا النبي الأمين عليه الصلاة والسلام. وحينما يضع يده على موضوع الزواج، هؤلاء الخبثاء من أوجه الطعون التي بها استطاعوا أن يدخلوا إلى المسلمين، الطعن في قواعد الإسلام. أنهم ركزوا هجومهم على بعض مسائل الدين، هناك مسائل في الشريعة قام الكفار من أهل الحقد والحسد والبغضاء يسلطون هجومهم على بعض المسائل من الشريعة، والقصد من هذا الهجوم تشكيك الناس بدين الله جل وعلا، مثل ما تعلق بالعبودية والرق، مثل ما يتعلق بمسائل الجهاد في سبيل الله، وكذلك ما يتعلق بالزواج المبكر، ومن ذلك التعدد، وخاصة ما كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام. يقوم بعض الحاقدين يقول: انظر لنبيكم، تزوج كم، الأولى والثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والتاسعة، انظر ما هذا النبي، أهذا النبي معه رسالة سماوية أم أنه ماذا أراد اللذة البشرية؟ فأخذوا يدندنون على هذا الأصل، وما كان من تعدد عليه الصلاة والسلام. النبي إنما أراد التمتع، وحاشا عن ذلك عليه الصلاة والسلام، حاشا من ذلك. بل انظروا، أراد النبي أن يتمتع، انظروا لزواجه من خديجة، الشاب بلغ من العمر خمسة وعشرين سنة، بعز شبابه وبقوة شبابه وبفتوته، ومع ذلك تزوج في هذا السن بامرأة كبيرة بلغت الأربعين، ومع ذلك تزوجها، ويستمر بها، ويستمر معها، وما تزوج عليها غيرها أحد، ما تزوج عليها أحدًا من النساء، وبقي معها منذ كان عمره خمسة وعشرين سنة حتى بلغ وقارب الخمسين من عمره، وهو معها. بالله عليكم، هذا الرجل يبحث عن التلذذ والتمتع بالنساء كما يدعي هؤلاء الكفار، ومن كان على بوثقتهم من العلمانيين ومن كذلك مستشرقين، جلس مرة معها، كما قال، جل شبابه مرة مع هذه المرأة، وقد كبرت في السن، كبرت في السن عتية من أربعين سنة حتى بلغت ما يقارب فوق الستين، وماتت وهو لازال معها عليه الصلاة والسلام. أين التمتع كما يدعون؟ وهذا سيأتي إن شاء الله في حينه، بعدما ننتهي من حياته ومن سيرته، ننتقل إلى سيرته الذاتية، ونرى ما يتعلق بزواجه، وأن زواجه عليه الصلاة والسلام كانت لغايات محمودة، لغايات محدودة، غايات متعدية، ماذا لغيرها؟ الزواج من الأولى كان لغرض، الزواج من الثانية كان لغرض، الزواج من الثالثة كان لغرض، غرض تشريعي، ماذا استفاد نبينا من هذا الزواج ومن هذا الأنكحة؟ الكثير لدين الله ولدعوة الله، ليس لذاته عليه الصلاة والسلام. الحاصل، نبينا عليه الصلاة والسلام تزوج من خديجة، وكما سمعتم قد عاش معها دهرًا من العمر، وزمنًا من العمر، وسأتي ذلك معنا حتى نقدر بخمس وعشرين سنة، عاش معها خمس وعشرين سنة عليه الصلاة والسلام، حتى ما بعد البعثة. وخلال هذه الفترة رزق نبينا صلاة ربي وسلام عليها منها بأولاد، رزق منها بأولاد. فقام الإجماع، وهذا بالاتفاق لا خلاف فيه، نبينا عليه الصلاة والسلام رزق من خديجة بأربع بنات، رزق من خديجة بأربع بنات، وهذا بالاتفاق، كما ذكر ذلك ابن عبد البر رحمه الله تعالى، وهن زينب، وفاطمة، ورقية، وأم كلثوم. وأما ما يتعلق بالأولاد، قام الإجماع كذلك على نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، رزق بولد وسمي بالقاسم، وسمي بالقاسم، وهذا بالإجماع، وبه جهة أدلة كثيرة تدل على ذلك. ومن ذلك الحديث المشهور، قال عليه الصلاة والسلام: «سموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي». فكان نبيه يكنى بأب القاسم. وهذا الحديث سببه أن نبينا كان مارًا، فسمع رجلًا يقول: يا أب القاسم، فالتفت نبينا، فقال: رجل يقول: ما أعنيك، أعني شخص آخر. فقال نبيه: «سموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي». وطبعًا هذه المسألة الخلافية، ما المقصود بعدم التكني بكنيته؟ فمنهم من ذهب إلى ظاهر النص، وأنه لا يجوز لأحد بعد الرسول أن يتكنى بهذه الكنية، فليتكني أن يحد بأب القاسم. وهذا قول طائفة من العلماء. ومنهم من قال: لا، بل يجوز التكني بأب القاسم، وأن هذا المنع إنما كان في بداية التشريع لأسباب منع التكني بأب القاسم، ثم بعد ذلك نسخ، لوجود طائفة من السلف من تكنى بأب القاسم. والقول الثالث المشهور في هذا الباب هو قول وسط، ولعل من أقوى الأقوال، ولعل الأدلة تدل عليه، وهو المنع من ذلك إنما كان في حق من جمع بين الاسم وبين الكنية، رجل اسمه محمد، وكنيته أب القاسم، هذا ما يكون، هذا ما لا يجمع، لا يجمع بين الاسم وبين الكنية. اسمك محمد، وكنيتك أب القاسم، لا يقع، لا تجمع بين الاسم والكنية. إذا كان اسمك غير محمد، لا بأس أن تتكنى بأبي القاسم. فالشاهد إخواني من ذلك أن نعلم أن نبينا كان له ولد اسمه القاسم، وهذا بالإجماع. ما بعد القاسم تم الخلاف، تم الخلاف من العلماء، هل هناك أولاد غير القاسم؟ منهم من قال: نعم، ومنهم من قال: لا. كثير من العلماء قال: نعم، هناك ولد آخر غير القاسم، وهو عبد الله، وهو قول كثير من العلماء من أهل السيرة والتواريخ، أن النبي رزق بولد اسمه عبد الله. إذن الحصيلة أربع بنات وولدان. وهناك كذلك قول آخر من أهل العلماء قال: هناك الطاهر، هناك ولد اسمه الطاهر. ولكن الصحيح أن العلماء قالوا: الطاهر والطيب هذا عبارة عن ألقاب يلقب بها عبد الله، فالأصل عندنا القاسم وعندنا عبد الله، وهذا عبد الله، وكذلك يسمى ويلقب بالطاهر ويلقب بالطيب. فلو أثبتنا أسماء عبد الله والطاهر والطيب، فإنهما شخص واحد. إذن الخلاصة على قول كثير من العلماء، النبي رزق من خديجة بأربعة أولاد، بأربع بنات وولدان عليه الصلاة والسلام. وطبعًا من حكمة الله جل وعلا أن الذكور من أولاده عليه الصلاة والسلام قد ماتوا وهم في سن الصغر، لم يعش منهم أحد أبدًا. فقالوا: أما القاسم فقد بلغ سنًا، يعني سن الركوب، كما يسمي بعض العلماء سن الركوب على الدابة، في هذا السن من العمر مات القاسم. وأما عبد الله فقد مات وهو طفل، مات وهو طفل. أما ما يتعلق بالبنات فقد كبرن وتزوجن وأسلمن وهاجرن، رضي الله تعالى عنهن. البنات هنا تأتي مسألة: هل لهذه حكمة؟ هل لهذه حكمة من أن الذكور من أولاده عليه الصلاة والسلام يموتون سوى الإناث؟ بعضهم استظهر، قال: نعم، هناك حكم من ذلك. أولًا قالوا: أن نبيًا يرزق بأولاد، هذه الحكمة، يرزق بأولاد مبدئيًا، أن له أولاد كالقاسم وعبد الله، هذا له حكمة من ذلك، الحكمة أن ذلك استكمال الفطرة البشرية، استكمال الفطرة البشرية. نبينا بشر كباقي البشر، والنفس البشرية تطمع بوجود ماذا؟ الذكور يكون من أصلابهم. فهذا كذلك كان من حكمة الله أن جعل نبيه الأولاد استكمالًا ماذا؟ للنفس البشرية. وهكذا قال العلماء، وكذلك الإثبات لرجولته عليه الصلاة والسلام، وعدم الطاعن فيه. لا يأتي أحد يقول: انظر، لا يبيكم هو أبو بنات، ما عنده أولاد أبدًا. يأتي متنقص وينتقص في مقامه عليه الصلاة والسلام، فأعطاه الله الأولاد، أعطاه الذكور، فلا يأتي بعد ذلك طاعن أو غامز أو قادح يطعن في عرضه عليه الصلاة والسلام أو في نسله. بل نسله كان من أكبر ماذا؟ من أعظم النسل، جمع الله له الأولاد، أي الذكور والبنات. هذا ما يتعلق برزق الأولاد. بقي قبض الأولاد، لماذا قبض قبض الأولاد عن نبينا عليه الصلاة والسلام؟ علل العلماء ذلكم بعلل، من هذه العلل قالوا: حتى لا يقع التعظيم في أولاده من بعده عليه الصلاة والسلام، ويكون أولاد الرسول يكون ماذا؟ مدعاة فتنة، يكون مدعاة فتنة لغيرهم. فالآن رسول الله مات وقبض صلاة ربه وسلامه عليه، وترك الذكور من بعده، ما حظ الناس من أولاده؟ التعظيم، التعظيم والزيادة ماذا في قدرهم وحقهم؟ وهذا الذي نراه الآن، نرى ناس دون نسب النبي، دون نسب النبي، والناس قد بلغوا في تعظيمهم المبلغ العظيم، لدرجة الألوهية والربوبية. فكان من حكمة الله جل وعلا أن قبض الذكور وجعل ماذا؟ وأبقى الإناث. ومنهم من قال كذلك في ذلك: إناس وعزاء لمن لا يرزقون بالأولاد، أو من رزق بأولاد ثم ماتوا عنه، يعز بما كان عليه نبينا عليه الصدق السلام. أول النبي لم يعجله ولد، صبر على ذلك عليه الصدق السلام. وتعلمون أن قبض الأولاد عند الرجال أعظم، أي عند الآباء، أعظم من قبض النساء من البنات. قبض الذكور أعظم عند الآباء من قبض الإناث، فقد يجزع أحد الناس، يذكر ويسلى ويعزى بما كان عليه نبينا عليه الصدق السلام. رزق بالولد الأول ثم قبض، والثاني ثم قبض، وما عاش له أحد من الأولاد الذكور، وإنما ما عاش معه وما بعده من نسوة من بناته عليه الصلاة والسلام. فهذا خلاصة ما يتعلق بأمر خديجة. وبهذا نعلم بالإجماع أن خديجة هي أول زوجة تزوجها نبينا عليه الصلاة والسلام، هي أول زوجة، وهذا بالإجماع. وقام الإجماع أيضًا على نبينا ما تزوج عليها أحد، ما تزوج عليها أحد. وهذا كما يقال الخصلة الوحيدة الفريدة التي اختصت بها خديجة من سائر نساء النبي. كل زوجات الرسول كان ماذا؟ لها معها ضرائر، إلا خديجة رضي الله تعالى عنها. وقد أحبها النبي حبًا عظيمًا، حتى كان يقول كما هذا سيأتي إن شاء الله في كلام في دقيق وفاتها ما بعد البعثة. النبي كان يقول: «لقد رزقت حبها». فكان النبي يحبها حبًا عظيمًا، ولكن لما سيأتي من تفانيها، وكذلك من قيامها بحق الدعوة إلى الله جل وعلا، وبما لوقف أمامه وإزاء نبينا صلاة ربي وسلامه عليه. وبذلك ننتهي من أهم الحوادث التي وقعت لنبينا عليه صلى الله عليه وسلم قبل البعثة. وإن شاء الله فيما سيأتي سنتكلم حول البعثة، وذلك الفترة التي نزل فيها الوحي عن نبينا عليه صلى الله عليه وسلم، ومن صاحب ذلك من مسائل وأحداث، وهي كثيرة جدًا. ونتحول من الكلام عن رجل كان بالأمس من بني البشر، محمد بن عبد الله، إلى الكلام عن رجل صح ماذا؟ هو عبد الله ورسوله، نزل عليه وحي السماء، وأصبح مبلغًا، وأصبح ماذا؟ يتكلم عن أمر الدين، وهو الوحي الذي أنزله ربنا من سبع سماواته على نبيه وعلى عبده محمد عليه الصلاة والسلام. إلى هنا، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.