الدرس في مجالس رمضانية 1، ( المسارعة إلى الخيرات في رمضان ). ألقاها
يؤكد الخطيب أن رمضان موسم عظيم يمنحه الله للتقرب بالطاعات، مستدلاً بآيات وأحاديث تحث على المسارعة بالأعمال الصالحة. وينبه إلى خطورة إضاعة أوقاته في اللهو والنوم، داعياً لاستغلاله في الصلاة والقرآن والذكر ابتغاء الأجر والمغفرة.
يحذر المقطع من إضاعة أوقات رمضان بالنوم والكسل، ويؤكد أهمية المسارعة للخيرات اقتداءً بالنبي ﷺ الذي كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه. يستدل بأحاديث تبين حرصه على الصلاة الطويلة وقراءة القرآن بتدبر، داعياً للإكثار من السجود والعمل الصالح.
يشرح أن السجود يشمل الصلاة كلها، ويستعرض قصة ربيعة بن كعب الذي أمره النبي بكثرة السجود لمرافقته في الجنة، وقصة ابن مسعود ومنافسة عمر وأبي بكر في الصدقة. يحث على اغتنام رمضان والمنافسة في الطاعات قبل فوات الأوان.
يختتم المتحدث بدعاء يسأل الله أن يجعلهم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يأخذ بأيديهم إلى كل خير ويجنبهم الشر. ثم يصلي ويسلم على النبي محمد وآله وأصحابه والتابعين، ويختم بالحمد لله رب العالمين.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: ففي مثل هذه المجالس الرمضانية يذكر بعضنا بعضا بأمور نحتاجها جميعا، وما أحوجنا إلى أن نذكر بمثل هذه الأمور المهمة التي يعود نفعها على المسلم في دينه ودنياه، وهكذا في آخرته يوم أن يلقى الله عز وجل فيجازيه على ما عمل وقدم من خير أو شر، ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. مما ينبغي علينا أن نعلمه، إخواني في الله، أن من نعمة الله على خلقه وعلى عبيده أن من عليهم بمثل هذه المواسم العظيمة وهذه الأوقات الفاضلة التي للعمل الصالح فيها مكانة عظيمة وأجور عظيمة. وهذه المواسم ينبغي على أهل الإسلام أجمع أن يسارعوا فيها إلى الخيرات، وأن يسابقوا فيها إلى الأعمال الصالحات. المسلم مطالب دائما وأبدا إلى المسارعة وإلى المسابقة وإلى المبادرة إلى فعل الطاعات، لكن في مثل هذه المواسم كهذا الشهر الكريم ينبغي أن تكون المنافسة أكبر، وأن تكون المسابقة آكد، أشد وأقوى. ولهذا، إخواني في الله، نجد أن الله سبحانه وتعالى في غير ما آية وفي غير ما موضع من كتابه عز وجل يأمرنا بالمسارعة والمسابقة. فمن ذلكم قوله عز وجل: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. وهكذا يقول جل في علاه: ﴿سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾. ويقول تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْعَظِيمُ * إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَٰذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾. ونبينا عليه الصلاة والسلام كذلك كان يأمر ويحث أمته إلى المبادرة والمسارعة إلى فعل الخيرات. فمن ذلكم ما جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا». وفي حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم وعظ رجلا فقال له: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: فَرَاغَكَ قَبْلَ شُغُلِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَشَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ». وهذا يجعلنا، إخواني في الله، نستغل الفرص، وهكذا نستغل مثل هذه المواسم التي ينعم ربنا عز وجل بها علينا، معاشر أهل الإسلام. هذه المواسم يا عباد الله ليست أمرا عاديا وأمرا كما يظنه البعض روتينيا، ولكن يا عباد الله هذه نعمة من الله عز وجل، وهذه النعم يوفق الله عز وجل من شاء من خلقه وعبيده إلى استغلالها واغتنامها. وإلا فانظر يا عبد الله إلى أحوال الناس وطرائقهم مع هذا الشهر الكريم. من الناس من لربما جعل أن أيام وليالي هذا الشهر إما للسهر واللعب، إما على مجالس الضمنة أو الكيرم أو الشطرنج أو الورقة. ومنهم من جعله للسهر أمام شاشات التلفاز، أعداؤنا يعدون لنا البرامج المثيرة المهيجة المشغلة المنفرة عن العمل الصالح، بدلا من القيام وتلاوة القرآن والإكثار من ذكر الله عز وجل، يعتون لنا بمسلسلات وفوازير وغير ذلك من البرامج لكي يشغلون عن عبادة ربنا عز وجل. وهكذا من الناس من لربما جعل من هذا الشهر الكريم موسما لتنوع المأكلات والتلذذ بأنواع المشروبات أو غير ذلك. وهذا ليس بمحرم أن الشخص يأكل أو يشرب في ليالي هذا الشهر الكريم، فقد قال الله عز وجل: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾. لكن يا عبد الله لا ينبغي أن يكون هذا هو همك الأكبر وهذا هو شغلك الأكبر. فلو لاحظ الجميع مثلا في ليالي هذا الشهر الكريم، ابتداء من الليلة البارحة التي هي أول ليالي هذا الشهر الكريم، الناس يصلون لربما صلاة العشاء والتراويح، والناس تضج بهم الأسواق، هذا يريد الحليب، والآخر لربما يريد الشربة، والثالث يبحث عن الجلي وغير ذلك من المطعومات والمشروبات. أولى من هذا كله يا عبدالله أن تغتنم الفرصة، تصلي صلاة العشاء في جماعة، تصلي ما كتب الله لك من صلاة التراويح والقيام، إلى غير ذلك مما ينبغي على المسلم أن يحرص عليه غاية الحرص. وآخرون لربما جعلوا من هذا الشهر موسما للإكثار من النوم، لربما ينام الواحد منهم من بعد صلاة الفجر إن صلاها، ولا يستيقظ إلا لربما بعد صلاة العصر. بل أعلم بعضهم لربما لا يستيقظ إلا قبيل المغرب، يوقظ فيقوم ولربما ركع أربع ركعات لا يذكر الله فيها إلا قليلا، ويجلس على مائدة الإفطار. قل لي بربك يا عبد الله: أمثل هذا عرف قيمة هذا الوقت وهذا الموسم وهذا الشهر العظيم الذي كان نبينا عليه الصلاة والسلام يحثنا إلى استغلاله وإلى اغتنامه بالصلاة والقيام، بالعمرة، بالصدقة، بأنواع البر والإحسان؟ لا يا عباد الله. ولهذا، إخواني في الله، فأمر المسارع إلى الخيرات أمر عظيم. ولهذا ربنا عز وجل لما ذكر جملة من أنبيائه ورسله قال فيهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾. أنبياء، عباد الله، ورسل قد بلغوا مبلغا عظيما ورفعهم الله المنازل العالية، ومع هذا قال الله عنهم إنهم كانوا يسارعون في الخيرات. وهكذا ينبغي أن يكون حال عباد الرحمن وأمة الإسلام، استجابة لأمر الله عز وجل وأمر النبي صلى الله عليه وسلم. نبينا عليه الصلاة والسلام جعله الله لهذه الأمة أسوة حسنة وقدوة طيبة إلى كل خير، كما قال جل وعلا: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. نبينا عليه الصلاة والسلام كان أكثر الناس حرصا على الخير وأشد الناس مسارعة إلى الخيرات والأعمال الصالحات. في الصحيحين من حديث عائشة، وجاء نحوه في الصحيحين كذلك من حديث المغيرة بن شعبة، قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه. انظر: حتى تتفطر قدماه. قالت عائشة: فأقول له: يا رسول الله، تصنع كل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أَفَلَا أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا؟». وجاء في الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة، قال: فقام قياما طويلا حتى هممت بأمر سيء. قيل: يا أبا عبد الرحمن، وبما هممت؟ قال: أن أجلس وأدعه. وفي صحيح مسلم من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه أنه قام مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، يعني يصلي، قال: فاستفتح بالبقرة. قال حذيفة: فقلت: يركع عند المئة، إذا بلغ مئة آية يركع. قال: ثم مضى. قال: فقلت: يركع بها. قال: ثم مضى. قال: فقلت: يصلي بها في ركعة. قال: ثم مضى، فاستفتح النساء، النساء حتى قرأها، ثم آل عمران حتى قرأها: البقرة، ثم النساء، ثم آل عمران، يقرأها عليه الصلاة والسلام في ركعة واحدة. وليس الأمر عند ذلك فحسب. قال حذيفة: وكان يقرأ مترسلا، يقرأ آية آية غير مستعجل. قال: وكان إذا مر بآية سؤال سأل، وإذا مر بآية تعوذ تعوذ، مر بآية فيها ذكر النار وعذاب الله عز وجل يستعيذ بالله من هذا العذاب. وليس الأمر عند ذلك فحسب. قال حذيفة: ثم ركع، فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم. قال: فكان ركوعه قريبا من قيامه. قال: ثم رفع، فجعل يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد. قال: فكان قيامه قريبا من ركوعه. قال: ثم سجد، إلى آخر الحديث، الذي يدلنا على ماذا؟ شدة مسارعة النبي صلى الله عليه وسلم إلى فعل الخيرات وإلى اغتنام هذه الأوقات في الأعمال الصالحات. انظر أخي في الله، النبي صلى الله عليه وسلم هذا حاله وهذا عمله وهذه مسارعته، مع أنه بأبي وأمي هو عليه الصلاة والسلام الذي قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك وهو الذي ختم الله به الرسالة والنبوة، فلا نبي بعده. النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك مع أن الله عز وجل قد آتاه الحوض المورود والمقام المحمود والشفاعة العظمى. النبي صلى الله عليه وسلم هذا حاله وهذه أعماله مع أنه عليه الصلاة والسلام هو أول من يستفتح باب الجنة، يأتي باب الجنة فيستأذن عليه الصلاة والسلام، فيقول الملك: من؟ فيقول: محمد، فيقول الملك: أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك، فيدخل النبي صلى الله عليه وسلم الجنة، ثم يشفع في أهل الجنة في أن يدخلوا الجنة، فيدخلوا بعد ذلك. النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه المشارع إلى الخير والإكثار من العمل الصالح. في صحيح مسلم من حديث ثوبان، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْجُدُ لِلَّهِ سُجْدَةً إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً». والمراد بالسجدة ها هنا هو الركعات التي يركعها العبد مصليا لله عز وجل، فهو من باب إطلاق البعض والمراد به الكل، وهذا أسلوب جار في لغة العرب، إذا كان بذهاب ذلكم البعض يذهب الكل، كقوله عليه الصلاة والسلام، كقوله عز وجل: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾، رقبة، إذا ذهبت الرقبة ذهبت النفس كاملة. وهكذا من حثه عليه الصلاة والسلام ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي فراس ربيع بن كعب الأسلمي رضي الله تعالى عنه. ربيع بن كعب كان رجلا من أهل الصفة، وأهل الصفة هم فقراء المهاجرين ليس لهم بيت وليس لهم مأوى إلا إلى المسجد. ربيع بن كعب كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، فيبيت عنده، فإذا قام عليه الصلاة والسلام من الليل أتاه بوضوئه وحاجته. النبي صلى الله عليه وسلم أراد يوما أن يكافئه، فقال عليه الصلاة والسلام: «سَلْ يَا رَبِيعَةُ، سَلْ يَا رَبِيعَةُ». انظر: رجل فقير، ماذا سيسأل؟ وما هي أكثر أماني الفقراء؟ لا شك البيت الواسع، والمركب الهني، والزوجة الحسنة، والأولاد، إلى غير ذلك. لكن ربيعة رضي الله تعالى عنه كان ممن همه الآخرة وكانت همته عالية، قال: يا رسول الله، أسأل مرافقتك في الجنة. كانوا يفكرون أنهم في الدنيا لا يطيقون فراق النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي في الآخرة مع النبيين، مع المرسلين، وهم في درجة دونه، لا يطيقون فراقه عليه الصلاة والسلام. قال: «سَلْنِي يَا رَبِيعَةُ». قال: أسأل مرافقتك في الجنة. قال: «يَا رَبِيعَةُ، أَوْ غَيْرَ ذَٰلِكَ؟». قال: هو ذلك يا رسول الله، لا يريد غيرها. قال نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ». وهكذا جاء في مسند أحمد كذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم مر هو وأبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب على عبد الله بن مسعود وهو يصلي، وكانت قراءته حسنة، فقال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا طَرِيًّا كَمَا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَأْهُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ»، يعني ابن مسعود. ابن مسعود ركع، ثم بعد ذلك سجد، فجعل يدعو، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «سَلْ تُعْطَهْ، سَلْ تُعْطَهْ». ماذا كان ابن مسعود يدعو؟ كان يدعو فيقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ إِيمَانًا لَا يَرْتَدُّ، وَيَقِينًا لَا يَنْفَدُ، وَمُرَافَقَةَ نَبِيِّكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَعْلَى جَنَّاتِ الْخُلْدِ». انظر: ومرافقة نبيك صلى الله عليه وسلم في أعلى جنات الخلد. عمر رضي الله تعالى عنه سمع ابن مسعود يدعو، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «سَلْ تُعْطَهْ، سَلْ تُعْطَهْ». قال: فأدلجت إليه لكي أبشره بذلك، فلما طرقت الباب، أو قال: فلما سمع صوتي، قال: ما جاء بك في هذه الساعة؟ قال: جئت لأبشرك بما قال النبي صلى الله عليه وسلم. قال: سبقك أبو بكر. قال: سبقك أبو بكر. قال عمر: إن يفعل فإنه سباق إلى الخيرات، فإنه سباق إلى الخيرات. ما استبقنا في شيء قط إلا سبقنا إليه أبو بكر. ما استبقنا في شيء قط إلا سبقنا إليه أبو بكر. انظروا يا عباد الله، هذا الخلق وهذا الأمر تعلمه الصحابة من النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا مما يدل على ذلك ما جاء عند الترمذي وقال: حسن صحيح، من حديث عمر، قال: أمر النبي صلى الله عليه وسلم يوما بالصدقة، فوافق ذلك مالا عندي، هكذا يقول عمر: فوافق ذلك مالا عندي. قال: فقلت: اليوم أسبق أبا بكر، إن سبقته يوما، اليوم أسبق أبا بكر، إن سبقته يوما. قال: فجئت بنصف مالي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يَا عُمَرُ، مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟». قال: أبقيت لهم مثله، أي النصف الآخر. قال: فجاء أبو بكر بماله كله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟». قال: أبقيت لهم الله ورسوله. قال عمر: والله لا أسابقك أبدا. عمر الفاروق يقول لأبي بكر الصديق: والله لا أسابقك أبدا. أين المسابقون في تلاوة القرآن؟ أين المسابقون في الصدقة؟ أين المسابقون إلى العمرة؟ أين المسابقون إلى التراويح والقيام؟ اليوم يصل الناس التراويح، وبعض الناس ينتظر حتى إذا كان آخر الركعات قام وركع معهم. يا عبدالله، أين الهمة العالية؟ أين الرغبة فيما عند الله عز وجل؟ إخواني في الله، هذه فرصة عظيمة وهذا موسم عظيم، لا تدري يا عبدالله أتكمله أو أن الأجل ينزل بك فيحول بينك وبين إكمال هذا الشهر. وإذا أكملته ومن الله عليك بذلك، فلا تدري يا عبدالله أتدرك رمضان الآخر الذي يأتي في العام الآخر، أم أننا نكون من أهل القبور. ولهذا نعتبر بإخواننا وأحبتنا وأصدقائنا الذين أدركوا معنا رمضان الماضي، وهاهم في هذا الشهر الكريم من سكان القبور، أو كانوا ممن هو طريح الفراش لا يقوى على الحركة ولا يستطيع القيام والخروج إلى المسجد. فإخواني في الله، السعيد من اتعظ بغيره، السعيد من اتعظ بغيره. فنسأل الله عز وجل أن يجعلنا جميعا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه. نسأله سبحانه أن يأخذ بأيدينا ونواصينا إلى كل خير، وأن يجنبنا كل شر وضير، وأن يرزقنا الجد والاجتهاد والمسارعة إلى فعل الخيرات، وأن يتقبل ذلك كله منا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.