الخطبة بعنوان خطبة عيد الفطر لعام 1432هـ، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يُحذر الخطيب من تفرق الأمة وتأثير الأعداء عليها عبر المناهج والوسائل الإعلامية، ويشدد على أهمية الوحدة كما جاء في القرآن.
يُحذر المسلمين من مخططات الأعداء ويشدد على التمسك بكتاب الله وسنة رسوله لتحقيق العزة والتمكين.
يجب الاستمرار في الطاعات بعد رمضان وتعظيم شعائر الله والابتعاد عن المخالفات الشرعية والدعوة إلى الله.
المقطع يتضمن دعاءً بقبول الأعمال واتبعه صلاة وسلام على النبي وآله وصحبه، تعبيراً عن الرغبة في رضا الله والعمل الصالح.
اشتركوا في القناة، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس، اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا. يا أيها الذين آمنوا، اتقوا الله وقولوا قولا سديدا، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. معاشر المسلمين والمسلمات، إنا نحمد الله جل وعلا الذي أنعم علينا بما من علينا من شهود هذا اليوم العظيم، عيد الفطر المبارك، هذه الفرحة العظيمة التي نعيشها. معاشر المسلمين والمسلمات، مصداق ما أخبر نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: «للصائم فرحتان يفرحهما: فرحة عند فطره، وفرحة حين يلقى ربه». ونسأله جل وعلا أن يبلغنا تلك الفرحة الكبرى وتلك الفرحة العظمى يوم نلقاه جل وعلا وهو راض عنا. معاشر المسلمين والمسلمات، إن هذا هو الفرح الحقيقي، الفرح بفضل الله جل وعلا وبرحمته. قل: بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا، هو خير مما يجمعون. نفرح عباد الله حيث وفقنا الله جل وعلا لصيام رمضان ولقيامه، هذا الخير العظيم الذي من الله سبحانه وتعالى به علينا. معاشر المسلمين والمسلمات، إن الأمة الإسلامية اليوم وهي تعيش هذه الفرحة، تمر بمراحل صعبة في تاريخ حياتها، ومن منعطفات خطيرة بكثرة الفتن المتتابعة عليها، وبتكالب أعداء الإسلام وتداعيهم عليها، مصداق ما أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام بقوله: «ستداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها». قالوا: من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: «لا، أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة من صدور عدوكم، ويلقي في قلوبكم الوهن». قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت». نعم عباد الله، إن أمم الكفر قد تداعت على هذه الأمة من كل حدب وصوب، يريدون تمزيقها، يريدون سلبها شرفها ومجدها وعزتها وكرامتها. وقد استطاعوا أن يفرقوا أمة الإسلام إلى أقطار وإلى دويلات وإلى جمهوريات. وربنا جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون﴾. وربنا جل وعلا يقول: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾. هكذا أراد أعداء الإسلام أن يفرقوا هذه الأمة شذر مذر. وقد استطاعوا عباد الله، ولم يكتفوا بذلك التفريق، بل فرقوا أمة الإسلام إلى شيع وأحزاب، كل حزب بما لديهم فرحون. وربنا جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون﴾. نعم عباد الله، هذه تخطيطات أعداء الإسلام قد حاكوها من قديم الزمان، وهم اليوم قد استطاعوا تحقيق بعض مآربهم، ويسعون في الآخر. وقد استطاع أعداء الإسلام أن يفسدوا شباب الإسلام وشابات الإسلام عبر مناهج التعليم المستوردة في الجامعات والكليات والمدارس، بثوا في تلك المناهج السم الزعاف وأفكار زبالاتهم، حتى أثر ذلك على أهل الإسلام. فصار كثير من أهل الإسلام يتجهون بأعداء الإسلام في أخلاقهم وفي مناهجهم، بل حتى في قص شعورهم، بل حتى في عقائدهم. كما قال عليه الصلاة والسلام: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه». قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟». وهكذا استطاعوا عبر وسائل الإعلام المرئية من تلفزة وقنوات فضائية وإنترنت أن يضلوا أهل الإسلام وأن ينشروا أفكارهم. وحاكوا ذلك حياكة عظيمة ودبروا لها تدبيرا عظيما. واليوم قد رأوا ما لأجله فعلوا. نعم عباد الله، لأن كثيرا من أهل الإسلام ابتعدوا عن دين الله جل وعلا وعن فهم تعاليمه وأحكامه وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. فصاروا -العياذ بالله- أذنابا لهؤلاء، متميعين لهم على ما هم عليه من الخنى والفحش -العياذ بالله-. واستطاعوا كذلك أن يخرجوا المرأة من قرارها الذي شرفها الله جل وعلا به، باسم التحرر، باسم مساواة المرأة للرجل، باسم المشاركة للرجل. وكأن الإسلام لم يعطها حقها ولم يعطها حريتها حين قال الله جل وعلا: ﴿وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى﴾. وكأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يعط المرأة حقها حين قال: «المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان». احذروا شباب الإسلام من مخططات أعداء الإسلام، واحذروا يا نساء المسلمات من مخططات أعداء الإسلام. قرن في بيوتكن، ذلك شرفكن، وذلك عزكن، ربينا لنا الأجيال، خرجنا لنا الأبطال الصادقين، أبطال الكتاب والسنة، على منهج السلف الصالح، أمثال أبي بكر وعمر وعثمان وعلي. خرجنا لنا داعيات صالحات، أمثال خديجة بنت خويلد وعائشة بنت أبي بكر الصديقة، وفاطمة بنت محمد رسول الله عليه الصلاة والسلام. والله إن منزلتك أيتها المرأة منزلة عظيمة قد حظيت بها في الإسلام، فلا تلتفتي إلى هذه الدعايات الفارغة، ولا إلى هذه الوسائل الخبيثة والخطط الماكرة التي يقوم بها أعداء الإسلام. أعداء الإسلام استطاعوا أن يفرقوا هذه الأمة ببث الفتنة وببث الأحقاد وببث كذلك الأمور التي تفرقهم، فصار بعضهم يقتل بعضا، وصار بعضهم يأخذ مال الآخر، وصار بعضهم يقع في أعراض الآخرين. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار». قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: «كان حريصا على قتل صاحبه». والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض». والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا». ألا هل بلغت؟ والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر». ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: «المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضا». وشبك بين أصابعه عليه الصلاة والسلام. أعداء الإسلام، معاشر المسلمين والمسلمات، استطاعوا أن يجعلوا أهل الإسلام على هذا الحال، عن طريق ما يسمى بثورات الشعوب وربيع الثورات التي زعموا بها بلاد أهل الإسلام وفتنوهم، هذه الفتن العظيمة التي يعاني منها أهل الإسلام -والعياذ بالله-. فعلينا يا عباد الله أن نتفطن لما يخطط له أعداء الإسلام لهذه الأمة، لتمزيقها ولتفريقها والاستئصال شأفتها. متى نعقل ذلك عباد الله؟ متى نفيق يا عباد الله؟ فلنجعل عيدنا عباد الله عودة حميدة إلى كتاب الله جل وعلا وإلى سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام وإلى منهج السلف الصالح. علينا أن نرفعها عالية كلمة نسمعها كل من أراد أن يسمع، نتمسك بكتاب الله، نجتمع على كتاب الله وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام على فهم السلف الصالح. وإلا فلا اجتماع، نعتز بكتاب الله جل وعلا وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وإلا فلا عزة، نمكن بكتاب الله وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وإلا فلا تمكين. قال جل وعلا: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا﴾. فلا عزة لنا يا عباد الله إلا بالاعتزاز بهذا الدين. لا عزة عند أعداء الإسلام. الله جل وعلا يقول: ﴿أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا﴾. وقال جل وعلا: ﴿ومن كان يريد العزة فلله العزة جميعا﴾. العزة يا عباد الله والتمكين والاستخلاف إنما بالتمسك بكتاب الله جل وعلا والعمل بما جاء فيه والدعوة إليه والتحاكم إليه، وإلى سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. علينا أن ننشر دين الإسلام، الدين الصافي، الدين الحق الذي بعث به رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذي كان عليه أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام -رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم-. هكذا عباد الله يعزنا الله سبحانه وتعالى. علينا معاشر المسلمين والمسلمات أن نجعل هذا العيد عيدا شكرا لله جل وعلا، واستمرارا ومواصلة للطاعات، تعظيما لشعائر الله جل وعلا. لا نكون من أولئك يا عباد الله الذين لا يعرفون الله إلا في رمضان، فإذا خرج رمضان تركوا الصيام وتركوا العبادات. لا يعرفون الصلوات في جماعات إلا في رمضان، فإذا خرج رمضان تركوا الصلوات في جماعات، وربما تركوا الصلوات الأخرى. لا يعرفون صلاة الفجر في جماعة ربما إلا في رمضان. وهذا لا يعرفون القرآن إلا في رمضان. عباد الله، إذا رحل رمضان فهذه الست من شوال قادمة علينا، التي قال فيها النبي عليه الصلاة والسلام: «من صام رمضان ثم أتبعه ستة من شوال كان كصيام الدهر». خرجه مسلم من حديث أبي أيوب الأنصاري -رضي الله تعالى عنه وأرضاه-. وهكذا عباد الله، مواسم الخيرات متتابعة: صيام يوم عرفة، صيام عاشوراء، صيام الأيام البيض، صيام الاثنين والخميس، فصيام النوافل مستمر يا عباد الله، وذلك من رحمة الله جل وعلا بهذه الأمة. وهكذا سائر الطاعات عباد الله، عليك يا عبد الله أن تواصل، وعليك أن تستمر عبد الله في طاعة الله جل وعلا، لا تعرض ولا تنصرف ما دمت وفقك الله جل وعلا في رمضان للمحافظة على الصلوات والمحافظة على قراءة القرآن وعلى صلة الأرحام وعلى غيرها من الطاعات. فهذه نعمة وفقك الله جل وعلا، فعليك أن تواصل يا عبد الله، لا تنقطع، بل استمر وواصل واثبت على ما أنت عليه من الخير العظيم الذي وفقك الله جل وعلا. علينا أيها المسلمون أن نجعل هذا العيد عيدا لتعظيم شعائر الله جل وعلا، لا نتساهل كما يتساهل البعض، وخاصة في أيام الأعياد وفي أيام العادات، من ما يتعلق بالتهاون في أمر الاختلاط والخلوة بالأجنبيات ومصافحة الأجنبيات غير المحارم، وهكذا من التوسع الذي فيه مخالفة للشرع. نعم هذا يوم عيد، وهذا يوم توسع، لكن فيما يوافق شرع رب العالمين جل وعلا. فالحرام محرم، حرمه الله جل وعلا إلى يوم القيامة. علينا يا عباد الله أن نكون آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر، متناصحين في دين الله جل وعلا، متواصين بالحق، متناصحين بالحق، متواصين بالحق والصبر. علينا يا عباد الله أن ننشر الدعوة الصحيحة، علينا يا عباد الله أن نكون مفاتيح خير، مغاليق شر، لا نكون مفاتيح شر، مغاليق خير -والعياذ بالله-. علينا يا عباد الله أن ندفع بهذه الأمة، أمة الإسلام، إلى عليائها وإلى مجدها المنشود وإلى خيريتها التي شرفها الله جل وعلا بها: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾. علينا يا عباد الله أن نجعل أعيادنا تعظيما لله جل وعلا وتعظيما لشعائره سبحانه وتعالى ولحرمات الله سبحانه وتعالى، وأن نكون دائما على الصراط المستقيم سائرين، وإليه داعين، وإليه حاثين داعين، حتى نلقى الله جل وعلا ونحن على ذلك. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجمع كلمة المسلمين على الحق، وأن يوحد صفوفهم، وأن يوحد رايتهم على كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. احذروا يا عباد الله من علماء الفتن وعلماء الضلالة الذين يجرون الأمة إلى الويلات وإلى القلاقل وإلى الفتن. استشيروا واسترشدوا بالعلماء الربانيين الراسخين في العلم، فإنهم خيار من يقود هذه الأمة المحمدية إلى كل خير. اللهم انصر الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين. اللهم اجعلنا من عبادك الذين تقبلت صيامهم وقيامهم، ومن ختمت لهم بالخاتمة الحسنة بالأعمال الصالحة. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.