الخطبة بعنوان وإنا على فراقك يا شيخنا عبدالرحمن لمحزونون، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ٨ جمادى الاخر ١٤٣٧هـ ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يبيّن الخطيب أن حياة الإنسان محصورة في أجل مقدّر لا يستأخر بينما آماله تمتد بعيداً، مؤكداً حتمية الموت على الأنبياء وسائر الخلق. يدعو المسلمين إلى الزهد في الدنيا والعيش فيها كغرباء أو عابري سبيل.
يوضح المقطع أن موت النبي صلى الله عليه وسلم كان مصيبة عظمى لأنه كان أماناً لأصحابه، وتتابعت بعده الفتن كردة الردة وقتل الخلفاء. يؤكد أن موت العلماء ثلمة في الإسلام لا تُسد لأنهم حملة الشريعة والمدافعون عن الدين.
ينعى المتحدث الشيخ العلامة عبد الرحمن بن عمر بن مرعي الذي اغتيل غدراً مستنكراً فعل القتلة ومستشهداً بآيات الوعيد، مبيناً أن تشييع الألوف وإرثه العلمي دليل كرامته. يختم بدعوة المسلمين للصبر والثبات على منهج السلف والرجوع لأهل العلم في الفتن.
يختتم الخطيب خطبته بالاستغفار العظيم له وللمسلمين أجمعين سائلاً الله المغفرة والرحمة. ثم يشرع في رفع الأذان إيذاناً بدخول وقت الصلاة وإقبال الناس عليها.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدا، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيما. أما بعد، فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعةٍ، وكل بدعةٍ ضلالةٍ، وكل ضلالةٍ في النار. أيها المسلمون، عباد الله، ثبت عند البخاري من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خط خطًا مربعًا، وخط وسط ذلك الخط المربع خطًا خارجًا منه، وخط خططًا صغارًا أسفل ذلك الخط الذي في الوسط، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «هذا الإنسان» للخط الذي هو في وسط ذلك المربع، «هذا الإنسان»، وأشار إلى المربع فقال: «وهذا أجله»، وأشار إلى الخط الخارجي من الخط المربع وقال: «وهذا أمله»، وأشار إلى الخطط الصغار أسفل الخط الذي في الوسط وقال: «هذه الأعراض، هذه الأعراض، إن فاته هذا نهشه هذا، وإن فاته هذا نهشه هذا». بيّن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الحديث بقوله ورسمه البديع عليه الصلاة والسلام حقيقة الإنسان في هذه الدنيا، وأنه بين الأجل والأمل. فالإنسان في هذه الدنيا بين الأجل والأمل، فكم ربما أمل من آمال كثيرة جدا يريد أن يبني بيوتا أو أن يعمل ويعمل ويعمل، آمال آمال ربما تحتاج إلى أن يعيش في هذه الدنيا ألف سنة أو أكثر، لأن آمال لا تحقق بخمسين سنة ولا بمئة سنة، تحتاج إلى آلاف من السنين، ولكن لأن الإنسان مغرور بنفسه ظن أنه سيعيش في هذه الدنيا حتى يحقق هذه الآمال الطويلة العريضة التي دونه ودونها خرط القتاد كما يقال. فلا بد عباد الله من الأجل، لا مفر منه ولا مهرب منه، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون. فمن هذا الذي يستطيع أن يزيد في أجله دقيقة واحدة فضلا عن ساعة فضلا عن يوم فضلا عن شهر فضلا عن سنة؟ ومن هذا الذي يستطيع أن يؤخر أجله؟ فالأجل لا يؤخر. عباد الله، الأنبياء قد رحلوا من هذه الدنيا ولقوا ذلك المصير وذلك الأجل الذي لا بد منه. ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله وهو الصادق المصدوق: «إن ناحتكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد» الحديث. رحل النبي عليه الصلاة والسلام وهو رسول الله عليه الصلاة والسلام، لا خلود في هذه الدنيا، لا خلود في هذه الدار. لو أن في هذه الدنيا الخلود لكان لأنبياء الله جل وعلا ورسله، وكان لرسول الله عليه الصلاة والسلام. ﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِيْن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ ﴾. لا يعقب الله، بل الأمر كما قال جل وعلا: ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ﴾. ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾. رحل النبي عليه الصلاة والسلام من هذه الدنيا، ومضى دينه، ومن تهى الإسلام، بل بقي الإسلام وسيبقى إلى أن يرث الله جل وعلا الأرض ومن عليها. هذا موسى عليه السلام كما في البخاري ومسلم عن أبي هريرة، يأتيه ملك الموت ليقبض روحه، فدخل عليه فلكمه في عينه حتى فقأ عين ملك الموت، فرجع ملك الموت إلى ربه تبارك وتعالى وقال: يا رب، أرسلتني إلى رجل لا يريد الموت. فقال ربنا جل وعلا: ارجع إليه. رد الله جل وعلا لملك الموت عينه وقال: ارجع إليه وقل له: ضع يدك على جلد ثور، ولك بكل شعر سنة. ضع يدك يا موسى على جلد ثور، ولك بكل شعر سنة. إذا وضع يده على جلد الثور، على كم ستأتي يده من شعرات هذا الثور؟ وبكل شعر سنة. ثم قال موسى: وماذا بعد ذلك؟ يقول لملك الموت: ثم الموت. قال: إذن الآن. إذن الآن. علم أنه ملك الموت، ومهما عاش، ولو عاش بقدر هذه الشعرات التي في جلد الثور، أنه لا بد من الموت، ومن هذا المصير، ومن هذا الأجل. إذن قال موسى: إذن الآن. ولأن الأنبياء يختارون ما عند الله جل وعلا والدار الآخرة، وكما كان آخر كلامه عليه الصلاة والسلام: «بل الرفيق الأعلى، الرفيق الأعلى، الرفيق الأعلى». وجاء جبريل عليه السلام كما في المسند وغيره عن أبي هريرة إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: «يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل، وعزه استغناؤه عن الناس». ورضي الله تعالى عن عبد الله بن عمر بعد أن أوصاه النبي عليه الصلاة والسلام كما في البخاري بأن يكون في هذه الدنيا كالغريب أو عابر السبيل، فكان يقول: «إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح». فالأجل يا عباد الله لا بد منه، والموت لا بد منه. لكن موت الأنبياء عباد الله ليس كموت غيرهم من الناس. فموت النبي عليه الصلاة والسلام مصيبة عظمى على هذه الأمة، لأنه عليه الصلاة والسلام كان هو صمام الأمان لصحابته من الوقوع في الفتن، كما قال عليه الصلاة والسلام كما في البخاري ومسلم، أو كما في صحيح مسلم انفرد به من حديث أبي بردة عن أبيه رضي الله تعالى عنهما، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون». لما مات النبي عليه الصلاة والسلام ظهرت الفتن، هناك من ارتد عن دين الإسلام وترك دين الإسلام وجحد فرض الزكاة، بل وقاتل أهل الإسلام، فقاتلهم الصديق رضي الله تعالى عنه، وقد اجتمعت كلمتهم رضي الله تعالى عنهم على قتال مانع الزكاة والجاحدين لها. وهكذا ظهرت الفتن تتتابع على هذه الأمة، والصحابة لما ماتوا أيضا تتابعت الفتن تتابعا كثيرا على هذه الأمة، بمقتل الخليفة الراشد أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، الذي كان هو الباب والحصن الحصين من حدوث الفتن رضي الله تعالى عنه. ففي البخاري عن حذيفة قال: كنا عند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: أيكم يذكر الفتنة التي ذكرها رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ فقال حذيفة: أنا. فقال عمر: إنك لجريء. فقال حذيفة: فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فقال عمر: لا عن هذا أسألك، أسألك عن الفتنة التي تموج كموج البحر. قال: وما لك لها يا أمير المؤمنين؟ إن بينك وبينها بابا. فقال عمر: يكسر أم يفتح؟ قال: بل يكسر. قال: فحري أن لا يغلق. فقال بعض من جلس وسمع لحذيفة: هل كان عمر يعلم أنه الباب؟ فقال حذيفة: نعم، كما أعلم أن الليلة دون غد، كما أعلم أن الليلة دون غد. مسروق سأل حذيفة فقال: ذلك حذيفة قال: إني حدثته حديثا ليس بالأغاليط. فانظروا لما قتل الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، قتله ذلك الرافضي المجوسي أبو لؤلؤة، أبو لؤلؤة المجوسي الخبيث، كيف تابعت هذه الفتنة على هذه الأمة. قتل عثمان الخليفة الراشد، ضحوا به، ماذا عنده؟ هل زنى بعد إحصان؟ هل قتل نفسا فقتل بها؟ هل رغب عن دينه وارتد؟ لا. قبل أن يقتلوه قال لهم: على ما تقتلوني؟ على ما تقتلوني؟ والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة». فوالله ما زنيت لا في جاهلية ولا في إسلام، وما قتلت نفسا، وما رغبت عن ديني بعد أن دخلت فيه. هل امتثلوا لهذا؟ هل استمعوا لهذا؟ لم يلقوا لهذا بالا، قتلوه رضي الله تعالى عنه. ضحوا بأشمط عنوان السجود، به يقطع الليلة تسبيحا وقرآنا. وعمر قتلوه وهو يصلي صلاة الفجر غدرا رضي الله تعالى عنه وارضاه. وقتلوا علي بن أبي طالب بعد ذلك، قتله الخوارج كما قتلوا عثمان. وهكذا تتابعت هذه الفتن على هذه الأمة، ظهرت فتنة القدرية في آخر عهد الصحابة، كما ظهر الخوارج قبلهم أنكروا القدر وعلم الله السابق والكتابة، فكفرهم الصحابة فانقرضوا. وهكذا تتابعت الفتن على هذه الأمة، فتنة بعد فتنة، فتنة القتل والقتال وغيرها من الفتن. وها نحن اليوم عباد الله في هذا الزمن نعيش هذه الفتن المتتابعة كتتابع القطر من السماء، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشرف على أطم من آطام المدينة مرتفع، فقال: «إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر». تبين أن يسلم شدت وكثرت هذه الفتن وتتابع هذه الفتن على هذه الأمة. وانظروا إلى الواقع اليوم، كيف الفتن متتابعة، في اليوم الواحد تحدث مئات الفتن بين قتل وقتال وبين غيرها من الفتن، متنوعة ومتلونة، ينسي بعضها بعضا. تحدث الفتنة وتنتشر، يتحدث عنها الناس، فإذا بهم قد نسوها لما جاء منها من أعظم مما قبلها. فتن كموج البحار، كقطع الليل المظلم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. نسأل الله العافية والسلامة. أقول ما سمعتم، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين. عباد الله، واعلموا كذلك أن موت العلماء ليس كموت غيرهم من الناس. موت العلماء ليس كموت غيرهم من الناس. كيف لا وهم حملة الشريعة، وهم خلف العدول الذين ينفون عن دين الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين؟ من من الناس يفعل هذا؟ من من الناس ينفي عن دين الله تحريف الغالين إلا العلماء؟ ومن ينفي عن دين الله عز وجل تأويل الجاهلين إلا العلماء؟ ومن ينفي عن دين الله عز وجل انتحال المبطلين إلا العلماء؟ حملوا هذا الدين، حملوا هذه الشريعة، فكيف يكون موتهم كموت غيرهم من الناس؟ لا والله. ولذلك قال الحسن البصري رحمه الله: «موت العالم ثلمة في الإسلام لا تسد». من يسد هذا المكان؟ ومن يسد هذا الفراغ؟ صانع يسد مكانه صانع، نعم، مهندس يسد مكانه مهندس، طيار، طبيب، لكن من هذا الذي يسد مكان العالم؟ ومن يقوم بهذا العمل العظيم الذي يحتاج إلى ملك عظيمة وفقه عظيم بأحكام الشريعة؟ إنما هم هؤلاء العلماء، رحمة الله عليهم. رحم الله الأموات، وحفظ الله جل وعلا منهم الأحياء. وقد أصيبت الأمة الإسلامية بفقد عالم من علمائها، وفقيه من فقهائها، وناصح من ناصحيها، ومرب من مربيها، ألا وهو فضيلة الشيخ العلامة عبد الرحمن بن عمر بن مرعي بن بريك رحمه الله تعالى، رحمة الأبرار، وأسكنه الله دار القرار، ورفع الله منزلته في عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا. امتدت إليه يد الغدر والخيانة، تلك الأيادي الحاقدة، تلك الأيادي الغادرة، تلك الأيادي الآثمة، على من قتلوه. وقد قال لهم: اتقوا الله. والله جل وعلا يقول: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾. اتقوا الله، فمن طغوا بها ولا استجابوا لها، أخذتهم العزة بالإثم على سفك دم هذا العالم رحمه الله. ﴿ إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِأَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾. فلتصبروا ولتحتسبوا. وإن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقك يا شيخنا عبد الرحمن لمحزنون. ولكنها سنة الله جل وعلا في خلقه، أبى الله جل وعلا إلا أن يكتبه في عداد الشهداء، أن يكتبه في عداد الشهداء. عاش عيشة العلماء، ومات ميتة الشهداء. عاش عيشة العلماء، ومات ميتة الشهداء. رحمه الله تعالى، ختم الله جل وعلا له بتلك الخاتمة الحسنة التي نشهد لله جل وعلا، نشهد الله جل وعلا له بها. يكفيك الجموع التي حضرت جنازته، مع أنه إذا شهد له اثنان من المسلمين من أهل التوحيد، ولو كان من عوامهم، شهدوا لذلك الميت، فكيف وقد حضر جنازته الألوف المؤلفة؟ وصدق الإمام أحمد رحمه الله تعالى إذ يقول: «بيننا وبينكم يوم الجنائز»، تخاطب أهل البدع: «بيننا وبينكم يوم الجنائز». لأن جنائز أهل السنة يوفق الله جل وعلا للكثير لشهودها، ولو حتى المخالف لا يسعه إلا أن ينصف في هذا المكان، لا يسعه إلا أن ينصف، إلا سيفضح في هذه المواقف. فلذلك لا بد أن يحضر رغما عن أنفه، حتى لا يسجل عليه التاريخ هذه الوصمة، وصمة عار عليه ستكتب عليه، ولو كان ذلك من مخالفين له حسب ما يظن، لأنه لا يسعه إلا الاعتراف والشهادة له بما كان عليه من الخير. كم شهد جنازة الإمام أحمد رحمه الله؟ وكم الذين شهدوا جنازة شيخ الإسلام؟ وكم الذين شهدوا جنازة العلماء من المتقدمين والمتأخرين: الألباني، بن باز، العثيمين، الوادعي، غير هؤلاء؟ فما هي إلا إكرام من الله جل وعلا. فما هذا إلا إكرام من الله جل وعلا، حتى يعلم الناس أن هذا من الخير الذي أراده الله جل وعلا لهؤلاء حيث رحلوا من هذه الدنيا على هذه الكرامة، وإن كانت في ظاهرها اعتداء وظلم، لكن هي في ميزان الله جل وعلا منازل عالية ودرجات رفيعة لا يعلمها إلا الله تبارك وتعالى. فرحم الله شيخنا عبد الرحمن رحمة واسعة، وعلمه بحمد الله مبثوث، وعلمه موجود، لتجر له الحسنات. قد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»، كما في الصحيح. فعلمه مبارك، ومؤلفاته مباركة، وخلف إرثا عظيما، دارا عظيمة يتعلم فيها الآلاف المؤلفة. وما هذه الدار؟ وما هذه الدار؟ دار الحديث بالشعر، إلا هو أحد مؤسسيها، بل هو من تولى أول من تولى الدراسة فيها رحمه الله. فكم سيجر له من الحسنات؟ نسأل الله جل وعلا أن يجري له الحسنات إلى يوم القيامة، وفضل الله جل وعلا واسع. ونسأل الله تبارك وتعالى أن يرد كيد الكائدين في نحورهم، وأن يعلموا أن السنة ماضية، ستعلو السنة الغراء يوما على رغم أنوف الحاقدين. يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، ولو كره المشركون. السنة ماضية، والحق ماض. في الحديث المتفق عليه عن معاوية رضي الله عنهما قال: قال عليه الصلاة والسلام: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». فعليكم يا عباد الله أن تسيروا في الطريقة التي سار عليها الأنبياء، والتي سار عليها نبينا عليه الصلاة والسلام، والتي سار عليها الصحابة، والتي سار عليها التابعون وأتباع التابعين، وهكذا، وعلى ما يسير عليه العلماء. هذه الطريقة عباد الله هي الطريقة الموصلة إلى جنة الله تبارك وتعالى، وإن كان سيعتري السالكين فيها ما سيعتريهم من الابتلاءات، ومن المحن، ومن التمحيصات. فالحذر الحذر من التقهقر، والحذر الحذر من التراجع، والحذر الحذر من التخاذل. بل نمشي بخطوات حكيمة مبنية على ما جاء في الكتاب والسنة حتى نصل بإذن الله عز وجل. فلذلك عباد الله، دين الله باق، ودين الله محفوظ، ومن سار في هذه الطريق كانت له السعادة في الدنيا والآخرة، والشرف والاستخلاف والتمكين، ولا بد. فنسأل الله جل وعلا أن يخلف لهذه الأمة علماء ربانيين صادقين ناصحين، للسير على ما سار عليه السلف الصالح من قبلهم. نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من الذابين عن دينه، الذابين عن أوليائه الصالحين، المعترفين لهم بما يستحقون اعترافا وشهادة، وهذا إنما هو قليل، ولكن نخشى أننا إذا تطاولنا أن نقع في شيء من التجاوز في ذلك، وإلا فحقوق العلماء عباد الله حقوق عظيمة، حقوق عظيمة على هذه الأمة. فعل أمة أن تعرف قدرهم، وأن يرجع إليهم، وخاصة في أيام الفتن والمحن، ونحن فيها عباد الله. فالنجاة النجاة بالتمسك بالكتاب والسنة، وبالرجوع إلى أهل العلم، فبذلك النجاة بإذن الله في الدنيا والآخرة. نسأل الله جل وعلا أن يرحم شيخنا رحمة واسعة، وأن يصبر أهله وأولاده، وأن يخلف لهذه الأمة خيرا. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه الغفور الرحيم. أكبر، الله أكبر، شهد أن لا إله إلا الله، شهد أن محمد رسول الله، حيا على الصلاة، حيا على الفلاح.